الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "المنهل"

تعقيب علي رد

Share

وقفنا فى عدد جريدة « البلاد السعودية ( الصادر ١٣٧٥/٧/١٦ للاستاذ محمد مصطفى العلوى الشنقيطى يعقب به على ما كتبناه سابقا فى منع اضافة الحديث الموضوع « لا تنكحوا القرابة القريبة فان الولد يخلق ضاويا » الى خاتم الرسل عليه أكمل الصلاة والسلام ، وقد ايدنا ذلك المنع بنقول قوية عن الأئمة ثم عارضنا ما أيده به الاستاذ أحمد محمد جمال بالآية الكريمة « يا أيها النبى انا احللنا لك ازواجك اللاتى آتيت اجورهن » الآية . ويرى كاتب التعقيب انه لا موجب لمنع اضافة هذا الخبر الى الرسول صلى الله عليه وسلم كما يرى أن الآية المذكورة لا صلة لها ببحث نكاح القرائب ، أما المنع فقد عارضه مما يصحح عنده الجزم يكون هذا الخبر من مشكاة النبوة بما يلى :

أولا : أن هذا الخبر من باب الترغيب والترهيب الذى قال فيه الامام النووى يستحب العمل بالضعيف فيه وتجوز روايته ، وقال الامام أحمد بن حنبل فيه وفى الفضائل « اذا روينا فى الحلال والحرام شددنا واذا روينا فى الفضائل ونحوها تساهلنا »

ثانيا - أن لهذا الخبر شاهدا صحح يعقوب بن شيبه لراويه سليمان بن

ايوب الطلحى احاديث واختار الضياء المقدسى روايته فى المختارة وذلك الشاهد هو ما رواه الطبرانى من طريق المذكور مرفوعا « الناكح فى قومه كالمعشب فى داره »

وقد اغتبط الاستاذ المعقب بهذا الخبر الذى اعتبره شاهدا وهو فى الحقيقة حجة عليه لا له كما سنبينه بعد ان شاء الله

ثالثا : أن أئمة الحديث ذكروا أنه لا ملازمة بين متن الحديث وسنده بل قد يصح احدهما دون الآخر كما ذكروا أن اطلاق المنكر على الحديث لا يستلزم ضعفه

هذا ما أورده على ، من ناحية هذا الخبر اما من ناحية الآية فيرى ان الاستدلال بها غير لائق فان المصطفى صلى الله عليه وسلم لم يتزوج المعروضات عليه من القرابة القريبة فى هذه الآية بل أم حبيبة التى هى اقرب نسائه اليه انما تجتمع معه فى الجد الخامس، فبناء على هذا أرى من الواجب على ، تتبع هذه الايرادات والاجابة عليها وهذا أوان الشروع فى ذلك فنقول وبالله التوفيق وهو حسبى ونعم الوكيل :

أما الدليل الاول فجوابى عنه بعدة أمور :    أولها : أن هذا الخبر على فرض

كونه من باب الترغيب والترهيب « دون تسليم ذلك خرط القتاد » فهو خارج عن شرط الأئمة لرواية الضعيف فى الباب المذكور وهو أن يكون ذلك الضعيف المروى فيه اصل صحيح لا مطعن فيه

والى المعقب من نصوصهم على ذلك ما يلى : قال الامام الشاطبى فى « الاعتصام » « كل ما رغب فيه ان ثبت حكمه أو مرتبته فى المشروعات من طريق صحيح فالترغيب فيه بغير الصحيح مغتفر ، وان لم يثبت الا من حديث الترغيب فاشترط الصحة ابدا والا خرجت عن طريق القوم المعدودين من الرسوخ » قال « قد غلط فى هذا المكان جماعة ممن ينسب الى الفقه ويتخصص عن العوام بدعوى رتبة الخواص » وقال : « واصل هذا الغلط عدم فهم كلام المحدثين فى الموضعين » وقد أوفى الشاطبى هذا الموضوع حقه حيث ذكر أن العمل المرغب فيه أما أن يكون منصوصا على اصله جملة وتفصيلا أو لا يكون منصوصا عليه لا جملة ولا تفصيلا أو يكون منصوصا عليه جملة لا تفصيلا، ثم ذكر أن الاول لا اشكال فى صحته ثم مثل له بالصلوات المفروضات والنوافل المرتبة وغير ذلك وذكر أن النص جاء فى هذه الاشياء صحيحا على ما اشترطوه فثبتت احكامها من الفرض والاستحباب فاذا أورد فى مثلها احاديث ترغب فيها أو تحذر من ترك الغرض منها لم تبلغ مبلغ الصحة ولا وصلت من الضعف الى الوضع او الى حيث لا يقبلها احد فلا بأس بذكرها للترغيب او للتحذير بعد ثبوت اصلها ثم قال فى القسم

الثانى ان عدم صحة العمل به ظاهر قال « وهو عين البدعة لانه لا يرجع الا لمجرد الرأى المبنى على الهوى » ثم ذكر أن القسم الثالث وهو المنصوص عليه جملة لا تفصيلا يتوهمه بعض الناس كالاول وليس كذلك فان ثبوت الاصل فى الجملة لا يستلزم اثباته فى التفصيل الا بدليل خاص صحيح وممن بين هذا شيخ الاسلام تقى الدين فى « شرح العمدة » حيث قال « العمل بالضعاف يشرع فى عمل قد علم أنه مشروع فاذا رغب فى بعض انواعه بحديث ضعيف عمل به أما أثبات سنة فلا »     ويقول كاتب هذه السطور : ان هذا هو الحق الذى يجب قبوله وعليه حمل الامام ابن تيمية فى « فتاواه » كلام الامام احمد الذى ذكره المعقب قال « وقول الامام احمد اذا جاء الترغيب والترهيب تساهلنا فى الاسانيد انما أراد به اذا كان الامر مشروعا او منهيا عنه بأصل معتمد ثم جاء حديث فيه ترغيب فى المشروع او ترهيب عن المنهى عنه لا يعلم انه كذب وما فيه من الثواب والعقاب قد يكون حقا ولو قدر أنه ليس كذلك فلابد فيه من ثواب أو عقاب » قال شيخ الاسلام « أما أنه يرويه مع علمه بأنه كذب فمعاذ الله لا يجوز ذلك الا مع بيان حاله ولا يستند اليه فى ترغيب ولا غيره » وقال « وكذلك لا يجوز ان يثبت حكم شرعى من ندب أو كراهة أو فضيلة ولا عمل مقدر فى وقت معين لحديث لم يعلم حاله أنه ثابت فلابد من دليل ثابت يثبت به الحكم الشرعى والا كان قولا على الله بغير علم » واقول هذا التوجيه هو

اللائق بمكانة الامام احمد بن حنبل ومعاذ الله ان يوجه كلامه الى اباحة الكذب على المصطفى صلى الله عليه وسلم بل يأبى الله للامام احمد الا اتباع النبى احمد عليه السلام والى هذا الشرط الذى ذكرناه اشار العلوى فى منظومه المصطلح بقوله « بشرط الاندراج تحت شامل » ولا ادرى لماذا حذف المعقب هذه الجملة من كلامه .     ثانيها : ان ارخاء العنان لكل ضعيف فى هذا التساهل لا يرضاه أئمة الحديث بل شرطوا فيه ان لا يصل الى دركة الوضع أما الواصل اليها كهذا الخبر فقد حرموا التساهل فى روايته كما حكاه عنهم غير واحد من أئمة الحفاظ . . قال ابن الصلاح فى « المقدمة » : « اعلم أن الموضوع شر الاحاديث الضعيفة ولا تحل روايته لاحد علم به الا مقرونا ببيان وضعه بخلاف غيره من الاحاديث الضعيفة التى يحتمل صدقها فى الباطن حيث جاز روايتها فى الترغيب والترهيب »

وقال النووى فى « التقريب والتيسير » : « الموضوع هو المختلق المصنوع وشر الضعيف وتحرم روايته مع العلم به فى أى معنى كان الا مبينا» وقال العينى فى « عمدة القارى » : « لا فرق فى تحريم الكذب على النبى صلى الله عليه وسلم بين ما كان فى الاحكام وغيرها كالترغيب والترهيب فكله حرام من أكبر الكبائر باجماع المسلمين المعتد بهم قبل خلافا للكراهية فى زعمهم الباطل أنه يجوز الوضع فى الترغيب والترهيب وتابعهم كثير من الجهلة الذين ينسبون الى الزهد » واطال هو والحافظ ابن حجر فى الرد

على من قال من المبتدعة بخلاف ذلك فأفادا وأجادا

ثالثها : ان التساهل فى باب الترغيب والترهيب والفضائل انما يكون بذكر السند لأنه من جملة البيان والا فلابد من أدائه بصيغة التمريض ، أما الجزم بكونه من مشكاة النبوة كما صنعه الاستاذ احمد محمد جمال حيث قال « وفى الحديث النبوى ما يؤيد ذلك » فقد منعوه كما بينه الامام النووى فى تصانيفه يقول فى « المجموع » : « قال العلماء المحققون من أهل الحديث وغيرهم اذا كان الحديث ضعيفا لا يقال فيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو فعل أو أمر أو نهى أو حكم وما اشبه ذلك من صيغ الجزم وكذا لا يقال فيه روى ابو هريرة ، أو قال ، أو ذكر ، أو أخبر ، أو نقل أو أفتى ، وما أشبهه ، وكذا لا يقال ذلك فى التابعين ومن بعدهم فيما كان ضعيفا فلا يقال فى شىء من ذلك بصيغة الجزم وانما يقال فى هذا كله روى عنه ، أو نقل عنه ، أو حكى عنه أو جاء عنه أو بلغنا عنه ، أو يقال ، أو يذكر ، أو يحكى ، أو يروى ، أو يرفع أو يعزى وما أشبه من صيغ التمريض وليست من صيغ الجزم » قال النووى « قالوا : صيغ الجزم موضوعة للصحيح أو الحسن ،وصيغ التمريض لما سواها وذلك ان صيغة الجزم تقتضى صحته عن المضاف اليه فلا ينبغى أن تطلق الا فيما صح والا فيكون الانسان فى معنى الكاذب عليه صلى الله عليه وسلم » قال « وهذا الأدب أخل به المصنف » « أى صاحب المهذب »

وجماهير الفقهاء ومن اصحابنا وغيرهم بل جماهير اصحاب العلوم مطلقا ماعدا حذاق المحدثين وذلك تساهل قبيح فانهم يقولون كثيرا فى الصحيح : روى عنه ، وفى الضعيف قال ، وروى فلان ، وهذا حيد عن الصواب » ويقول فى « مقدمة شرح صحيح البخارى » بعدما تقدم : « هذا التفصيل مما تركه كثير من المصنفين فى الفقه والحديث وغيرهما » قال « وقد اشتد انكار الامام الحافظ أبى بكر أحمد بن حسين ابن على البيهقى على من خالف هذا من العلماء » قال « وهذا التساهل من فاعله قبيح جدا فانهم يقولون فى الصحيح بصيغة التمريض ، وفى الضعيف بالجزم وهذا خروج عن الصواب وقلب للمعانى والله المستعان» وقال : « وقد اعتنى البخارى بهذا التفصيل فى صحيحه فيقول فى الترجمة الواحدة بعض الكلام بالتمريض وبعضه بالجزم مراعيا ما ذكرناه وهذا ما يزيدك اعتقادا فى جلالته وتحريه واطلاعه وتحقيقه واتقانه » وقد سبقه الى ذلك شيخه ابن الصلاح فى « المقدمة » وتبعهما العراقى ىي « ألفيته » وابن كثير فى « الباعث الحثيث » وغيرهما من الحفاظ وغيرهم ، ولذلك رد العلماء على من تعلق بوجود هذا الخبر فى كتب العلم فذكره بصيغة الجزم ، وأنكر الحافظ ابن حجر فى « التلخيص الحبير » على الرافعى ايراده قال : « تبع فى ايراده امام الحرمين هو والقاضى حسين » ثم قال « قال ابن الصلاح لم أجد له أصلا معتمدا »

رابعها : ان ما حكاه النووى من اجماع أهل الحديث على استحباب العمل بالضعيف وروايته فى الترغيب والترهيب والفضائل لا يسعنا ولا يسع أى محقق تسليمه لادلة قوية فسروها ، وأحدها أن أمام السنة والجرح والتعديل ( احمد بن حنبل ) له رواية يسوى فيها بين الاحكام وغيرها فى منع رواية الضعيف يراها علامة مذهبه ابن مفلح مقتضى قواعده يقول فى « الآداب الشرعية » « وعن الامام احمد ما يدل على أنه لا يعمل بالضعيف فى فضائل الاعمال والمستحبات » قال : « ولهذا لم يستحب صلاة التسبيح لضعف خبرها عنده مع أنه خبر مشهور عمل به وصححه غير واحد ولم يستحب التيمم بضربتين مع أن فيه أخبارا وآثارا وغيرها ذلك من مسائل الفروع » قال ابن مفلح « فكانت المسألة على روايتين عنه ثانيها أن حامل راية الحفظ يحيى بن معين لا يرضى هذه التفرقة . يقول الحافظ ابن سيد الناس فى « عيون الأثر » : « وممن حكى عنه التسوية فى ذلك « أى فى منع رواية الضعيف » بين الاحكام وغيرها يحيى بن معين » ثالثها أن مسلم بن الحجاج عقد بابا فى مقدمة صحيحة أورد فيه من عدة طرق عن ابن عباس من النهى عن رواية الضعيف ما لا تقوم معه هذه التفرقة على ساق ، ثم قال عن المحدثين : « وانما الزموا أنفسهم الكشف عن معايب رواة الحديث وناقلى الاخبار وافتوا بذلك حين سئلوا لما فيه من عظيم الخطر اذ

الاخبار فى أمور الدين انما تأتى بتحليل أو تحريم او أمر أو نهى أو ترغيب أو ترهيب فاذا كان الراوى لها ليس بمعدل للصدق والامانة ثم أقدم على الرواية عنه من قد عرفه ولم يبين ما فيه لغيره ممن جهل معرفته كان آثما بفعله ذلك ، غاشا لعوام المسلمين ، اذ لا يؤمن على بعض من سمع تلك الاخبار ان يستعملها أو يستعمل بعضها ، ولعلها أو أكثرها أكاذيب لا أصل لها مع أن الاخبار الصحاح من رواية الثقاة واهل القناعة أكثر من أن يضطر لها نقل من ليس بثقة ولا مقنع » قال الامام مسلم بن الحجاج : « ولا أحسب كثيرا ممن يعرج من الناس على ما وصفنا من هذه الاحاديث الضعاف والاسانيد المجهولة ويعتد بروايتها بعد معرفته بما فيها من التوهن والضعف الا أن الذى يحمله على روايتها والاعتداد بها ارادة التكثر بذلك عند العوام ، ولأن يقال « ما أكثر ما جمع فلان من الحديث وألف من العدد ، ومن ذهب فى العلم هذا المذهب وسلك هذا الطريق فلا نصيب له ، وكان بأن يسمى «جاهلا» أولى بأن ينسب الى علم »

فانت ترى الامام مسلما يصرح فى هذا الكلام بعدم التفرقة بين الترغيب والترهيب وغيرهما والذى ذكره عن المحدثين هو مقتضى شرطه وشرط البخارى . رابعها أن ناصر السنة الشهاب المعروف بأبى شامة لما انكر فى كتابه « الباعث على انكار البدع والحوادث » على بعض الحفاظ تعلقه بالضعيف الوارد فى صوم السابع والعشرين من رجب قال : « جرى فى

ذلك على عادة جماعة من اهل الاحاديث يتساهلون فى أحاديث فضائل الاعمال » قال ناصر السنة « وهذا عند المحققين من أهل الحديث وعند علماء الاصول والفقه خطأ ينبغى ان يبين أمره أن علم والا دخل تحت الوعيد فى قوله صلى الله عليه وسلم « من حدث عنى بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين » خامسها أن مسند الاندلس القاضى أبا بكر بن العربى لا يرضى هذه التفرقة فكيف ينعقد اجماع العلماء دون هؤلاء الأئمة الاجلة أحمد ابن حنبل ويحيى بن معين والبخارى ومسلم بن الحجاج وابى شامة وابى بكر بن العربى بل مقتضى كلام مسلم ابن الحجاج ان المنع هو مذهب المحدثين فلذلك رد المحققون من المتأخرين هذه التفرقة واستشكلوها من ناحية أخرى قوية وهى أن الاحكام الشرعية متساوية الاقدام فلا يحل ان ينسب الى الشرع ما لم يثبت كونه شرعا لأن ذلك من باب التقول على الله ما لم يقل وما كان فى فضائل الاعمال اذا جعل ذلك العمل منسوبا اليه نسبة المدلول الى الدليل فلا بد أن العامل به وان كان لم يفعل الا الخير من صلاة أو صيام أو ذكر لكنه مبتدع فى ذلك الفعل من حيث اعتقاده مشروعية ما ليس بمشروع وأجر ذلك العامل لا يوازى وزر الابتداع فلم يكن فعل ما لم يثبت مصلحة خاصة بل عارضته مفسدة هى أثم البدعة ، ورفع المآثم أولى من جلب المنافع وقد بين هذا العلامة صديق حسن خان فى كتابه « اتحاف النبلاء المتقين بمآثر الفقهاء والمحدثين » وفى كتابه « نزل الابرار »

يقول فى نزل الابرار : « قد اخطأ من قال يجوز التساهل فى الاحاديث الواردة فى فضائل الاعمال وذلك لان الاحكام الشرعية متساوية الاقدام لا فرق بين واجبها ومحرمها ومسنونها ومكروهها ومندوبها فلا يحل اثبات شئ منها الا بما تقوم به الحجة والا كان من التقول على الله ما لم يقل ومن التجرؤ على الشريعة المطهرة بادخال ما لم يكن منها فيها ، وقد صح تواترا أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : « من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار » فهذا الكذاب الذى كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم محتسبا للناس بحصول الثواب لم يربح الا كومة من اهل النار » وقال فى موضع آخر « الاحاديث متساوية الاقدام فى الاحتجاج بها على الاحكام وعلى الفضائل ولا دليل على جواز التسامح فى أحاديث الفضيلة دون احاديث الحكم وانما قال هذه المقالة من قالها بلا برهان عليها ولا دليل عليها » قال « والصواب الذى لا محيد عنه ان الاحكام متساوية الاقدام فلا ينبغى العمل بحديث حتى يصح او يحسن لذاته أو ينجبر ضعفه فيرقى الى درجة الحسن لذاته أو لغيره » وقال الشوكانى فى « الفوائد المجموعة » فى رد هذا القول « أن الاحكام متساوية الاقدام لا فرق بينها فلا يحل اثبات شىء منها بما لا تقوم به الحجة والا كان من التقول على الله ما لم يقل وفيه من الوعيد ما هو معروف » وتعقب الدوانى فى « انموذج العلوم » كلام النووى واستشكله بان جواز العمل واستحبابه كلاهما من الاحكام الشرعية فاذا

استحب العمل بالحديث الضعيف كان ثبوته بالحديث الضعيف وذلك ينافى ما تقرر عندهم من عدم ثبوت الاحكام بالاحاديث الضعيفة » وهذا هو الحق واما ما روى عن الامام احمد من التساهل فى هذا الباب فقد تقدم الجواب عنه ، واضافة الى ذلك نقول أن تساهل الامام احمد انما هو بنزوله فى هذا الباب الى روايات لا يعتبرها غيره الا حسنة أو صحيحة فان الضعيف عنده وعند المتقدمين غيره عند المتأخرين كما بينه ابن القيم فى « الفروسية » حيث قال : « وليس الضعيف فى اصطلاحه « أى أحمد » هو الضعيف فى اصطلاح المتأخرين بل هو والمتقدمون يقسمون الحديث الى صحيح وضعيف ، والحسن عندهم داخل فى الضعيف بحسب مراتبه ، وأول من عرف عنه انه قسمه الى ثلاثة اقسام ابو عيسى الترمذى ثم الناس تبع له فأحمد يقدم الضعيف الذى هو حسن عنده على القياس ولا يلتفت الى الضعيف الواهى الذى لا تقوم به حجة بل ينكر على من احتج به وذهب اليه » وقال شيخه ابن تيمية فى « منهاج السنة » « واما نحن فقولنا أن الحديث الضعيف خير من الرأى ليس المراد به الضعيف المتروك لكن المراد به الحسن كحديث عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده وحديث الهجرى وامثالهما ممن يحسن الترمذى حديثه أو يصححه » قال : « وكان الحديث فى اصطلاح من قبل الترمذى اما اصحيحا او ضعيفا والضعيف نوعان ضعيف متروك وضعيف ليس بمتروك فتكلم أئمة الحديث بذلك

الاصطلاح فجاء من لا يعرف الا اصطلاح الترمذى فسمع قول الائمة « الحديث الضعيف احب الى من القياس » فظن أنه يحتج بالحديث الذى يضعفه مثل الترمذى وأخذ يرجح طريقة من يرى أنه اتبع للحديث الصحيح وهو فى ذلك من المتناقضين الذين يرجحون الشىء على ما هو أولى بالرجحان منه » وقرر هذا فى شرح حديث « انما الاعمال بالنيات » شيخ الاسلام ابن تيمية ثم قال « ان ذلك الذى سماه اولئك ضعيفا هو ارفع مما يسميه كثير من الناس صحيحا » وقد جزم ابن بدران بهذا الذى بينه ابن القيم وابن تيمية فى « المدخل » والصنعانى فى « توضيح الافكار » والشاطبى فى « الاعتصام » والعراقى فى « شرح ألفيته » وغيرهم ممن يطول الكلام بذكر نصوصهم على أن الشروط التى ذكرها المتأخرون للعمل بالضعيف فيما ذكر لا توجد فى خبر « لا تنكحوا القرابة القريبة » الخ . . وهى أن لا يشتد ضعفه ، وان يكون مندرجا تحت أصل عام ، وان لا يفتقد ثبوته عند العمل به أما الأولان فأمرهما ظاهر ، وأما الثالث فان اعتقاد ثبوته هو الذى أدى الى هذه المحاورة الطويلة أما الجواب عن الدليل الثانى فهو ان هذا الخبر « الناكح فى قومه كالمشعب فى داره » سببه فيما ذكره العزيز فى « السراج المنير » استشارة بعض الصحابة النبى صلى الله عليه وسلم فيمن يتزوج ؟ فأجابه بهذا على فرض صحته ووجه الشبه بين النكاح فى القوم والاعشاب فى الدار هو وجود الرفق فى الكل فان

قرب الكلأ فيه من عدم المشقة والرفق مالا يخفى وكذلك التزوج من العشيرة ويشهد بهذا التوجيه ذكر الحافظ الهيتمى له فى « مجمع الزوائد » فى « باب تزويج الاقارب » وذكر معه ما رواه جعفر بن الزبير : « لا تقوم الساعة حتى يعمد الرجل الى النبيطة ويتتزوجها على معيشته ويترك بنت عمه » وضعف الجميع وذكر أن فى اسناد : « الناكح فى قومه كالمشعب فى داره » أيوب بن سليمان بن جدلم ، وهو مجهول وهذه علة اخرى فى هذا الخبر على أن لى اسوة بالحافظ ابن عدى فى « كامله » والذهبى فى « ميزانه » وابن حجر فى « لسانه » حيث لم يلتفتوا الى ما قاله يعقوب بن شيبة فى سليمان بن ايوب الطلحى فجزموا بأن احاديثه مناكير لا يتابع عليها سواء وثق أو ضعف مع أن الشاهد لا أثر له فى الموضوع كما بينه النووى فى « المجموع » حيث قال « يجوز العمل بالضعيف مع الشاهد القوى دون الموضوع لأن للضعيف أصلا فى السنة وهو غير مقطوع به ولا أصل للموضوع فشاهده كالبناء على الماء »

وأما ما ذكره المعقب من عدم الملازمة بين السند والمتن فلا محل لذكره هنا فان المتن لا يحكم له بالصحة مع عدم السند او ضعفه الا اذا تلقته الأمة وبعض معتبريها بالقبول والا فلابد من المحافظة على الاسناد فان النظر فيمن يؤخذ عنه الدين واجب ولولا الاسناد لقال من شاء ما شاء كما ان بحث المنكر لا محل له هنا ، واما صلة الآية الكريمة : « يا أيها                          ١٠٩

النبى إنا احللنا لك ازواجك اللاتى آتيت اجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك »

الآية فهو أن الله تعالى قد عرض على نبيه صلى الله عليه وسلم نكاح قرابته القريبة وكان هذا من العدل الوسط التى جاءت به هذه الشريعة فان النصارى لا يتزوجون من المرأة الا إذا كان بينها وبين الرجل سبعة اجداد فصاعدا واليهود يتزوج أحدهم بنت اخيه وبنت اخته فجاءت هذه الشريعة بهدم افراط النصارى فأباحت بنت العم وبنت العمة وبنت الخال وبنت الخالة ، كما هدمت تفريط اليهود ، وقد بين هذا الحافظ ابن كثير فلا يمكن بعد ذلك ان ننسب الى النبى صلى الله عليه وسلم خبرا لم يصح

سنده وهو فى غاية المعارضة لهذه الآية الكريمة ، وقد اختار النبى صلى الله عليه وسلم لفاطمة عليا ولرقية وأم كلثوم عثمان والجميع من القرابة القريبة .

أما ما ذكره المعقب من أن أقرب زوجاته اليه صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بنت ابى سفيان فمما يدل على قلة الاطلاع حتى على امهات المؤمنين فان اقرب زوجاته اليه صلى الله عليه وسلم بنت عمته «زينب بنت جحش» التى انكحها الله لنبيه من فوق سبع سموات وكانت تفتخر بذلك وتقول للنبى صلى الله عليه وسلم : « ان جدى وجدك واحد وانى انكحنيك الله عز وجل من السماء وان السفير جبريل» والى هنا ينتهى المقصود والله ولى التوفيق وهو حسبى ونعم الوكيل .

اشترك في نشرتنا البريدية