حفلت البلاد السعودية فى هذا الشهر بموسم ثقافى مجيد لم تحفل بمثله منذ عشرات القرون . . فكان آية الوعى الجديد ودليل البعث الجديد وآية النهضة العتيدة المنشودة ، وقد نالت مكة وجدة من هذا الموسم بنصيب الأسد ، وكانت جدة أوفر نصيبا ، حيث تقرر التئام المؤتمر فيها رسميا ودواما .
وما يجرى فى المؤتمر بين الجدران لا يعلم عنه الناس الشئ الكثير . . وإنما تعلم النتائج بالجملة . . واذن فسينصب حديثنا على هذه الحفلات الشائقة التى تقام متسلسلة رنانة ورائعة . . يلقى فيها فوارس ميدان البيان مايلذ ويطيب من مرتجل القول ومكتوبه على القرطاس . .
وكان حفل افتتاح المؤتمر من مظاهر نهضة الثقافة العربية فى العصر الحديث فقد سمعنا فى بهو فندق قصر الكندرة العظيم بجدة حضرة صاحب السمو الملكى الأمير فهد بن عبد العزيز وزير المعارف يلقي كلمته الوجيزة الرائعة أمام " مكبر الصوت " فاكبرنا في سموه هذه الروح التقدمية السامية أنه يريد أن يبنى الجيل السعودى الجديد الذي يحمل أعباء المجد المجيد إلى العالم القديم والجديد . . وسمعنا عميد الأدب العربى غير مدافع الدكتور طه حسين ورأيناه أمام مكبر الصوت واقفا كالأسد ، يفيض من فيه بيانه
المطرب المعجب في بلاغة عجيبة وموسوعية بديعة . . كالشلال الهدار ينبعث من الأعالي قويا صاخبا جذابا لقد ذكرني في موقفه ذلك بقس الأيادى فى عكاظ ، وبسحبان وائل فى مواقف الارتجال . .
ثم رأينا الاساتذة أمين الخولى ، وسعيد درة ومدحت فتفت وسعيد فهييم ، كل منهم له مجاله الموفق الحميد . . وفي مكة وفي فندق مصر باجياد سمعنا الخطباء والشعراء يفيضون علينا من بحر الأدب والشعر والبيان ما أثلج الصدور وعم به الحبور وأشاع الغبطة والرضا فى النفوس أننا إذن هنا وفى هذا الشهر فى موسم أدبى ثقافى حافل ، يحيى به التاريخ نفسه ويعيد لنا " سوق عكاظ " وذلك هو معنى التجديد والتقدم . .
أدباؤنا في الميدان
وما دمت أتحدث عن الخطباء فى هذا الميدان ، فلا بد إذن من أن يصيب رشاش الحديث أدباءنا من ناحيتين واحداهما تتمثل في أنهم قد ساهموا فى هذا الموسم الثقافي بحظ محدود وبنصيب غيرمدود ، فألقى بضعة نفر منهم - مع أنهم كثر ولله الحمد - بضع خطب مكتوبة وبضع قصائد مكتوبة ولم نر من بينهم من نهض وألقى من " مخه " رأسا ما يريد أن يقوله للقوم من ترحيب فياض أو شكر ، أو توجيه
أو تنبيه ، أو إشادة . . كلهم كتاب حتى في مواقف الخطابة والارتجال ، وما كان يبغى أن يقف أدباءنا جميعا هذا الموقف على أنه لابد لى أن استثنى واحدا منهم وقف - وحده - يرتجل وينزل على السامعين مطرا متناثرا على لسانه من بيان القول المشرف المتزن فرد بذلك لنا بعض اعتبارنا ورفع عنا عادية النقد الشامل . .
وتتمثل ثانية الناحيتين اللتين ستصيبان أدباءنا في هذا المقال يرشاشها فى أننا لم نر أحدا منهم تحدث عن ماضى أدبنا يوم أمجاده بالأولى . . ولا عن حاضره يوم معاده الراهن . . وهذا مجال القول . . فلم لم نقل ؟ وكم كنت أود أن يقف بعضهم فيحلل تحليلا رائعا مرتجلا يصل إلى القلوب كيف بدأت نهضتنا الثقافية والأدبية قبل ثلث قرن ومن هم الرحال الأوائل الذين سيروا قافلة الأدب والثقافة فى هذه البلاد على غير الطريقة المألوفة ، ولاقوا في ذلك أول الأمر العنت والمتاعب وفي طليعتهم معالي الشيخ محمد سرور الصبان . . الذي رعى الأدب والأدباء قولا وفعلا ومازال يرعاهما قولا وفعلا
فاما القول فيتمثل فيما أصدره قبل ثلث قرن من مؤلفات كانت باكورة النهضة ، وقد أرسى قواعد الأدب الحديث بقلمه نثرا وشعرا ، وبتشجيعه حودا وكرما ، وعطفا وتوجيها ممثلا ذلك في عشرات الدواوين والمؤلفات وفي الصحف السيارة التى له فيها أثر محمود . بعضه ظاهر وبعضه مستتر وفي طليعها أول صحيفة يومية فى بلادنا وهى " البلاد السعودية"
وغيرها من مختلف الصحف الشهرية والأسبوعية الموجودة والمتوقفة
قرشي يتكلم . .
ما شهدته واقفا موقف الخطابة فى مكة وجدة رافعا جبهته العربية الناصعة ، يرسل القول إرسالا موفقا جميلا ويحشد كتائب البيان حشدا منظما بديعا ، وينهمر بروائع البيان إنهمار الغيث الغدق المحيى المنعش إلا وتمثلته (قرشيا يتكلم ) وأحد فصحاء قريش فى صدر الأسلام يوم التقى طرف بيان الأسلام الأول بطرف بيان الجاهلية الأخير ، فنفخ أولهما في ثانيهما من روحه ، فزاده نصاعة ونشاطا وأناقة ووسع من آفاقه ونمنم من رياضه ، وشذب حواشيه إنه فى بلاغة عباراته وإشراقها وفى رونقها وجمالها ، يعد من الطراز الاول . . وإنه فى هدوئه وانسياب بيانه الساطع الناضر انسياب النهر الدفاق فى المجرى المعبد الرقراق يمثل الطراز الأول . .
وأنه فى طراز القائه المتدفق كالبحر الهدار ، والريح العاصف ، والرعد المجلجل يعتبر من الطراز الأول . .
وهو فى اختياره أرشق التعابير وألصقها بالمعنى المروم . . وأحفلها بالحاذبية والتأثير يعد من الطراز الأول
وهو في جولاته الموفقة فى دهاليز البيان واقتعاده غاربه فى كل مجال يعتبر من الطراز الأول
وفي صحة عباراته واشراقها ، ونفائها من كل شائبة تعلق بها ، من رطانة ولحن وعامية وحشو يعد من الطراز الأول
وهو فى فتحه مغاليق القول ، مع تحليق دائم يعتبر من الطراز الأول
إنه لا يتلعثم إلا ماندر جدا ولا يلحن مطلقا . . ولقد تربصت له غير مرة ومعنى بعض الفاق المثقفين فما سمعنا إلا بيانا منسجما شائقا رائعا فائقا ، محلا ، هذا إلى أنه يضطلع بعدة ثقافات أجنبية أخرى . . ومع ذلك لم يختلط منها حابل بنابل ، وقد بقى بيانه العربى رقراقا كالماء الصافى المشرق الزلال قويا كالصخرة مرتفعا كالجبل الاشم ، قريبا متواضعا . . كالشمس الساطعة من بعيد وشعاعها يصافح الوجوه والجسوم ، إنه مفخرة العالم العربى فمن هو أذن ياتري ؟ انه الدكتور طه حسين ، عميد الأدب العربى الحديث غير مدافع ، وباقعة الزمان . .
لقد تمثلته وهو يخطب ويحاضر مرارا فى مكة وجدة ، قرشيا يتكلم
تبرع كريم . .
وفي الحفل التكريمي الختامي الذي أقامه الدكتور طه حسين بفندق قصر الكندرة أعلن معالي السيد حسن الشربلى تبرعه بمبلغ عشرة آلاف جنيه مصرى لطبع بعض الكتب النادرة تحت إشراف وتحقيق الدكتور طه حسين . .
هى هبة كريمة فى مشروع ثقافى عربى قيم . . يشكر عليها المتبرع ، وتدل على أريحية نبيلة . . ولكننا ، ونحن فى بداية نهضة ثقافية وأدبية نريد أن تلحق بها قافلتنا من سبقوها باشواط واسعة . ما احراها وما احرانا إلى حفز هذه النهضة للوثوب
والتحليق ، بتغذيتها وبتشجيعها بهبات رجال المال الكرماء منا ، لها فان المال عماد النهضات وشريان التقدم وكم يكون لتبرع السيد حسن الشربلى من أثر بارز فى هذه النهضة لو كان مقدما لوزارة معارفنا أو لرجال ثقافتنا ، وعساه يفعل فيما بعد . فيتبرع بمبلغ لا يقل عما تبرع به فى حفل الدكتور طه حسين ، ليصرف في تزجية ثقافتنا إلى الإمام ، فإن هناك مثلا عاميا حكيما على سذاجته يقول : ( جحا أولى بلحم ثوره )
ما هي ..؟
وأخيرا ما هى البحوث الثقافية المركزة ، أو التوجيهات النابهة التى تقدم بها الأعضاء السعوديون فى المؤتمر الثقافي ؟ أننا نتساءل مع المتسائلين عن ذلك ونرجو الجواب . .
المؤتمر في الصحافة المصرية
ومن عجيب أن تكون لدينا هذه الضجة الثقافية التى تساهم فيها الدول والشعوب العربية جمعاء ، ثم نقرأ الصحافة المصرية فلا نرى أثرا ولا نسمع ركزا عيها لكل ما يحدث هنا من حفلات وخطب ومباحثات ومظاهر تحفز وتوثب وقرارات . .
لقد صمتت الصحافة المصرية عن كل ذلك ، ولعل لها عذرا ، ولكن كم كان من الحسن أن يكون لها مندوبون هنا يسجلون أهم مظاهر هذا المؤتمر وتنشره صحفهم كدليل على الحساسية بالوحدة ومراعاة للتوثب الشامل المنشود
عبد القدوس الانصارى
