عند ما اهتممت بمسألة الطباعة العربية ، (*) وضرورة التمسك بالشكل اطلاقا ، لم اكن اتوقع ان يجرنى البحث الى مواطن تكثر فيها المزالق ،
وتتعدى النظرة التطبيقية التقنية . فكلما تعمقت فى مسألة الشكل هذه فتحت أمامى ابواب من النظر متداخلة ، متتابعة ، تجر الى منافذ قد يعسر ان يجد منها المرء مخرجا . ولكنى آثرت فى آخر الامر ان اتابع السير ، واساير المنعرجات ، واقتحم الحواجز حتى اصل الى البدء الذى ينير مختلف مراحل المسيرة ويمكن من الرجوع الى شاطىء السلامة .
فوجدت أن مسألة خلو الحروف من الحركات وتمادى العرب فى التمسك بالكتابة المنقوصة ليست مجرد مظهر حكمت فيه ظروف خارجية قاهرة ، منشؤها ضعف العرب ماديا وتقنيا وعدم شعورهم بخطورته بل هى مرتبطة باسباب عريقة ، جذورها عميقة فى تاريخ الحضارة العربية الاسلامية . ووجدت انه لا يمكن استجلاء دفائن هذه القضية واستئصال ادوائها الا بالكشف عن أعماقها والغوص على بواطنها . عند ذلك تنكشف لنا الظاهرات التى نحياها اليوم ويتبين لنا الزائف من الاراء والعرضى .
على ان هذه المحاولة لا تدعى الكمال ولا تذهب الى التمسك بالاراء المعروضة فيها ، اذ يجد القارىء ضربين من الافكار : ضرب تداولته الاقلام وذهبت فيه شتى المذاهب ، وأدارته كيفما عن لها ، بحسب اهوائها ، ومناحى تفكيرها ، وظروف تكوينها ، وسأقتصر على تأليفه والربط بين المتباعد منه وتأكيد الهام والغض من السفساف ، وذلك بالاشارة إلى اصحابه حسب المقام ومقتضى الحال . وضرب أتحمل مسؤولية الاصداع به اعتقادا من أنه صادر عن تحليل شخصى للموضوع ، اذ انه لم يسبق ، حسب ظنى ، ان عرضه على القراء لا المستشرقون ولا الكتاب العرب . اللهم الا اذا كان ذلك مجرد وهم منى : قرأته منذ زمان ثم كشفته الذاكرة وحسبت انه صادر من أعماق تفكيرى الشخصى أو انى لم أطالعة وسبق من الكتاب من حلله
وافاض فيه . عند ذلك فانى استسمح القراء واطلب منهم المعذرة وأتضاءل أمام صاحب الفكرة وأرد البضاعة الى اصحابها . وحسبي فى هذه الحال أن اكون قد ذكرت ، وأثرت من جديد مسألة هامة يحاسب عليها التاريخ ، قد شغل عنها العرب اليوم وتركها المسؤولون منهم للصدف ، وغضوا عنها الطرف لاسباب يطول شرحها ** .
لذا فستحتوى محاولتى هذه على ثلاثة ابواب : - الباب الاول يبحث الاسباب العريقة فى القدم . - الباب الثاني يتناول مظاهر تأثير الكتابة المنقوصة فى العصر الحاضر وفي تونس خاصة . - الباب الثالث يحدد أبعاد هذه المسألة ويحاول فتح افاق لها .
1- اسباب عميقة ، جذورها عريقة في تاريخ الحضارة العربية الاسلامية :
قبل ذكر الاسباب اريد ان ابين ان بحثى هذا لن يتعلق الا بالناحية اللغوية فقط ، ولن يتعرض الى النزعة الدينية او القومية ، لأن هذه قد تحول مجرى البحث الى مسارب أخرى تعمدت فى هذه المرة الا أطرقها ، فاعتنيت بالظاهرة اللغوية عارية عن كل ما يشوبها من عواطف ونزعات ، خاصة وان لفترة التى سأتناولها بالدرس من هذه الزاوية صادفت نزول القرآن وهو حدث عظيم فى تاريخ البشرية من عدة نواح : دينية وسياسية واجتماعية وحضارية وغيرها .
(1) " سلطان الذاكرة " :
ففى هذه الفترة بالذات ماذا نجد على الصعيد اللغوى ؟ تجد لغة بلغت من الكمال فى ألسن اصحابها ، من حيث موسيقى اللفظ ، ورشيق العبارة ، و دافق الايجاز ، ما جعلنا الى اليوم نتذاكر اثارها ونتدارسها : فهذه أمثال بلغت من القدرة على الايحاء وبليغ الاشارة ما خول لها ان تسير على الالسن وتتخطى القرون . وهذه خطب أضفى عليها اصحابها من ساحر اللفظ ، وموقع النبرة ، مما طبعها فى الذاكرة واسكنها القلوب . وهذا شعر انغامه تهدهد البدوى وهو تائه فى الصحراء ، وتسجنه بموسيقاها فى عالم اصطنعه لنفسه ، وقدر على ان يوحى به الى الحضر ويحببه اليهم .
هذا وصف خاطف لما بلغته اللغة العربية من اتقان ، وقد توسع فى بيان ذلك كثير من الكتاب قديما وحديثا ، وهى ظاهرة لفترة مرت بها لغات كثيرة
وتجاوزتها بسرعة ويمكن تسميتها بفترة " سلطان الذاكرة " (1). ومن خصائص هذه الظاهرة انها تطبع حياة اصحابها بنوع من الرتابة ، وتجعلهم يحيون على نفس الوتيرة لا أمل لهم الا فيما وفرته لهم الطبيعة وسنه لهم الاجداد ، و لا طريق لهم فى الحياة الا ما حددته القبيلة وضبطته التقاليد . هو خوف من الضلال والتيه ، والقوم سكان صحراء ، وهو خوف كبل حياتهم وقيد تفكيرهم وجعلهم يؤثرون الاطمئنان الى معتقدات ليس من شأنهم البحث فى صحتها وبطلانها .
هم أسراء للذاكرة فى كل شئ ، ونتاج لغتهم خضع الى هذه القيود رغم حجاله وحسن ايقاعه . كالشعر مثلا وهو اسمى ما وصلوا اليه من اتقان لكن الشعر كلما " اكتمل سجن الفكر وأخضعه لقيود شتى ومنعه من التحرر " . ( 1 )
عند التفطن الى هذا يمكن ان نفهم بعض الشئ لماذا " اقتنع العرب بأن النبوغ كل النبوغ فى الشعر " (2) ولماذا طبع ادبهم فى ذلك الوقت " بالتكرار " ، " والاعادة " ولماذا انعدم " الخلق " ولماذا كان " ادبهم لفظا اكثر منه معنى " . اذ لا يكفى ان نسجل الظاهرات والخصائص ، بل يجب البحث عن الاسباب التى هى ان ظفرنا بها دلتنا الى الطريق التى تكشف لنا عن حقائق الاشياء وصانتنا من المبالغات وكفت انفسنا شطط المهاترات .
هذه العزلة تحت تأثير " سلطان الذاكرة " وهذا " الاستقرار " فيها الذى دام أجيالا وأجيالا قبل الاسلام كأنهما اصبحا حسب القوانين اللغوية أمرا وراثيا لأن اللغة هي قبل كل شئ ظاهرة حياتية . لهذا اكتسي شعورهم " بالحدث اللغوي " (3) اهمية كبرى واصبح اعتبارهم " لمفعول الكلمة " ضربا من التقاليد يتوارثونه أبا عن جد .
فقبل ظهور الاسلام ليس هناك ما يدل على الاقل من الناحية اللغوية ، على ان هذه الحال ستتغير بل قل ان كل شىء يحفز على الجزم بان " سلطان الذاكرة " سبق عهودا وعهودا مهيمنا قويا جبارا ، ولكن . . حدثت المعجزة اللغوية الكبرى وهى القرآن .
( 2 ) كتابة بدائية منقوصة :
قبل تحليل التحول الذي احدثه القرآن يجدر الحديث عن حال الكتابة ،
لأن المسألة كما سيتضح فيما بعد واحدة . ولا يمكن فصل قضية اللغة العربية فى المجال الذى يهمنا عن الكتابة . اذ كم من باحث اكتفى بوصف حال اللغة وكمالها وفصاحة اهلها وبلاغتها ومر مر الكرام على ظاهرة الكتابة من دون ان يربط هذا بذاك ويستنتج ما يتحتم استنتاجه .
كانت الكتابة العربية قبل ظهور الاسلام بقليل معروفة ولكنها ليست شائعة . اذ أن الكتب تذهب فى بعض الاحيان الى حصرها فى افراد قليلين . ومعروف ان الكتابة العربية متفرعة عن النبطية التى هى نفسها فرع من الارامية . وليس من المبالغة فى شئ اذا قلنا ان هذه الكتابة لا يعتبرها العرب كتابتهم وانما استعملوها فى شؤون تجارية وسياسية فلم نعرف ان منهم من تحمس لها وبالغ فى التغنى بها كما تغنى العرب كلهم بلغتهم الشفهية وأدبهم الذى كان يسير على الالسن (4) . " فاللسان " والذاكرة هما كل شئ عندهم عليهما يعتمدون فى حلهم وترحالهم واليهما يركنون اذا حزب امرهم .
اما الكتابة فهى أمر ثانوى ولهذا بقيت مجرد حروف خالية من الاعجام أى النقط ، خالية من الحركات ، رديئة التصوير ، بحيث كانت رموزا يعسر حلها اذ هي بعيدة كل البعد عن ان تكون صورة صادقة لما بلغته اللغة العربية من ضبط فى الاعراب وتوازن فى النبرة الموسيقية . فكان اذن تفاوت بين هذه اللغة الخاضعة " لسلطان الذاكرة " وبين هذه الكتابة البدائية ، المنقوصة . وكانت هوة فاصلة بين أدب هؤلاء وبين كتابتهم وهذه الهوة هى التى سيكون لها حسب اعتقادى أثر كبير فى مستقبل الثقافة العربية فيما بعد .
فما هو تأثير هذا التفاوت اذن ؟ لفهم قيمة هذا الافتراض يجب قبل كل شئ ان نحدد قيمة الكتابة ، وأثرها فى التفكير البشرى وبالتالى فى فلسفة الحياة .
(3) قيمة الكتابة واثرها فى حياة البشر :
ليس هذا مجالا لبيان الحدث العظيم الذى عرفته البشرية عند ما استنبط الانسان الكتابة . والناس كلهم يعلمون كسب الانسانية وتقدمها من يوم أن أخترعت الكتابة الى وقتنا الحاضر . ذلك ان الكتابة لها معان ودلالات عميقة تتعلق بالخلق والابتكار والتقدم ، وان كانت تعبيرا عن الرغبة التى عرفها الفكر البشرى فى تسجيل تفكيره بطريقة متعارفة لرسم الصور الصوتية -
فهى لم تكن تحليلا صوتيا للكلام فقط ، وترجمة امينة للاصوات ومجرد نقل لما يتفوه به الكائن البشرى ، بل هى رمز للواقع الذي تريد تصويره و اكثر من ذلك هى محاولة لمزج العالم قصد السيطرة عليه وخلقه من جديد عن طريق السيطرة على الكلمة وخلقها (5) .
ولعله من اجل هذا خلق مع الكتابة " النثر " الذي هو ليس الحديث ولا الشعر ولا الامثال ولا الخطابة بل هو ضرب من وسائل التعبير من شأنه ان يخرج الانسان من " سلطان الذاكرة " ويحفزه على التصدى الى " الذاكرة المنشدة " (6) فيبعدها وبرمى بها عرض الحائط . اذ ان النثر بمدلوله الضيق هذا ، وكم من نثر هو شعر ومن شعر هو نثر - يعمل على تحرير الفكر البشرى (6) ويدعوه الى كسر أسر العادة ودوس التقاليد المكبلة - للخلق والابداع والمقيدة لحوافز التقدم والرقى .
وهذا النوع من " النثر " هو الذى ولدت معه القراءة . وهي مرحلة عظيمة فى تاريخ تقدم الفكر البشرى تلت بالذات اختراع الكتابه ونشوء النثر " الحقيقى . والقراءة نوعان : نوع لعله هو الذي بدأت به البشرية ينحصر فى القراءة بالانشاد والتغنى وهى من باب التعلم والتدرب (6) . و نوع هو القراءة الصحيحة الكاملة وهى التى تعتمد العين وتعتمد الجوس فى طرفة عين خلال مجاهل هذا المخلوق المتقلب المتموج المصنوع من الحروف المسطور بحكمة واتقان الا وهو ( النثر ) .
وليس من الغريب اذن فى ان القراءة " الكاملة " التى تحرر الانسان من سلطان الذاكرة " وتعتقه من " الذاكرة المنشدة " هى المساندة والباعثة للافكار ، المنطلقة نحو المجهول ونحو المغامرة الكبرى وبالتالى نحو الامل فى تقدم الانسانية .
وإذا كانت القراءة " الكاملة " لها هذا الدور العظيم فانها بطبيعة الحال تكون حافزا على الكتابة التى هى خلق جديد (5) ومغامرة كبرى .
(4) نزول القرآن " حدث لغوى " ومعجزة لغوية كبرى :
وصلنا فى الفقرة التى وصفت فيها الكتابة العربية البدائية المنقوصة الى ان هناك تفاوتا بين هذه الكتابة وبين نتاج اللغة العربية الخاضع " لسلطان الذاكرة " واكدت ان هذا التفاوت له تأثير كبير فى الثقافة العربية ذلك ان بدائية الكتابة من جهة وقلة استعمالها وانحصارها فى افراد قلائل
لا يرون فيها الاداة الاولى للمعاملة ، ومن جهة اخرى تسلط ذاك النوع من الانتاج يجعلنا نعتقد حسب تحديدنا لمفهوم النثر الحقيقي ان العرب لا يمكن لهم الخروج من حالتهم تلك وان فلسفتهم فى الحياة لن تتغير ما دامت كتابتهم على تلك الحال . فسيبقون فى حلقة مفرغة لا يعرفون كيف يخرجون منها .
ولكن سنن الكون وقوانين التطور وطبيعة الاشياء لا يمكن لها ان تحكم بالموت والجمود على مجتمع ما ، إذا توفرت فيه اسباب الحياة ومقومات البقاء . والمجتمع العربى قبل الاسلام كان حيا ناشطا سواء فى الحقل التجارى او الحربى او غيره . ولهذا كان نزول القرآن فاتحة لعهد انطلاق المجتمع العربى فى مجالات عديدة وكان بالخصوص المعجزة اللغوية الكبرى .
فمن قائل ان القرآن هو " شعر محض بما توفر فيه من موسيقى فى تناسق المقاطع ومن خصب فى تنغيم الحركات ومن استعمال لحروف الوقف المقفاة او الموقعة " (7) .
ومنهم من قال ان المسلمين وحتى اكثرهم تزمتا ، واشدهم بعدا عن كل ما لا يمت للدين بصلة لم يترددوا فى اعتبار كتابهم المقدس أسمى ما يمكن ان تجود به اللغة العربية من امكانيات . (7) هذا بقطع النظر عن المسلمين الذين يرون فيه كلام الله والكلام المنزل وقد تناوله العلماء المسلمون من الناحية اللغوية ومن ناحية اعجازه وافاضوا فى البحث . ومن اجمل ما اتفقوا عليه واصدقه انه ليس شعرا ولا نثرا .
ذلك ان العرب عامة كانوا أشد الامم شعورا " بالحدث اللغوى " واكثرهم احساسا لوقع الكلمة وموسيقاها . حتى ان حياتهم اليومية ، فى السلم والحرب ، خاضعة الى حد بعيد الى سحر اللفظة وطاقتها الايقاعية ، ودرجة تنغيمها . فلا غرو اذن ان كانت نجاتهم وتحررهم من " سلطان الذاكرة " واثرها الذى ذكرت عن طريق معجزة لغوية كبرى .
وهذه المعجزة اللغوية لا يمكن ان تكون شعرا (8) لانها من جهة لن تؤثر فى العرب التأثير الكبير وشعراؤهم قادرون على الجيد من الشعر ومن جهة أخرى فهى لا يمكن ان تكون حدثا كبيرا اذا هى لم تخرجهم من حالتهم تلك وهى لا يمكن ان تكون نثرا حقيقيا بالمعنى الذى حددته وبالصورة التى
عرفه بها العرب فيما بعد عن طريق كتابه الكبار ، لأن النثر الحقيقى لن يكون له تأثير في نفوسهم ولن يحرك منهم ساكنا ولأنه ، ايضا مرتبط بحركة فلسفية ناضجة لم يصلها المجتمع العربى بعد .
ولهذا كان القرآن فى المفهوم اللغوي الصحيح الدقيق لا شعرا ولا نثرا (9) بل نقطة تحول من " سلطان الذاكرة " التى يمثلها الشعر نحو عالم اكثر عقلانية واقرب الى التحرر الفكرى ويمثله النثر الحقيقى ، بل هو رجة نفسانية فى هؤلاء الذين شعروا " بالكمال " اللغوى وقبعوا تحت سيطرة " سلطان الذاكرة " والذاكرة المنشدة (10) ، آمنين مطمئنين .
فاعتقاد العرب اولا ثم المسلمين فيما بعد بان القرآن ليس شعرا ولا نثرا هو شعور مرهف صادق صادر عن فهم كيانى يكاد يكون لا شعوريا " بالحدث اللغوى " . وهذا الشعور له ما يؤيده علميا كما ذكرت ، وان ظهر فى اول وهلة من قبيل المجازفة والوهم ، وله ما يؤيده ايضا فيما سأبينه بعد قليل .
(5) محاولة تلافى التفاوت بين اكتمال اللغة والكتابة المنقوصة :
قلت ان القرآن كان نقطة تحول من " سلطان الذاكرة " بالنسبة للمجتمع العربى وأعنى بذلك انه دفع العرب نحو عالم " النثر " الحقيقى أى القراءة ولا يمكن ان نتصور قراءة " كاملة " بدون كتابة . ومعنى هذا ان القرآن دفع العرب إلى تلافى ظاهرة غريبة وهى التفاوت بين اكتمال لغتهم وكتابتهم المنقوصة . بينما تنشأ اللغة بالنسبة لعامة الامم فى مهد كتابتها ( 11 ) وتترعرع وتكتمل بحسب اكتمال كتابتها . فكيف كان ذلك ؟ وهل حقيقة كان القرآن يحمل فى مفهومه هذه الدعوة ؟ والحال ان معنى القرآن فى كثير من الآيات يدل على التلاوة بصوت عال وان اللغة السريانية فيها كلمة قريبة من هذا المعنى (12) وان الرسول تلقى الرسالة عن طريق الملك جبرائيل . كل شئ يدل اذن على انها رسالة شفوية .
ولكن عند ما يمعن القارىء النظر يجد ان فكرة النص المكتوب ( 12 ) كانت نخامر اذهان المسلمين فى اول اسلامهم . لانهم كانوا باتصال مع اهل الكتاب وكانوا يعرفون ان لهم نصوصا مكتوبة متداولة بينهم . ثم ان حركة ظاهرة فى حياة الرسول نفسه كانت عاملة على كتابة آيات من القرآن على العظام وسعف النخل وهى ظاهرة كان يشجعها الرسول نفسه وهى التى مكنت عثمان فيما بعد من جمع مصحف كامل وجعله الفيصل بين جميع المصاحف .
فهذه رغبة ظاهرة فى كتابة القرآن وهو أمر لم يعهده العرب من قبل ويجب تسجيله هنا بكل تأكيد .
كذلك ما جاء به القرآن من صيغة لغوية جديدة لم يعهدها العرب من قبل وقلنا انها ليست شعرا ولا نثرا يدل على ان خطوة قد خطاها القرآن بالعرب نحو تلافى التفاوت وذلك بالخروج من سيطرة " سلطان الذاكرة " نحو عالم " النثر الحقيقى " وهذا نلمسه فى اول آية نزلت على الرسول اذ قال له جبرائيل :
إقرأ باسم ربك . فمهما كان تفسير إقرأ فان لفظة قرأ هى دليل على ان القرآن وهو مصدر قرأ يفتح على العرب عهدا جديدا اسميه عهد القراءة بما فى القراءة من معان كنت بينتها من قبل وخاصة منها ارتباط هذه الكلمة بالكتابة حتى فى اضيق معانيها كما ان لفظة آية بمعنى علامة وسورة التى من معانيها العلامة ايضا تشيران الى هذا الحرص على الضبط والرسم والتحديد ثم الا يجب علينا ان ننظر فى معنى ما سماه المسلمون فيما بعد حديثا :
أليس هو ما يقابل القرآن أى القراءة . وهكذا فان محاولة كتابة القرآن من جهة واتجاه القرآن نفسه نحو دفع العرب الى عهد القراءة من شأنهما ان يجرانى الى الافتراض الآتى : ان نزول القرآن هو محاولة لتلافى التفاوت الموجود بين لغة اكتملت بلاغيا وجماليا وكتابة منقوصة تكاد تكون معدومة فى أذهان العرب .
وهذه هي المعجزة اللغوية الكبرى التى لم يكن للعرب بد نظرا لاحساسهم " بالحدث اللغوى " من ان يهتزوا لها ولو بعد لاى وينصرفوا الى تقبل كل ما ينجر عنها من تغيير جذرى فى حياتهم وفلسفة حياتهم .
(6) حيرة ما بعدها حيرة :
ما من شك في ان الرجة النفسانية اللغوية حدثت فى نفوس العرب ولكن هل ان المحاولة المذكورة قد تمت على احسن وجه ؟ أظن ان الواجب هنا يقتضى الوقوف عند حقائق تاريخية لا يمكن دحضها .
لقد لاحظ بعضهم ان الرسول (13) لم يجعل ، رغم حرصه وحرص المسلمين على المحافظة على القرآن ، كتابة الآيات المنزلة واجبا بل كان يشجع المبادرات الفردية فقط ، ولاحظ ايضا انه لم يفهم هذا " الهروب من الضبط عن طريق الكتابة " (13) . وأظن - ولعل هذا افتراض آخر - ان الرسول كان فى حيرة كبيرة فهو بين أمرين : بين توق عظيم الى تأكيد معنى هو عزيز عليه وجوهرى بالنسبة اليه وهو مفهوم القراءة وما تقتضيه من كتابة وبين فداحة نقص الكتابة العربية . فما الفائدة فى الحض على كتابة القرآن وصرف الجهود
الكبيرة فى ذلك والحال أن عملا مثل هذا لا يمكن ان يأتى بثمرة كبيرة اذ فى كتابة مثل هذه يضيع بها أهم ما فى القرآن من " موسيقى تناسق المقاطع وخصب تنغيم الحركات " وقافية وتوقيع . أليس من الاجدر الحض على الحفظ والتنازل شيئا ما الى الظاهرة القديمة المتمثلة فى سيطرة " سلطان الذاكرة " ؟ فالحفاظ على القرآن هو الهدف الاسمى ولهذا فان الركون الى الرواية والحفظ أمام كتابة منقوصة أمر لا محيد عنه خاصة وان العرب لهم قدرة كبيرة على تسجيل تراثهم عن طريق الذاكرة .
أظن أن حيرة الرسول كانت كبيرة ورغم ذلك فقد أراد تلافى ما ينشأ عن الركون الى الحفظ من رجوع الى سالف العهد ، الى سيطرة " سلطان الذاكرة " فسمى هؤلاء الذين يحفظون القرآن ويتلونه قراء . ألم يقل لاحد الصحابة فى مجلس من المجالس " إقرأ عن ظهر قلب " ؟ وهذا لابد أن يكون دليلا على رغبة فى المحافظة على هذا المفهوم الجديد وهو القراءة .
على كل فاننى سأسوق شواهد تجعل الباحث يسائل نفسه عن صحة ما أدعيه من هذه الحبرة . فسنجد شواهد تدل على الامرين : الحض على الكتابة والرغبة فيها من جهة والالحاح فى اطراء ما هو منطوق محفوظ من جهة أخرى ان هذا الافتراض يحتاج الى تنقيب طويل لا اظن أن شخصا بمفرده يمكن له أن يقوم بعبئه . فهو يقتضى النظر الى جميع الآيات القرآنية والاحاديث النبوبة من هذه الزاوية ثم الاصداع بالفكرة التى يمكن الخروج بها فيما بعد لهذا فانى ساكتفى بابداء ملاحظات يمكن الرجوع فيها إذا تبين خلاف ذلك .
نجد مثلا الآيات الاتية :
- فأما من أوتى كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرؤوا كتابيه ( سورة الحاقة - الآية 19 ) . - إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيا ( سورة الاسراء - الآية 14 ) - ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه ( سورة الاسراء الآية 93 ) . - طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين ( سورة النمل - الآية 27 ) - انه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه الا المطهرون ( سورة الواقعة - الآيات ( 77-78-79 ) - انا علينا جمعه وقرآنه ( سورة القيامة الآية 75 )
فهذه الآيات تدل كلها على اشارة للكتابة ودعوة خفية الى الحض على كتابة القرآن وخاصة هذه الآية : انه لقرآن كريم فى كتاب مكنون لا يمسه الا المطهرون وهى من سورة الواقعة وهى مكية أى فى الفترة الاولى من كفاح الرسول ضد المناوئين له . وكيفما فسرها المفسرون فهى دليل واضح
رغبة ملحة في تجسيم القرآن . ثم ماذا يقول الباحث أمام هذه الآية وهي من سورة طور المكية ايضا :
والطور وكتاب مسطور فى رق منشور .
مع اننا لا نعلم أن القرآن كتب يوما ما على رق فى عهد الرسول ثم الا نحد سورة اسمها منسوب الى القلم وفيها هذه الآية بما فيها القسم : ن والقلم وما يسطرون .
وفى سورة الاسراء وسورة الاحزاب نجد : وكان ذلك فى الكتاب مسطورا
وفى سورة العلق : إقرأ وربك الاكرم الذى علم بالقلم وهى أول سورة نزلت على الرسول .
أليس من حق الباحث أن يتدبر هذه الآيات وأن يرى فيها وخاصة المكية منها رغبة ملحة ودعوة صريحة الى الكتابة ولكننا نجد من جهة أخرى حض على كل ما هو منطوق محفوظ ولعله خوف من التحريف الذي يمكن أن تدخله الكتابة لو وقع الاعتماد عليها فقط . والآيات فى هذا الباب كثيرة ، وخاصة منها التى نجد فى ضمنها كلمة تحريف ومعناه الميل عن الحقيقة والتخطئة ولعلها آتية من حيرة القارىء فى ذلك الزمن أمام خط حروفه بلا اعجام ولا حركات .
(7) بوادر نجاح المحاولة وفشلها فى اخر الامر :
واذا كان الباحث يجد من الجهد والعناء فى التدليل على محاولة تلافى لتفاوت المذكور والحد منه من خلال النصوص القرآنية والاحاديث النبوية فانه من اليسير جدا ان يجد فى عصور الازدهار الاسلامية ما يؤيد هذه الفكرة ويدعمها ويجد لها من المستندات التى تنزل بردا وسلاما على قلب كل ذى رأى سديد .
وهل أدل على فهم هذه النزعة الموجودة فى القرآن من حرص المسلمين وخاصة أولى الامر منهم على تحسين الكتابة وجعلها أداة فعالة لفهم النصوص حتى أن التاريخ ينسب الى الحجاج بن يوسف فرض الاعجام والحركات ويسكت عن مخترع هذه العلامات ويظهر أنها من اختراع العرب عند ما بدؤوا يعملون الرأى فى لغتهم (14) .
وهلا نسائل أنفسنا عند ما نجد أن أول كتاب وضع فى النحو سمى " الكتاب " والقرآن هو " الكتاب " أيضا ؟
ثم ألا ندفع دفعا الى قراءة ما كتبه الجاحظ عن الكتاب وتأكيده بصفة صريحة علاقة الكتاب بالنثر الحقيقى الذي سماه " الادب المبسوط " بينما سمى الشعر " الادب المقصور " ؟ ولولا ضيق المقام لسقت فصولا شيقة تأييدا لهذا الرأى . ورغم ذلك فانى سأستشهد بالقليل للدلالة على الكثير .
قال الجاحظ فى بيان الفارق بين الشعر والنثر وكأنه فطن الى التحديد الذى ذكرناه بين الشعر العربى الخاضع " لسلطان الذاكرة " وبين النثر الحقيقى :
" اليس معلوما أن شيئا هذه بقيته ، وفضلته ، وسؤره ، وصبابته وهذا مظهر حاله على شدة الضيم ، وثبات قوته على ذلك الفساد ، وتداول النقص حرى بالتعظيم ، وتحقيق بالتفضيل على البنيان والتقديم على الشعر ان هو حول تهافت ونفعه مقصور على أهله وهو يعد من الادب المقصور وليس بالمبسوط ومن المنافع الاصطلاحية وليست بحقيقة بينة ، وكل شئ فى العالم من الصناعات والارفاق والآلات فهى موجودات فى هذه الكتب دون الاشعار ، وها هنا كتب هى بيننا " (15) .
وقال الجاحظ عند ما ذكر هذه الآية : " أم لم ينبأ بما فى صحف موسى وابراهيم الذى وفى فذكر صحف موسى الموجودة وصحف ابراهيم البائدة المعدومة ليعرف الناس مقدار النفع والمصلحة فى الكتب " .
كما أنه لا يمكن أن أسكت عن هذه الفقرة ولا أذكرها لانها تبين حقيقة تفطن الجاحظ الى قيمة الكتاب والكتاب المكتوب بما فى معنى المكتوب من افتراض وجود النثر الحقيقى أى النثر الذى يحرر الفكر . وقال : " و لو كانت كتب الزنادقة كتب حكم وكتب فلسفة وكتب مقاييس وسنن وتبيين ، أو لو كانت كتبهم كتبا تعرف الناس أبواب الصناعات أو سبل التكسب والتجارات او كتب ارتفاقات ورياضات ، او بعض ما يتعاطاه الناس من الفطن والاداب - وان كان ذلك لا يقرب من غنى ولا يبعد عن مأثم - لكانوا ممن قد يجوز ان يظن بهم تعظيم البيان والترغبة فى التبين ، ولكنهم ذهبوا فيها مذهب الديانة وعلى طريق تعظيم الملة " (16) .
أليس هذا يدل على أن الجاحظ كان فى الاتجاه المحمود الذى سنه القرآن والذى دفع العرب الى الخروج من عالم " سلطان الذاكرة " الى عالم القراءة المنجر بالطبع عن الكتابة ؟
وألا يمكن القول بأن الجاحظ هو الذى زاد توضيحا ما نسميه اليوم بالتفكير
العلمى " او ما يسمى تجوزا " بالتفكير الغربى " وهو الذى شق الطريق من هذه الناحية الى الانسية ( humanisme ) التى فتحت للعالم الغربى أبواب التقدم وجعلته المسيطر اليوم على مصير البشرية ؟
ولكن هل عرفنا من أخذ المشعل بعد الجاحظ ومضى أشواطا فى اتجاهه ؛ أظن ان الجواب هنا بسيط . اذ كأن الجاحظ لم يؤثر لا بأسلوبه ولا اتجاهه وانصرف القوم الى اتجاه اخر هو من رواسب " سلطان الذاكرة " وهو الذى سيطر وكانت له الغلبة رغم وجود اعلام مثل ابن خلدون وغيره ولكن صرختهم كانت فى واد .
وهذا الاتجاه هو ناتج فى اعتقادى عن التفاوت الذي ذكرته بين اللغة المكتملة وبين الكتابة المنقوصة . اذ بينما حاول النبهاء بعد رجة " القرآن " أن يزيلوا هذا التفاوت بسن كتابة كاملة وما ينتج عنها من تفكير نوعى حاول الكثيرون منهم الاعتماد على الحافظة فظهر جيش القراء بالمعنى " الفاسد " للكلمة الذى لا أرضاه وظهر بحر الرواة فكانت الكارثة . ولقد أحس الجاحظ بهذا فقال فى " حجح النبوة " : " ان السلف الذين جمعوا القرآن فى المصاحف بعد أن كان متفرقا فى الصدور ، والذين جمعوا الناس على قراءة زيد بعد أن كان غيرها مطلقا غير محظور والذين حصنوه ومنعوه الزيادة والنقصان لو كانوا جمعوا علامات النبى ( صلعم ) وبرهاناته ودلائله وآياته وصنوف بدائعه وأنواع عجائبه فى مقامه وظعنه عند دعائه واحتجاجه فى الجمع العظيم وبحضرة العدد الكبير الذين لا يستطيع الشك فى خبرهم الا الغبى الجاهل والعدو المائل لما استطاع اليوم ان يدفع كونها وصحة مجيئها لا زنديق جاحد ولا .. ولكان مشهورا فى عوامنا كشهرته فى خواصنا الخ .. "
ولو فرضنا مثلا أن المسلمين اعتنوا أول ما اعتنوا بكتابتهم فحسنوها واعتمدوا النصوص قبل القراء والرواة لكان شأن الثقافة العربية الاسلامية شأنا اخر ولغلب اتحاد القرآن واتجاه الجاحظ وأمثاله ولكانت فلسفة الحياة عند العرب غير التى عرفنا ولكان شأنهم غير شأنهم اليوم .
ولكن " سلطان الذاكرة " سيطر الى درجة جعل معها الكتابة التى هى أداة وحافز وعامل تحرر وتفكير تتحول الى خطوط فيها لا محالة جمال وفن واتقان هو جزء من شخصيتنا ولكنها تنتقل بنا عنوة من وظيفة الكتابة الحقيقية التى بينتها آنفا إلى وظيفة أخرى هى من قبيل الفن . وليس من العسير بيان ذلك اذ أن الكثير من الخطوط انغلقت الى حد لا يمكن معه قراءتها .
أظن أننى بهذا بينت مدى ارتباط التقدم الفكرى والتطور البشرى بالكتابة
فى العالم العربي الاسلامي القديم ووضحت كيف أن هذا التفاوت بين اللغة المكتملة وبين الكتابة بقى يجره العالم العربى وراءه الى عصرنا هذا وهو يتجلى فى بقاء الكتابة منقوصة أى خالية من الشكل . واذا أردنا أن نكون أمناء مع أنفسنا فانه يجب التأكيد بأن هذا التفاوت قد زال فى الحقيقة لأن اللغة العربية بانتاجها فى المجال الثقافي والعلمى هى لم تكتمل بعد ولم تصل الى ما وصلت اليه اليوم لغات الامم الاخرى من سمو وعبقرية وان الكتابة العربية بقيت منقوصة لخلوها من الشكل . فان زال التفاوت فان الرابط بين اللغة والكتابة بقى موجودا . فنحن إذن ، إزاء لغة انتاجها منقوص وكتابتها منقوصة .
II- تأثير الكتابة المنقوصة :
وهكذا نرى (*) ان الاهتمام بالكتابة العربية ليس موضوعا شكليا بل هو يتعلق بأخص خصائص اللغة ألا وهو درجة اكتمالها من حيث هى لغة تقدم وعلم وحضارة . ورأينا كيف أن تأثير الكتابة المنقوصة كان من الدواعى التى لم تعن على تقدم العرب بل تركهم فى مؤخرة الامم لانهم لم يقدروا على التغلب على ذلك التفاوت الذى ذكرته .
ولقد زاد هذا الامر تعقيدا دخول اللغة العربية فى عصر الطباعة ، وإن لم تدخله بالفعل ولم تجن منه الثمرات المعروفة . ذلك أن التعثر الذى نال العربية فى خطواتها الاولى عندما عرف أهلها الطباعة يكاد يكون هو نفسه الذى عرفه العرب عندما رأوا أن الحاجة ماسة الى الكتابة . فكما انهم استقروا فى آخر الأمر وفي عصورهم الأولى على كتابة منقوصة وقبعوا تحت تأثير " سلطان الذاكرة " فهم اختاروا كذلك ، بعد تلكؤ ، وعن عدم وعى بخطورة المسألة ، حروفا طباعية منقوصة أى حروفا خالية من الشكل .
وهذا " العزم " على استبقاء الكتابة المنقوصة هو الذى لم يدفع الشركات الاجنبية الى استنباط طريقة تمكن من طبع النصوص العربية مشكولة خاصة فى الجرائد والمجلات . ولهذا وجدت الاجيال المتعاقبة التى عاشت فى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين كتبا ومجلات وجرائد ومناشير ومعلقات كتابتها منقوصة .
والغريب فى الامر أن الذى نبه الى خطر ذلك هم المستشرقون . ولقد ظن الكثير من الكتاب العرب أن ذلك سببه هو عدم امتلاك هؤلاء " لناصية " العربية ولكنهم عرفوا فى آخر الامر أن المسألة أعمق من هذا وان " غموض
اللغة العربية فى أساليب الكتاب العرب المعاصرين هو ناشىء عن ظروف خارجية : وهو وجود كتابة ، لا تماشى العصر ، عيوبها فاقت أكثر اللغات غموضا من حيث شطحاتها النحوية (17) " .
ولكن هل عرفنا أن من علماء الاجتماع والتربية فى البلاد العربية وفى تونس من انكب على دراسة تأثير النصوص غير المشكولة على التلامذة فى مختلف مراحل دراستهم من الابتدائى الى العالى ؟ وهل عثرنا على دراسة مستفيضة سواء كانت نفسية أو اجتماعية أو غيرها ، تناولت مسألة تأثير الجرائد والمجلات العربية غير المشكوولة على القراء ؟ على كل فأنا لم أعثر على مثل هذه الدراسات وأكون مسرورا لو ظفرت بذلك ودلنى عليها دال . كما أننى أكون مسرورا لو عرفت كيف يمارس المعلمون مسألة الشكل أمام التلامذة الصغار وما هو الحل الذى وجدوه في آخر الامر . ذلك أن المسألة لا تنحصر فى قرار يصدر بوضع الحركات على جميع الحروف في المرحلة الابتدائية لان هذا لا يحل المشكلة بل يجدر معرفة مدى تقبل التلميذ لهذه الحركة وسرعة فهمه لها حتى لا تظهر من أول وهلة شيئا معقدا ، هذه المسائل تتعدانى أنا شخصيا فلست بمختص في البداغوجيا ولا فى علم الاجتماع . ولهذا فأنه يعسر الاستنتاج فى هذا المجال وليس بين يدى ما أعتمده .
غير ان هناك أمرا يمكن التمهيد له والاشارة اليه وهو تأثير الكتابة المنقوصة على ما كتب ويكتب في تونس منذ أجيال فى الجرائد والمجلات . فنحن نجد من بين أحسن ما كتب أنواعا من الكتابة يمكن تصنيفها كالآتي :
1) صنف ما زال يسيطر عليه " سلطان الذاكرة " فتغلبه موسيقى اللفظ وبحره ايقاع النبرة الى مجاهل من المعانى تجعله خاويا على عروشه لا " يحرك فيك ساكنا " .
2) وصنف انعتق من " سلطان الذاكرة " وتحرر من " الذاكرة المنشدة " فأتى بالمعنى الجديد والخيال البديع ولكنه لم يجدد فى الاسلوب حتى انه يوحى لك بأنك أمام نص لأبى الفرج الأصفهانى أو غيره من الكتاب العرب النابهين إلا الجاحظ فأنا لا أعرف من سار على منواله .
3) وصنف ثالث انعتق من هذه القيود كلها وأتاك واضحا مفيدا ولكنه قل أن يسحرك بلفظه ويؤثر فيك التأثير الكامل
غير أن هذا الصنف الثالث من الكتابة هجره الكثير من أصحابه وأوجدوا نمطا آخر من التعبير أسميه العلاج الشفهى لأنه أبلغ فى النفوس وأكثر تأثيرا من هذه الكتابة المنقوصة فى أصنافها الثلاثة . فأصحاب العلاج الشفهى أراهم ثلاثة :
فأولهم هذب اللغة الشعبية ومكنها من أن تحتمل أعمق المعانى الفلسفية والاجتماعية والسياسية فى أسلوب جذاب يسحر القلوب ويأخذ بالالباب ويؤثر فى أبسط الناس تكوينا وأعرقهم بداوة ويقنع أسماهم فكرا وأوسعهم ثقافة . وهذا اختص به فخامة الرئيس الحبيب بورقيبة وهو سر من اسرا نجاحه .
وثانيهم أضفى على اللغة الشعبية مسحة أدبية لم تعرفها من قبل وأكسبها طلاوة ووضوحا واختص به الاستاذ عبد العزيز العروى بأسماره فى الاذاعة التونسية ولعله يكتبها كاملة .
وثالثهم آمن بالأدب الشعبى وانكب على حفظه وتدوينه وابرازه والحث على تذوقه .
وأخيرا أعتقد أن الذى ذكرته فى تحليل هذا أملته السرعة وسأرجع الى الافاضة فيه فى مستقبل قريب . ولكنني آثرت الحديث فيه حتى يكون لهذا البحث وحدة وحتى يظهر ما لتأثير التفاوت المذكور من أثر فى العصر الحاضر .
III- لا ازدهار للغة العربية الا بازدهار كتابتها :
ولهذا فانى أومن بأنه لا يمكن أن تزدهر اللغة العربية وتكون لغة حياة إلا إذا دخلت عصر الطباعة بالفعل أى مكنت قراءها من ان تكون لهم كتابة كاملة مشكولة تماما لا اشكال فيها ، وأذكر على سبيل المثال أن القرن الخامس قيل الميلاد كان بالنسبة لليونانية عصر ازدهار كبير فى جميع مجالات المعرفة عند ما قرر أهلها ادخال الحركات فى كتابتهم .
ولهذا فان أول ما يجب أن يعمد اليه أهل العربية هو الاقتناع أساسا بأن مسألة الشكل هذه مسألة حيوية للغتهم أولا ولوجودهم ثانيا كأمة حية قادرة على الخلق والابداع مثل الامم الاخرى . ثم يأتى بعد ذلك مشكل ايجاد طريقة تمكن من تيسير الطباعة العربية .
وهكذا يمكن لنا ربط الماضى بالحاضر ومواصلة الرسالة المحمدية التى جاءت ، كما بينت آنفا ، للخروج بالامة العربية من سيطرة " سلطان الذاكرة " الى عالم يسيطر عليه العقل والتفكير العلمى اللذين يقودان الى التقدم والتطور السريع .
وهل بعد هذا يمكن القول بأن العرب الذين ما زالوا يحسون احساسا حادا " بالحدث اللغوى " هم فى حاجة الى معجزة لغوية أو نوع من " النبوة الجديدة " (18) تخرجهم من التخلف وتدخلهم فى مصاف الامم المتحضرة عن جدارة ؟

