محمد ذيب ( أوديب حسب نطق جهة تلمسان ) من القصاصين الذين ظهرت عبقريتهم مع الاحداث الاخيرة . وهو صاحب القصص الآتية :
- الدار الكبيرة التي ظهرت سنة 1952 - الحريق وقد نشرت سنة 1954 - فى المقهى وقد ظهرت سنة 1955 وهي مجموعة من القصص
- وختم قصصه الثلاث التى تحمل عنوانا عاما " الجزائر " بقصة " النول " التى ظهرت سنة 1957
وأما قصة " صيف افريقي " التى ظهرت خلال سنة 1960 فهى تمتاز عن قصص محمد ذيب الاخرى ، بطابع الواقعية الصادقة ، بل قل تمتاز بأنها رواية الثورة الجزائرية الحق . واننى أقدم اليوم الفصلين الاخيرين منها لقراء مجلة " الفكر " عساهم يدركون أن الثورة الجزائرية وجدت في قلم محمد ذيب قصاصها الفذ
البادية خالية من كل وجود بشرى ، تنام فى ضوء رمادى تتلاشى فيه جميع ملامح الاشياء . وتشير البيادر الواسعة ذات اللون البراق الى اراضى القمح ؛ واخرى ذات لون اخضر قاتم تشير الى انها اراضى كروم . ويحمل الريح من خط الافق المتباعد من الجبال المعلقة فوق الافاق شكوى ضعيفة . . . ولا شئ سوى هذا الصوت الخافت المبحاح ، وهذا الانتظار ، فى ضوء ونور ذرى يأكل الابصار ويحلق فى الفضاء غير المتناهى .
لقد كانت الساعة قد بلغت على اقل تقدير الخامسة مساء ، ولكن النهار يبدو انه لم يتحرك منذ ساعة الزوال . النور الاحمر نفسه يغمر مشاهد الطبيعة المزروعة صخورا وحجارة وهذه الشمس نفسها تذكى مخالبها على الصخور والحجارة وتصعد من التراب والاعشاب المحروقة - وقد بلغت حرارة شديدة - رائحة مثقلة بانفاس وهج النار .
كان مرحوم وثلاثة من الفلاحين جالسين فى وشاح صغير من الظلال السوداء ، هذا الظل الذى ترسله بيت مرحوم على الارض . وامام ابصارهم يمتد البلد واسعا فى فسحة من الارض وترتفع من هاته التلال الجرداء وهاته الجبال العارية ارتسامات واحساس بالعرى وان استثنينا هذه الالتفافات من الهندى التى تحليها ثمارها بنقط صفراء ، والدفلة التى تدفع برماحها المذببة نحو السماء ، فالانجاد تمتد قاتمة ، محزنة ، خالية من العباد ,
لقد اختار الرجال الاربعة هذا المرصد عن قصد ، فهم يستطيعون من هذا المكان ان يراقبوا البلد كله وهم منذ لحظات ، يتبعون بابصارهم فقاعة صغيرة من الغبار الارمد ارتفعت على حافة السهول . ومرت خمس دقائق كاملة .
قال عمران ، انها سيارة عسكرية ! وسكت الاخران . انهما بصرا ما ابصر عمران ولاحظا ما لاحظه واخذ كل منهم يفتش ببصر حاد ، السهول . وسرعان ما كبرت فقاعة الغبار ، واستمالت الى اخدود طويل ابيض ، يقترب من الجماعة اكثر فاكثر لحظة بعد لحظة .
فقال عمران : القافلة العسكرية المصفحة . ولكنه قال هذه الكلمات كانه يلقى على نفسه سؤالا ، او كانه يشك فى صحة ما رأى . ولم يؤيد مرحوم ولا صديقاه الخبر ولم يكذباه .
ثم ، فجأة وفى لحظة وجيزة ، اصبحت الارض عامرة بالجنود الفرنسيين يغطونها بعددهم الكبير . نزلوا من سيارات " الدودج " الثقيلة ، ومن سيارات " الجيب " ! المجهزة بالراديو . وطوق الجند " الدوار " واحتلوه ، وكنت ترى دبابتين وسيارات حاملة للرشاشات واقفة امام البيوت تراقبها .
قال مرحوم . لقد جاءوا للتفتيش ، سيفتشون ثم سيذهبون ولن يحدث شئ . واستمر فى قوله : انصحكما ان لا تتبدوا فى مظهر الفارين انكما تعلمان ما الذى سيحدث عندئذ ولكن عمران وقف على قدميه وابتعد وهو يزمزم كلاما لم يكن الاخران يسمعانه ، لانهما كانا يراقبان بدقة حركات السيارات الحاملة للرشاشات .
لقد عاشت هذه الارض ، الى هذا اليوم ، هادئة . ولم يجد بها الا قليل من الحوادث ، ان انت استثنيت غروس الكروم المفصومة ، واكوام القمح والشعير التى احترقت مرة بعد أخرى فى اراضى المعمرين . وان انت استثنيت ايضا بعض الهجومات المسلحة ليلا على مزارع المعمرين وبيوتهم وبعض الاشتباكات التى لم تسفر عن حوادث دامية كبرى .
ولقد بسط الوطنيون دون ان يشعر بحلولهم احد ، ودون معارك ، سلطتهم ورقابتهم وادارتهم محل السلطة والرقابة والادارة الفرنسية ، وانتشر حكمهم على البلد كله كقطرة من الزيت . وتم بينهم وبين الاهالى الساكنين فى السهول ، اتفاق كامل عميق سرى صامت .
وتوزع الجند فى كل مكان ، والى حيث يمتد البصر . وبدا الجنود يدخلون الاكواخ . والبيوت القروية ، وتسمع انفلاق اصوات وانبعاث نداءات : وهمهمات حائرة متتابعة ثم ترى الرجال والنساء والشيوخ والاطفال يدفعون خارج بيوتهم . ولا يخرجون الا وقد فصل الرجال عن اسرهم ودفعوا على حدة ، نحو حقل معزول . كان مرحوم ، مثل صديقيه ، ينظر الى هذه الحركة الغريبة ، من بعد دون ان يتحرك ، مقعيا على قدمه . وبعد لحظات من الصمت الثقيل كان يلاحظ اثناءها ما كان يجرى فى القرية .
قال - ايه محمد ، اذهب وانج ينفسك . . وادار هذا الشخص الذى سماه محمدا ، نحوه عينين صافيتين خضراوين انه شاب يبدو للناظر انه لم يبلغ العشرين من عمره ، طويل القامة ، نحيف الجسم ، مفتول العضلات ، ووجهه ذو ملامح رقيقة ، وله عنق طويل يثير في النفس ذكرى من ذكريات الطفولة العجيبة .
- اهرب واحذر من ان يلقوا عليك القبض جملة رددها مرحوم مرة اخرى . ولكن محمد ابتسم وحدق ببصره مليا فى الارض ثم قال :
- وانت . فاجابه مرحوم .
- قلت لك اذهب ولا تفكر فى امرى لكنت ترى فى تلك اللحظة وجه الفلاح الشاب كثير الغضون قد انغلق على نفسه ، وحدق بالتراب دون ان ينبس ببنت شفة .
واستمر مرحوم فى كلامه ، تتخلل صوته نبرات حنونة كلها رفق وذكاء وفهم .
هيا . . . من واجبك ان تفهم انه يلزمك ان تخبر اصدقاءنا . . بما عسى ان يحدث .
ووقف محمد على قدميه فى ثبات وعزم دون ان ينظر الى هذا الرجل او الى ذاك ، وابتعد بخطو متئد صامت .
وسريعا ما اختفي خلف البيت ، ونهض الفلاحان بعد رحيل محمد نهضة واحدة ونصح محمد صديقه وهو يغادره .
- احذر صديقه ذلك الرجل القصير القامة ، المفتول العضلات الكثيف الشعر فارسلها الآخر ضحكة مبحاحة
- اطمئن ولا تخف . وافترق الصديقان . . . " ولم يكد مرحوم يدخل بيته حتى لحق به اصغر ابنائه سعيد ، سعيد الذي دخل البيت وهو يلهث من الجرى ، وعيناه تلمع لمعانا وتبرق بريقا ويتطاير منها الشرر .
بابا . . . ذهبت اخبرت علي . ولم يضف الطفل كلمة اخرى ، بل وقف ، مقطوع النفس ، فجذبه مرحوم اليه ، وامر كفه على شعره العارى . وكان الطفل يتمرغ جنب والده كانه قط صغير حنون اليف .
ان لسعيد الطفل اوامر دقيقة ، عليه كلما يشاهد شيئا يبدو له غير عادى ، ان يقفز جريا ويذهب ليخبر عليا به . وعلي هو هذا الفلاح الذي
قامت بيته فى مكان اعلى من بيوت الفلاحين ، فوق قمة الجبل وعلي بدوره يرسل الخبر الى الحراس الوطنيين المبثوثين فى الجبال
- " وفجاة انفلقت الضوضاء خارج البيت ، هائلة مفزعة ، كانت مبحاحة فى اول الامر ثم استحالت جهورية قوية . بل يبدو ان الضوضاء قد زادت فى عنفها ، صراخ النساء يشق الفضاء ، وطلق الرصاص له فى الهواء دوى قصير وجيز ينطلق ويصفق .
لقد جف الريق فى حلق مرحوم ، رغم ارادته . فضم اليه ابنه ضما قويا . وفى تلك اللحظة دخلت بدرة ، زوجة مرحوم ، فزعة كانها جنت ، تتبعها بناتها ، وصرخت
- انهم يرمون الناس بالرصاص . وفجاة شحب وجهها . . . تحت برقعها المهلهل القديم . لقد ارتفعت اصوات دخلية قريبة من البيت ، فطلبت مستعطفة من مرحوم .
- اختف . . . بالله يا مرحوم انج بنفسك . ولكنها لم تكد تنهى جملتها حتى داهم الجنود عقر البيت ، فوجدوا الاسرة مجتمعة كلها . فاحاطوا بافرادها ودفعوهم دفعا خارج البيت وساق الجند الزوج مباشرة نحو الحقل المعزول الذى حشد فيه رجال القرية ، وهم يحرسونهم حراسة مشددة . ودفع الجند بدرة واطفالها نحو مكان آخر . وكان الجنود يلقون اوامرهم بشدة نحو مرحوم فرفع مرحوم يديه فى الفضاء . ولوح ببصره الى جندى فرنسى قريب منه ، هذا الجندى الذى كان قد صوب نحو مرحوم رشاشة فولاذية ، هذا الجندى شاب صغير ، حلق ذقنه صباحا , وجمل شاربه ، رقيقا شديد الشقرة . وجهه شاحب تغالبه عاطفة قوية على ما يظهر لان يديه كانتا ترتجفان وما وقعت عين مرحوم على الجندى حتى فكر في نفسه قائلا :
- انك لم تتعود بمثل هاته الامور . وفى تلك اللحظة حل فى نفسه يقين مرير . انه تيقن ان التفتيش كان نتيجة لوشاية .
ورايت فى تلك اللحظة رجالا آخرين يحشرون فيزداد عدد الفلاحين الموقوفين . وبعد لحظة رايت الذكور الساكنين القرية ، قد جمعهم الجند كلهم او كادوا يكونون كلهم وكانت صيحات الاسى والحزن ، وشكوى اليمة ترتفع من الحقل الذى سيقت اليه النساء ، هذا الحقل الذى لم يره الحاضرون
الجنود يطلقون النار على كل حيوان تبصره عيونهم فترى طلقات النار التى علم جيرانه ، سبب هذه الشكاوى وهذه الصيحات . ان الفرنسيين يخرجون من البيوت وايديهم محملة مثقلة بالملابس والدثارات واثاث البيوت . وهم يبتزون كل شئ تقع ابصارهم عليه ، ويحملونه ويرفعونه عنوة نحو سياراتهم الثقيلة . وتراهم ايضا يحملون اكياس القمح والسميذ ، والشعير والزيتون , " وبيدونات " الزيت . انهم يحملون مؤونة الفلاحين ! تراهم يدخلون هذه الدار وتلك ويخرجون من هنا ومن هناك ينادى بعضهم بعضا وهم يضحكون ويرسلونها لعنات وشتائم ، ولقد عرفت عين مرحوم خزانة زوجته يحملها اربعة جنود وهي مملوءة باثاث الاسرة ، حملوها الى سيارة الدودج ، وفيها القوها ، فارتفع انين من الواحها كأنين البشر . وجاء دور الحيوانات . كان الجنود يطلقون النار على كل حيوان تبصره عيونهم فترى طلقات النار التى يطلقونها بين الحيوانات عددها لا يوصف . الحمير والدجاج ، والخرفان ، والبقر ، والبغال ، تراها وقد فقدت صوابها تذهب الى جهة ثم لا تلبث حتى تراها قد عادت منكسرة على اعقابها ، مندفعة فى كل صوب وحدب ، فزعة مهرولة ، وصفير الرصاص يطن فى آذانها
وتبصر عينك بعض الحيوانات وهي تتمرغ فى دمها . والدجاج يرسل صيحات كانها صيحات بشرية . وفجاة ترى عينك فرسا يقفز فى الهواء كانه حيوان غريب . عجيب ، تراه واقفا على قدميه فى الهواء لحظة ، ويرسله صهيلا مرا ، منخاره مرتفع جبار والحافر يبدو كبيرا جدا . ثم تراه فى لحظة وجيزة يسقط على الارض ، ويتخبط فوقها بحركات غير منظمة ارغم عليها ، وفي نفس اللحظة يلقي مرحوم ببصره على الارض والى الرجل المكلف بحراسة الفرس . فيراه يرتعش كانه اصيب فى عزيز قلبه ، ويفهم سبب حيرته الكبرى . فيقول فى نفسه .
- انظر على الاقل الى الفرس سيكون لك ياعم فى مستقبل الحياة حديث تقصه على ابنائك وعلى الاجيال الآتية " . ومن جديد تستيقظ فى مرحوم فكرة كانها الالم وتحز في نفسه وتحركه الحيرة التى حركته منذ حين -
" انها وشاية ! " ولكن مرحوم لا يريد ان يصدق نفسه ، بل يطارد الفكرة المتغلغلة فيه المتسربة الى ذهنه . وهو ينتظر كيف ستنتهى هذه الحوادث .
لقد استرسلت طلقات النار . مدة من الزمن . وكنت ترى الدواب مشلولة
او ميتة تغطى الارض . وتسمع ركضا مجنونا ، ركض الحيوانات التي هربت من الموت الاحمر وانتشرت فزعة فى الحقول والمروج ، ولقد ابصر مرحوم فرسه الاشهب ، راكضا ، باحثا عن طريق ملتوية للهروب والنجاة . من رصاص الجند ، وتسمع الاذن صهيلا ، كانه من حين الى حين حشرجة فرس يحتضر وصفير ثم غصات طفل . انه فرس يحتض ولم يعد يحرك اعضاءه , وتراه احيانا فى احتضاره يحاول ان يحرك عضوا او يرفع رأسا ولكنه كلما اراد ان يقف على ارجله . احاط به بعض الجنود . وبينما كان هؤلاء واقفين ، رايت فرقة اخرى تسوق امامها فلاحا ، عرفه مرحوم حين ابصره انه رمضان البوهالى . ذلك الفلاح الساذج العقل المعتوه ، ذلك الشاب الابله الذي لا يدرك شيئا من الدنيا بل يسير هائما على وجهه دون معرفة .
لقد خاف رمضان طلقات النار واختفى دون شك في بعض الحفر فى حفرة جاء الجند اليها واخرجوه منها . فكنت تراه يدفع دفعا ، والرشاشة مسددة نحو ظهره وراسه مغروس بين كتفيه
فجأة تنطلق رصاصات الرشاشات ، ويلقى رمضان على الارض ، جنبا لجنب مع الفرس المحتضر . سيل من رصاص الرشاش القاتل يقع عليه فيرسل هذا البرئ شكوى طويلة ، تنتهى بغصة ويسقط على الارض جالسا على مؤخره ويبقى على هذه الهيأة جالسا كانه مدهوش وينطلق عند ذاك رش الرصاص من جديد ، ومرة اخرى يصوب نحوه . فعند ذاك ينقلب رمضان ، ويمتد نائما على ظهره كانه قد سئم الجلوس قاعدا على مؤخره قدماه عاريتان خرجتا من " بلغته " ومازالتا ترتعشان . وهذه علامة على انه لم يمت بعد .
وعند ذاك تبدا عملية المراقبة . ويوجه الفلاحون من الحقل ، ثلاثة ثلاثة نحو سيارة نقل ثقيلة ، وقف بها جماعة من الفرنسيين ، بعضهم في لباس مدني والبعض الآخر فى زيهم العسكرى ، يمسكون بجذاذات يراقبون بفضلها هوية الفلاحين الذين ساقهم الجنود الى السيارة . وبعد المراقبة ، يمسك الجند ببعض الفلاحين المشار اليهم . ويسوقونهم الى ناحية منعزلة . ولم يفهم مرحوم الذى سيق هو ايضا الى السيارة الثقيلة ، ما معنى هذه العملية . فهو ينظر لذلك بدقة وامعان في حركات وسكنات الحنود ويمر الفلاحون ، امام السيارة ومعتليها واحدا بعد واحد . بينما ترسل الكلاب من بعيد نباحا مديدا ، مرا اليما ، كان غريزتها قد اوحت لها واسرت بان القرية تواجه الآن خطرا لم تعرفه ابدا فى حياتها الماضية .
لقد انتهت عملية المراقبة . وبينما بقى جماعة من الفلاحين جالسين على
التراب ، رايت الجنود يسوقون مرحوما وبعض الفلاحين نحو سيارة الدودج .
وفى اللحظة التى كان مرحوم يستعد فيها لركوب سيارة الدودج ، سمع احد الفرنسيين ينطق باسمه ، يلقى به فى الهواء ، مكسر الحروف . فيلتفت مرحوم ، ويقبل عليه الجنود ، ويحمله جنديان بمفرده حتى سيارة الجيب ويركب على المقعد المتاخر ، بين اربعة من الجنود ، فيجد نفسه جنبا لجنب مع الشاب الاشقر ذى الشارب الدوقلاسى الذى كان يحرسه منذ حين ، فينظر مرحوم في وجهه ، بدقة واستغراب ويبدو بصر الفرنسى هائما ساهما ، كانه حالم خارج الحقيقة .
وفي اللحظة نفسها يتحرك محرك السيارة . . وتتحرك القافلة ، بينما يسمع مرحوم فى فزع عميق ، طلقات نارية تطلق هناك ، ويتفرقع الرصاص فى غضب مكلوب . . .
وترتفع ستارة من الغبار ، وتغطى شيئا فشيئا سماء المساء البنفسجية المصفرة .
- هكذا ، تعود القافلة من حيث جاءت مع المساء تحمل مرحوم واصحابه ورفاقه من الوطنيين . ؟
واخذ النهار ينسل من فوق مشاهد الطبيعة واحجارها المرتفعة كانها الاشباح الميتة وتنظر فاذا بالليل قد حل فجاة . حل الليل وفى اللحظة نفسها يرتفع نباح الكلاب من هنا وهناك ، ويتجاوب من جميع الجهات .
وتمزق الهواء صرخات وشكاوى اليمة طويلة ، ويرتفع ضجيج هائل فى اللحظة التى ترحل فيها القافلة عن القرية حاملة ابناءها اسارى . ثم يعود السكون ويتربع الصمت ، شيئا فشيئا ورويدا رويدا ، ويكسو البادية بثوبه الواسع ولم يعد السمع يدرك الا نباح الكلاب يستمر هاهنا ، ويمتد هناك وترهف السمع فتكشف عن اصوات خافتة وهمهمات مبحاحة ترتفع فى القرية بينما الليل ، الليل الواسع الذى لا يجليه القمر الغائب المفقود يلمع بالالآف والآف النجوم في قبة السماء الصافية ، ويشع فيه احساسا . وينفجر مسترسلا ممتددا ، فتجعل هذه السكينة غريبة ، وعلى منكب التلال والاودية ترتفع منتصبة خيالات واشباح الحشائش الميتة الجافة السوداء تلقى على صفحة السماء اوراقها كانها سيوف ارتفعت تهددك تهديدا فى جمودها الصامت .
- وفي داخل بيت من البيوت القروية ، تلك البيوت المبنية بالحجارة
المتعلقة بسفح الجبل ، ترى عند ذاك عجوزا ترتع هنا ، وترتع هناك ، عارية القدمين ، فى ضوء الفانوسة الزيتية ذات الشعاع الضئيل والبصيص الشاحب تلف بدنها رغم ان طقس الفصل شديد الحرارة فتراها بقمصان عديدة وراسها مغلف بمنديل . وتقف بعيد حين ، وقد اتعبها الدوران لتستريح فتضع يديها على ركبتيها وترسلها زفرة من الاعماق . تستريح لحظة ثم تتنفس الصعداء ، ثم تقوم من جديد ، تدب دبيبا كما يدب النمل . ويتعالى من زاوية من زوايا البيت فى المكان الذى وضعت فيه الفانوسة العتيقة ذات البصيص الشاحب يتعالى صوت رجل فى قرار بديع .
هذا با الساحلى يصلى . با الساحلى فى صلاته ، يكاد ينتهي منها ، وهو يرفع الآن صوته بالابتهالات الى الله . تراه راكعا خياله على الجدار ، قد جمع يديه مبتهلا الى الله ابتهالات طويلة ، وكانه يطلب ربه ، طلبا ملحا رحمته وغفرانه . با الساحلى مستمر فى دعائه . ولكنه قد أطال الدعاء هذه الليلة , اطاله اكثر من العادة . ولقد كان با الساحلى يرفع صوته بهمهمات غريبة . وجمل مبهمة اثرت فى نفس المراة تاثيرا عميقا لاوصف له .
وفجأة ، انهى با الساحلى دعاءه بينما خيال صامت قد لصق بالجدار انهى با الساحلى صلاته ودعاءه ورفع يده الى راسه وامرها على جبينه وانزلها على وجهه وانتهى بعد ما امرها على لحيته ثم قفز واقفا على قدميه العاريتين .
- هذا بابا الساحلى يفتح سمعه لما كانت تقصه عليه زوجته ، تقص عليه كيف فتشها الجنود ، كغيرها من نساء القرية ، تقص عليه ، مع شعور عميق بالعار ، كيف فتشها الجنود فوجد عندها منديلا مصرورا صرت فيه " عشرة دورو " فاخذها الجند منها رغم امتناعها .
- فان الحب يتطاير من فوقنا ، ومن ورائنا ، واضافت وهي ترتعش تاثرا بما جرى لها .
- ربنا حمانا . ما كنت اتوقع ان اعود سالمة . - عندما عاد الاهالى بالحيوانات الشاردة ، دخلوا بيوتهم وكمنوا فيها بعدما اغلقوا ابوابها غلقا محكما . وها هم يرهفون السمع لقلب الليل الواسع العريض ، يعزف في الدياجى ، ولا شىء يحرك هذا الهدوء اللامتناهي سوى انشودة الريح الهزيم ، التى تحمل للبعيد اصوات الفلوات الغريبة ، اصواتا مبهمه جدا ، مشتبكة جدا ، حتى ان الاذن لا تستطيع ان تفوز بمعناها الجلى .
- ان با الساحلى فلاح ، ولكن ليس بالرجل الفقير ، بل قل انه فلاح غني .
كان بيته مربع الشكل وجدرانه المبنية من الحجارة الصلداء الجافة ، ووسط الدار مفتوح على السماء الواسعة .
وفى ناحية ، قام اصطبل تنام فيه الدواب ويربض به قطيع من الخرفان والمعز ، يقارب الاربعين راسا . وتثور رائحة من الاعشاب الجافة . وتحت قباء الرواق بغل وبقرة . . . فى الظلماء تشعر بهذا الوجود الحي ، وتدرك حلاوة الهمهمات والاصوات الخافتة التى ترسلها الحيوانات النائمة . تلك الاصوات القارة الخافتة التى تبعث فى النفس شعورا بالامن والطمأنينة
- ففي داخل البيت وجدت العجوز عالية والله وحده يعلم كيف وجدت شيئا من دقيق الشعير ، فطبخت منه " كسكسيا " وقدمته لزوجها مع لبن معز فى كاشى كبير من الطين الجاف .
ثم نادت عابد ، اصغر ابنائها وهو قد بلغ العشرين انه ابنها الوحيد الذي تركوه لها لان الجند قد قتل ، لايام خلت ابنيها الكبيرين . ولكن عابد لم يجبها ولم يدخل البيت بل ظل قابعا وحده فى ساحة البيت ينظر السماء بعينى طفل برئ .
ولكن عالية تخرج وتناديه وهى على عتبة الباب في الظلام السائد . " حضر العشاء " . وعاد الابن ، آخر الامر الى البيت ، وجلس الثلاثة حول العشاء . اما با الساحلى وابنه فقد غرسا ملعقتيهما الحطبيتين في الكسكسى .
واما الام العجوز ، عالية ، فقد امسكت عن الاكل فقال لها عابد :
- كولى يامى . - لست جائعة لا استطيع ان اكل . امتلات عينا عالية - والطفل ينظر اليهما - دمعا صامتا انحدر على خديها الشاحبين المجعدين واستمر الاب والابن فى عشائهما دون ان ينبسا ببنت شفة . ومن حين الى حين ، يرفع احدهما الجرة المملوة لبنا ذا رائحة قوية ويحسو منه شربة طويلة . ثم يمسك من جديد بالملعقة ويغرسها فى الكسكسى والمراة تنظر اليهما ، بينما يشع من جسدها القوى المفتول المخلوق لاعمال الحقول الشاقة اشعاعا من الكرامة الساذجة ، البسيطة .
- وضع با الساحلى ملعقته . فوقف ابنه هو ايضا عن الاكل . ورفع الشيخ راسه ومن خلال اهدابه المشتبكة القى نظرة حادة الى ابنه وقال :
- اشهد ان لا اله الا الله . ما عرفت الا خيرا من والدتك هيا بنا . واود ان تقول امك عني قبل رحيلنا كل ما راته فى . فلتتكلم صراحة ودون
خوف . . لاننا ذاهبان انا زوجها وانت ابنها الى مكان الموت فيه بالمرصاد فى كل لحظة وكل دقيقة .
- تكلمى بصراحة ودون خوف . انا ساقابل وجه ربى ولا اريد ان اتقدم اليه آثما .
- وامسك بابا الساحلى عن الكلام . ولكن لم تنبس زوجته ولا ابنه بكلمة واحدة . وبعد لحظة من الصمت الثقيل استرسل با الساحلى قائلا :
- اما كان عندك شىء تلومينى عليه فقوليه . ودون ان يلقى بصره على هاته المراه المسنة الآن ، والتى شاركته حياته وقاسمته ايامه ، وخدمته باخلاص ووفاء ، كل الوفاء ، واحبته كل الحب , حبا يجهل حتى الاسم الذى يحمله ، قال بابا الساحلى بلهجة الرجل الذي تخلى عن كبريائه وسلطانه .
اطلب منك ان تسامحينى . اما انا ، فسامحتك فى كل ما جرى ونصف ساعة بعد ذلك ، خرج با الساحلى من البيت يتبعه ولده . وكنت ترى اودية من النجوم اللامعة تشق متلألئة قلب السماء الصافية الواسعة غير المتناهية . لقد نامت كل نفس واستسلمت ارواح البشر الى الكرى . الى عالم الاحلام ، ولم تعد الاذن تسمع حركة ولا حياة فى البادية الممتدة . تملأها النباتات الجافة كانها اظفار طويلة حادة جعلت الليل عالما لاحلام مفزعة .
لقد هيا الشيخ نفسه للموت . وقد عزم على لقاء مصيره . فذهب بخطاه السريعة نحو مكان خفي ، منعزل ، هذا المكان الذى باغته فيه مرحوم ، ذات صباح منذ ايام قليلة . فاخرج من تحت اطباق التراب المتراكمة فاس حطب صغيرة . وكنت تحس برهبة الموت وانت بين هاته التلال المظلمة وجو الليل راكد كانه انفاس مكبوتة .
وابتعد الرجلان كانهما يمشان معصوبى العينين . وترى من حين الى حين حيوانا يفر سريعا ، عند مقربهما ، او انت تسمع كلبا فى نومه . وحتى الريح فهى ساكنة .
لقد ركدت انفاسها ، انفاسها التى كانت تهب منذ حين . وهناك ، هناك تبدو اشد حلكة من سواد الليل الداكن تلك الجبال السوداء المرتفعة ، ترتفع شيئا فشيئا . وفى هذا السكون . تشعر كأن ساكنا يحرك ، يحرك في هذه الفلوات ، او كانه خرير ساقية صماء من الدم .
لقد كان عابد يتقدم مع والده ، ويشعر فى نفسه بقشعريرة وفى قلبه شعور اليم بكل ما يراه وما يحسه . وكان يراقب وهو يمشى فوق ظهر الجبال الصلداء ، ذلك الظهر الذى يدمي الاقدام ، يراقب بعينه ، عين الطفل البرئ ، النجوم اللامعة التى كانت تجيب ، بخفقانها نشيد الصراصير ، ذلك النشيد
الحاد . ومن خفقان النجوم البراق ، ينحدر ضياء ازرق هادىء . كان الطفل عابد يتبع آثار والده . تراه يضع بحذر اقدامه حيث يضعها والده . ودون ان ينبس ببنت شفة ، بل لم يكن يفكر بالمرة ، وكان يسير سادرا فهو لا يعرف الى اين يسير والى اين سيصير . ولكنه رغم ذلك كان يتقدم مدفوعا بقوة جبارة .
- وفجاة يقف الرجلان امام بيت . لقد عرف عابد هذا البيت رغم ان الظلام كان يحيط به . من كل مكان ويغطى اركانه . انه الدار التى يملكها الفلاح العياشى . يقرع با الساحلى الباب فيرد الباب صدى فى قرار كبير . ويلقى باسمه .
ولو ارهفت السمع اذ ذاك لسمعت داخل البيت حركة خافتة ثم يتربع سكون ثقيل رهيب . فيرهفان السمع ، ويخيل لحظة لعابد ان والده لاشك عائد على اعقابه وكانه يرجو فى اعماقه هذا ، ولكن ، بغتة . يجيبهم صوت من داخل البيت ، بين ، متزن ، ويسالهما من وراء الباب :
من الطارق . ماذا تريدان في هذه الساعة وكان الطفل الصغير قد اخافته هذه الكلمات ؟ فيجيب الشيخ توا . الساحلى . - انا با الساحلى . فيرد الصوت خلف الباب متعجبا : - با الساحلى ؟ ؟ .
وتمر لحظة من الزمن كانها الدهر الطويل . ولا شك فى ان الرجل الذى كان داخل البيت يتردد فيما يجب عليه ان يفعل . هل يفتح الباب ام هل يتجاهل وجود الزائر وسال صوته ، سؤالا بين النبارت متئد الصوت .
- ما الذى تريد ياجارى فى هذه الساعة المتأخرة ، من الليل - افتح الباب ياعياشى . وجدت عجلك ، عرفته من العلامة البيضاء التى فى جنبه . هل تريد ان تستعيده .
ومن جديد ساد سكون اليم كان لانهاية له . ولم يعد الانسان يعلم هل ان العياشى ما زال خلف الباب ام هو ابتعد من ورائه .
ثم يرن الصوت قريبا ، غريبا فى لهجته . واين العجل ؟ - فى الدار . . . اين تريده ان يكون فاجاب العياشى : اصحيح . انا خارج اليك يا جارى وتسمع الاذن عند ذاك قضبان الحديد الثقيلة ترتفع وتزاح عن الباب ، ويتحرك المفتاح في قفل الباب ويئن الباب انينا بطيئا عند ما يفتح مصراعاه .
ويخرج العياشي من داره ، ويبتعد عنها دون ان يفكر فى اغلاق بابه ، صحبة الشيخ با الساحلى . ويتبعهما عابد وهو يمشى على بعض امتار منه .
كنت ترى الرجال يسيرون دون كلام صامتين - وفجاة تسمع الاذن حركة غريبة ، تقوم ناشئة فى الظلام . ولم يعرف الطفل عابد ما الذى كان يجرى بين الرجلين . وكان تم هناك معركة عمياء تجرى فى الظلام . بسرعة غامضة همجية الواقع ، قبل ان يسمع صوت والده يرتفع شاقا الظلام امرا .
- شد الكلب . واسرع شده بالحبل واضف حزامى . . ويكبل العياشى . ولكن عابد الى هذه اللحظة لم يفهم بعد ما الذى حدث . الرجل مطروح فى مكانه شدت رجلاه ويداه . . ولم يعد يتحرك ، وقد تقطعت انفاسه .
وترتفع من الارض نفس النبرات التى سمعها من قبل ، خلف الباب ولكنها نبرات سلبية فى هاته المرة .
- سامحنى يا أخي . . . سامحنى . تايب . ويريد العياشى ان يصرخ . ولكن با الساحلى يمنعه من ذلك ويجره من قدميه على الارض ، نحو مكان معزول بعيد عن كل ساكن . وبينما كان با الساحلى يجره ، كان يرسل صوته متهدجا ينفخ كجاموسة :
- يا خائن . . . بعث اخوتك . . لاش آش عملولك . ؟ فيجيب الآخر : - سامحنى ، انى مسلم . ولكن يا الساحلى يقاطعه بسؤاله الملح : - خنت اخوتك . . لماذا ؟ ولا يجيب العياشى بصوته العنيف الا :
- انى مسلم ويصل الثلاثة على هاته الحال الى ما كان يقال له " الرحبة " وهي بطحاء واسعة متحدة ، يدرس فيها القمح . ويترك عند ذاك با الساحلى العياشي يسقط على الارض ، العياشى الذى اصبح اثقل من حيوان مذبوح وينحنى با الساحلى نحو العياشى ويصرخ فى وجهه
من اجلك انت قتلوا اولادى . هل تنكر هذا ؟ والذي حدث اليوم . الرجال الذين حملوهم اليوم لكى يقتلوهم . . اجبنى قل لى الم تكن السبب لم ترأف باخوانك ووشيت بهم للفرنسيين ماذا تجيب ؟
ولم يجب العياشى وكانت اغماءة شديدة قد استولت عليه . واعاد با الساحلى سؤاله بصوته القوى الحانق :
- بماذا تجيب ربك ؟ . . وماذا تقول له ؟ . ومن على اديم الارض يتعالى صوت رجاء بل هى حشرجة تشابه صوت انسان . ويصبح صوت با الساحلى لطيفا ، ويقول للرجل ، ونبرات صوته مشبعة بحزن لا وصف له .
- هيأ نفسك للموت . ويرفع با الساحلى العياشى ويوقفه فوق ركبتيه .
- سلم نفسك لله القدير . واطلب من ربك أن يغفر لك ويتجاوز عن سيئاتك "
وتهوى فى الظلام السائد ، تهوى فجاة اليد الماسكة للفاس الصغيرة ويصرخ العياشى :
- سامحوني . ثم يسقط على الارض متداعيا ، وجهه للتراب ، ودون نفس . وفى تلك اللحظة يرتفع نباح كلب يصرخ الموت صراخا . ويبتعد با الساحلى وابنه فى الليل البهيم .

