ان ابن خلدون يستحق من بين مفكرى الادب العربى العديدين واللذين تركوا لنا ثروة كبيرة ، مكانة خاصة
ان هذا المغربى الشهير الذى ولد بتونس سنة 1332 من اسرة ذات اصل عربي استوطنت الاندلس منذ بدء الفتح ، ترك لنا تاليف قيمة يمكن لنا ان يقول عنها انها لم تثر الاداب العربية وحدها بل التراث الثقافى للانسانية جمعاء .
ولقد تعود الناس ان يروا فيه مؤسس ((علم الاجتماع )) (السوسيولوجية ) وباعث (( فلسفة اجتماعية )) جديدة ، ويعجب بعضهم ان يلاحظوا انه المؤسس الحقيقى للمنهجية التاريخية ، وانه اول مفكر عبر جلى التعبير عن فكرة وجود (( قوانين تاريخية )) .
يحق لنا ان نرى فى ابن خلدون مفكرا يستحق هذا المدح ، ولكن هل تساءل متسائل لماذا شعر ابن خلدون بالحاجة الى ضبط شروط التاليف التاريخى الحقيقى ؟ ولماذا حاول ان يبين التغييرات والانقلابات التى تدخل على المجتمعات البشرية على مدى الازمان ؟ وبالخصوص لماذا كتب بين سنة 1374 و 1378 فى عزلته بقلعة ابن سلامة ذلك المدخل لتاريخه ، والذى سمى عادة بـ ((المقدمة )) ؟
ولا يمكن لنا بالمرة ان نجيب على هذه الاسئلة الا اذا قبلنا ان ابن خلدون كان فيلسوفا ، وانه ينتمى الى اسرة الفلاسفة الكبرى ، وبما ان ابن خلدون (( غربى )) اعنى تونسى ينحدر من اسرة اندلسية ، فلا غرو ان يكون تفكيره لفلسفى امتدادا لتفكير ابن رشد .
حقا لقد اعترف العلماء لابن خلدون ، بمقام الفيلسوف ، فدرست فلسفته الاجتماعية .
ولكن لا يكفى فى راينا ان نقول عن مفكر انه فيلسوف ليظهر تفكيره
الفلسفى ، كل انسان يعيش ويعمل ويفكر باسلوب خاص ، هو من اى جهة جئناه ، (( فيلسوف )) وان ( فى حياته وعمله وتفكيره ) فلسفة ضمنية .
ولم يشر الباحثون _ عندما حللوا فلسفة ابن خلدون الاجتماعية حتى الان الا الى المظهر الاجتماعى او الى المظهر الذى يرتبط بعلم الاجتماع فى تفكيره ، وهم اهملوا اهمالا المظهر الفلسفى المحض من تفكيره ( 1 )ولن نؤمن ان ابن خلدون ، الذى تدل مؤلفاته على ذكاء كبير نادر قد تفلست دون ان يشعر بذلك ، ان تفكيره الفلسفى _ فى المقدمة على الاقل _ لم يظهر فى شكل تام منظم مقصود لذاته . ولكنه على كل حال موجود بين واضح . والتحليل يمكننا من ان ندرك ذلك ادراكا تاما .
ولكن قارئ ابن خلدون يجد منذ البدء صعوبات جمة
ذلك ان مؤلف المقدمة ( 2 ) يبدو انه يحقر الفلسفة او على الاقل فهو يبدى بعض الاحتراز ازاء طرقها واسبابها وتعاليمها والمقاصد التى ترمى اليها .
وابن خلدون كما نعلم يفرق العلوم الى قسمين كبيرين اولا : العلوم التى هى طبيعة فى الانسان ، والتى تنشاعنده عنده باعمال الراى ، والتى هى خاصيته الاساسية والتى نسميها العلوم العقلية .
ثانيا : العلوم التقليدية اعنى العلوم التى تناقلها الناس بالرواية من (( واضع شرعى )) ولقد يسميها ابن خلدون احيانا (( العلوم الوضعية ))
والعلوم العقلية هى اساسيا العلوم الفلسفية التى يسميها (( العلوم الحكمية )) الفلسفية ( ص 1،380 ) خلافا للعلوم التقليدية التى هى خاصة بملة من الملل وهي تتاتى عن طريق النقل المستمر ، واما العلوم الفلسفية فهى بحق انسانية شاملة يمكنك ان تجدها فى كل (( مدينة )) تجد فيها الحياة الاجتماعية ، الشروط والظروف اللازمة لكى يظهر التفكير الانسانى
وخلاصة القول ان ما عهده الناس من تفكير بسيط لا يسمح بالغوص فى المعارف الفلسفية
وما هى هذه العلوم العقلية ؛ ان ابن خلدون يتعرض لها فى الفصل السادس من الكتاب الاول ، ويشير لنا ان العلوم على اربعة اقسام ( ص 417 - 20 - 418 - 10 - ترجمة ج 3 ، 122 ، 3 ، 88
المنطق ، علم الطبيعة ، وما وراء الطبيعة والرياضيات ، اما المنطق والرياضيات فليست لها الا قيمة تعليمية ولا يبقى الا علمان اساسيان : علم الطبيعة وما وراء الطبيعة اللذان يبحثان فى الطبيعة والعالم الالهى .
ومع هذا فابن خلدون بعد ضبط الاختلاف فى فنون الرياضيات ، يشير الى انه سحلل جميع العلوم الواحد بعد الآخر . ( ص 418 - 10 - 15 ترجمة - 3 - 123 )
يسترسل ابن خلدون فى تحليله فى الفصول التالية :
علم العدد ، والحساب ، والجبر ، والفرائض ، والقسمة ، وعلم الهياة ، والمرئيات ، وعلم النجوم ، والانوار ، والمنطق ، والطبيعيات ، والطب والفلاحة ، وما وراء الطبيعة ويود لو يعثر القارىء على خاتمة او (( حكم )) اذ البرنامج الذى سطره ابن خلدون قد حقق . ولكن ها نحن امام فصول اخرى يتعرض فيها ابن خلدون الى السحر ، وفن الطلسمات ، وخاصيات الحروف الابجدية السحرية ، والكيمياء ، وبعد صفحات عديدة طويلة ، يصل ابن خلدون للفلسفة .
ويذكر ابن خلدون حقا ان السحر والكيمياء علوم زائفة ولكن يظهر للقارئ ان هذا الزيف يؤثر فى العلوم الاخرى وخاصة على الفلسفة التى تراها مذكورة بين الفصول التى حلل فيها هذه العلوم الزائفة ، وبين الفصل الذى يحكم فيه عليها .
ويذكر ابن خلدون غير ما مرة ان( الشرائع ) المنزلة تحرم على المرء دراسة العلوم العقلية . فيقول : (( لما انقرض امر اليونانيين وصار للقياصرة واخذوا بدين النصرانية هجروا تلك العلوم كما تقتضيه الملل والشرائع فيها ، وبقيت فى صحفها ودواوينها مخلدة باقية فى خزائنهم ))
القاهرة : 419 ( 13 - 12 ) ترجمة 126
حقا نجد فى الانسان (( توقا الى معرفة الاشياء المدروسة فى العلوم الفلسفية ولكن ابن خلدون يشير فى الحاح الى قلة جدوى الفلسفة التى هى (( عارضة فى العمران ، كثيرة فى المدن وضررها فى الدين كثير )) ( ص 473-22 - 21 - ترجمة ج 3-227 ) وينتقد ابن خلدون عندما يحلل العلوم الفلسفية المختلفة علم النفس ونظرية المعرفة عند الفلاسفة زاعما انه لا طائل تحتهما اما علم الطبيعة المكون منطقيا فلا يمكن ان نطعن فيه من الناحية النظرية ، ولكنه يؤول الى نتائج لا شئ يدل على موافقتها للحقيقة التجريبية
ويقول (( الا انه لا ينبغى لنا الاعراض عن النظر فيها اذ هو من ترك المسلم لما لا يعنيه فان مسائل الطبيعيات لا تهمنا فى ديننا ولا معاشنا فوجب علينا تركها . ))
ص 475 ( 26 ) - 476 ( 1 ) 0 ترجمة ج 3 233 ) ( 3 ، 214 ))
اما علم الطبيعة ، فهو باطل اذا ما اراد المفكر ان يصل بفضل طرق عقلية محضه الى ادراك مباشر للواقع ، بدون واسطة بفضل حكمة ، وتجربة من الحقيقية الالهية ، تجربة ذوقية وكل معرفة اساسها الجدل لا يدرك هدفها الا اذا وصلت الاشياء من خلال حجاب المنطق ، وسوف يقول لنا كانت ، فيما بعد ، انها لا تدرك الا الـ (( مظهر )) لا الكائن ويكتب ابن خلدون هذه العبارة التى لا نشك فى ان كانت اعتنقها اعتناقا كاملا (( واما ما كان منها فى الموجودات التى وراء الحس وهى الروحانيات ويسمونه العلم الالهى وعلم ما بعد الطبيعة ( ص 476 (7 - 8 - (3 - 214 - ) ( ترجمة 3-234 ) فان موادها مجهولة راسا ولا يمكن التوصل اليها ))
ويقول ابن خلدون _ كرجل عرف ما هى روحانية التصوف الاسلامى التى علمه اياها جده ، ان الحجاب اسدل ضرورة بين العارف وبين المعروف )) فقد تبين ان البشر جاهل بالطبع للتردد الذى فى علمه وعالم بالكسب والصناعة لتحصيله المطلوب بفكره بالشروط الصناعية ، وكشف الحجاب الذى اشرنا اليه انما هو بالرياضة بالاذكار التى افضلها صلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وبالتنزه عن المتناولات المهمة وراسها الصوم بالوجهة الى الله تعالى بجميع قواه والله علم الانسان ما لم يعلم )) ( ص - 372-3 ، ) ( ترجمة ج - 2-435 )
هذا هو علم ما بعد الطبيعة بل قل تاويلا من تاويلات علم ما بعد الطبيعة وكل علم حتى علم المنطق حلله ابن خلدون تحليل فيلسوف نقدى . ولا شك ان المنطق منذ الغزالى ، قد وجد لدى (( المتكلمين )) اعنى حسب الفهم
الذى يذهب اليه ابن خلدون فى تحديد (( الكلام )) فهو يرى فيهم المحامين المدافعين عن الشريعة ضد البدع ، اسلوب شامل منظم اصطناعى ، لمعاملات العقل الطبيعية ولكنها غير اصطناعية ، للنظر العقلى الطبيعى الخاص بالانسان ولكنها تصبح حائلا بين رغبتنا فى المعرفة والادراك وبين حقيقة الاشياء ومن طرف آخر فلقد ادرك علماء عديدون الحقائق ان يستعملوا هذه الآلة ولكنها عاملون صادقون بالنية المستقيمة ومتوكلون على الله ( ص 492 - ( 21-19 ) ترجمة ج 3 - 279 - 280 ) وابن خلدون نفسه يعترف ان اكتشافه لعلم جديد ) علم التاريخ ( الذي يفتخر به ايما افتخار استلزم مناجاة وتفكيرا طويلا ، فلم ينتج الا عن الهام ( ص 34 (11 ) - ترجمة ج 83،1 ) كما يقول فلاسفة اليونان وافلاطون خاصة ( 1 ) اضف الى ذلك ان المنطق ليس بالعاصم ولا المعصوم ( ص 409 - ( 10-11) ترجمة ج 3-296 ) ، وقوانينه لاتعين فى شىء فى تحسين العشرة الانسانية ويشعر اكابر علماء المنطق بالحيرة تنتابهم حين ارادوا ان يؤثروا على هذه الحقيقية المعقدة التى هى المجتمع الانسانى
ورغم هذا - فان بقى المنطق صالحا - وهى ملاحظة هامة واكتشاف ملموس - فهو مهئ لا بد منه لحركة الفكر ورياضته (( وليس له فيما علمنا الا ثمرة واحدة وهى انه يشحذ الذهن فى ترتيب الادلة والحجج لتحصل ملكة الجودة والصواب فى البراهين )) ص 478 ( 10-11 ) ترجمة ج 3-239 )
ان هذه الصلوحية التى لا يشك فيها شاك ، والتي هى راى نظرى محض ، يتقاسمها المنطق مع الرياضيات (( التى تفيد صاحبها اضاءة فى عقله واستقامة فى فكره )) ص 424 - ( 11-12 ترجمة ج 3-142 ) وهذا الحكم الذى يقبله ديكارت قبولا تاما ، والذى يذكره استاذ فى الرياضة من اهل مدينة ديجون الاب موراند ، هذا الاب الذى كان يعلم الناس ، (( ان عادة الحكم الصحيح والتفكير الصحيح لا ياتى الا برياضة العقل ، وان التفكير الذى تؤدى اليه الرياضيات هى من بين جميع الرياضيات العقلية ، اصلحها ))
وهكذا نكشف ان المنطق (( والرياضيات )) هى من اصلح بل من احوج الآت الرياضة العقلية .
ولكن ان كان للمنطق والرياضيات هذه القيمة ، فان فنون الفلسفة الاخرى فيما يظهر لى ليس لها فى اعين ابن خلدون الا قيمة الوسيلة لمعرفة تاريخه .
(1 ) - ونحن الهمنا الله الى ذلك الهاما واعثرنا على علم جعلنا سن فكره وجهينة خبره
ان المؤرخ الذى يهتم - كما فعل ابن خلدون بمختلف اشكال الحضارات البشرية ، لا بد ان يسترشد عن علومها ( غير الدينية ) والعقلية والفلسفية كما يسترشد عن تقاليدها الدينية . ولكن فى كلا الامرين خطير ، ولا يصح ان يسمح للعقول الضعيفة التى قد تميل الى ان تقبل كحقائق الآراء الكاذبة . (( هذه هى ثمرة هذه الصناعة مع الاطلاع على مذاهب اهل العلم وارائهم ومضارها ما علمت . فليكن الناظر فيها )) ص 478 (17-18) ( ترجمة ج 3-240 ) . متحرزا جهده من معاطبها وليكن نظر من ينظر فيها بعد الامتلاء من الشرعيات والاطلاع على التفسير والفقه ولا يكبن احد عليها وهو خلو من علوم الملة .
وهكذا ليس للفلسفة الا اهمية ثانوية ، ولا بد ان تبقى خاضعة للعلوم التقليدية .
وامام هذا التحليل النقدى السلبى ، وامام هذا الموقف الذى يتخذه ابن خلدون ، كيف يحق لنا ان نعتبر ابن خلدون فيلسوفا دون ان نكون قد اجحفنا اجحافا كبيرا بالفلسفة .
ومع هذا ! ... ورغم هذا !... فان ابن خلدون ، فى الخطبة التى جعلها فى مطلع تاريخه تلك الخطبة الهامة ، يعتبر التاريخ فرعا هاما من الفلسفة ، بل قل حكمة ( ص 2) (20 ) ترجمة ج 4،1 )
( 2،1 ) وهو يؤيد رايه ويضيف قائلا فى السطور الاخيرة من خطبته هذه ، ... داخلا من باب الاسباب على العموم الى الاخبار على الخصوص فاستوعب (( اخبار الخليقة استيعابا وذلل من الحكم النافرة صعابا واعطى لحوادث الدول عللا واسبابا واصبح للحكمة صوانا وللتاريخ جرابا (( ص 5 (9 - 8 ) ج 1 - 11 ) ( 1 - 7 ) -
وهذا ما يدفعنا الى ان نبين ان ابن خلدون ، فى صميم فكره ، يعتبر ان هنالك فلسفتين ، فلسفة اصيلة صحيحة وفلسفة كاذبة غالطة . وهذا يعنى ان ابن خلدون قد اهتدى قبل كانت KANT وفى وضوح اكبر فى التعبير . الى تفكير نقدى حاول من جرائه ان يحدد حدودا وقواعد لاستعمال العقل فى البحث الفلسفى . والذى ينتقده ابن خلدون هو تهافت التفكير الفلسفى الذى يتعدى المقاصد التى ينبغى ان تبقى دائما مقاصده والذى يحاول ان يدرك امورا من اللازم ان تبقى اجنبية وخارجة عن ميدانه ، وعلينا الان ان نظهر معا الاهمية الكبرى الاساسية التى تملكها الفلسفة عند ابن خلدون وموقفه الفلسفى ، ولا نصل الى هذا الا اذا حاولنا ان نخرج اللب ، او (( الباطن ))
من فكرة ابن خلدون . لان ابن خلدون فى الحقيقة لا يقدم لنا الا المظاهر السلبية من فلسفته الخاصة ، تاركا جانبا دون تعرض لها ، الاسباب التى سنراها فى المضمون الايجابى فى تفكيره الفلسفى
واما ان يكون ابن خلدون فيلسوفا ، فهذا ما يخبرنا به هو نفسه فى كتابه المسمى بالتعريف .
ان احد الاساتذة الكبار الذين اثروا فى ابن خلدون اثرا قويا ، ولم يصبهم منجل الطاعون الاسود بتونس سنة 1348/749 هو ابو عبد الله محمد بن ابراهيم الآبلى ( المتوفى سنة 1356/757 ) ويرى التلميذ ان شهرة استاذه وعبقريته ، هو انه احيى علم ما بعد الطبيعة فى المغرب الاسلامى ، وقد ضاع ذلك العلم الذى اهمله الناس بعد موت ابن رشد ( 1 )
ولقد اعترف ابن خلدون بعد سنوات ثلاث قضاها تحت امرة استاذه المحبوب بتونس انه قد عرف شيئا مفيدا وما هو هذا التعليم الذى تلقاه ابن خلدون يا ترى ؟
وهو ما نعترف دون تعب انه تعليم جامع شامل ولقد درس الآبلى ابن خلدون خاصة الفلسفة ، اعنى ابن سينا والرازى ، والطوسى ، واخيرا ابن رشد . اولائك الرؤوس الذين كان يشرح مؤلفاتهم فى دروسه والجدير بالذكر ان ابن خلدون نفسه قد خصص قسما من مؤلفاته قبل ان يؤلف كتاب ( العبر ) للتحدث فى الفلسفة ، والكتاب الوحيد الذى وصلنا (*) عن ابن خلدون والذى لم يخصه للتاريخ ، هو موجز للمحصل الرازى عنوانه (( لباب المحصل )) وشرح لكتاب ابن الخطيب خصصه صاحبه لاصول الفقه قد كتب ابن خلدون كتابا فى الحسابيات ومؤلفة فى المنطق ( اهداه الى ملك غرناطة محمد الخامس ) واخيرا فهو اوجز عدة من مؤلفات ابن رشد .
ان هذه الاشارات ، وان كانت بسيطة عن تئاليف ابن خلدون الفلسفية بينة كل البيان ويحق لنا ان نرى فى ابن خلدون صاحب المقدمة فيلسوفا ، بل اكثر من ذلك فنرى فيه تابعا لفيلسوف قرطبة .
وهكذا تؤيد عندنا الملاحظات السابقة التى اشرنا اليها : ان ابن خلدون يعترف بقيمة ما للمنطق والرياضيات من فضل فيرى من الصالح ان يتحدث عنها فى مؤلفاته . فهو يعرف ابن رشد ويرى من واجبه ان يتعرف الناس الى تفكيره فى كتب موجزة ، كانت مؤلفاته اجمالية ولامر ما يعارضنا معارض فى هذه المسألة التى هى ليست بذات قيمة ما دامت النصوص مفقودة ولا ندرى هل ان مؤلفنا التونسى عاضد ام انتقد النظريات )) الرشدية )) ولربما علينا ان نفكر فى ان ابن خلدون حاول فى لباب المحصل ان يرد على اراء الرازى مستعملا النقد الذى وجهه نحوه ناصر الدين الطوسى ، فلربما رفض ان يقبل بعض موضوعات تفكير ابن رشد ، وفى هذا الافتراض يكون هاته الكتب الموجزة (( نقدية )) ولكن هذا الافتراض نفسه لا يمكن ان يحتمل : فدراستنا للمقدمة لم تظهر لنا فى اى مكان منها اعتراضات واضحة على تفكير ابن رشد ، بينما نجد ابن خلدون يهاجم اكثر من مرة مهاجمة مباشرة وغير مباشرة وغير ما مرة الفارابى وابن سينا ، بينما لم يناقض ابدا ابن رشد . بل لم نجد ولو فى مكان واحد فى فلسفة ابن خلدون الباطنية ما يناقض فلسفة ابن رشد بل الراى الاول يعترض الراى الثانى ويصرح بان ابن خلدون موافق ابن رشد كل الموافقة وانه تابعه وان كان الامر هكذا ، وان كان ابن خلدون قد قبل حقا عقيدة ابن رشد الفلسفية ، فلنا الحق فى ان نرى ابن خلدون حين حرر مؤلفاته الفلسفية المقدمة ، اعنى المقدمة والجزء الاول من (كتاب العبر ) ، قد استعمل طريقة لعرض الاراء طريقة خاصة توخاها فيلسوف قرطبة فيما يخص الكتب التى ستعرض على جمهور غفير ، من القراء ، تلك المؤلفات (( الظاهرية )) ان صح التعبير .
ان المقدمة والجزء الاول من كتاب العبر ، موجه للناس جميعا لا لنخبة من المفكرين او الى جماعة محدودة من الفلاسفة .
ولقد اهدى المؤلف نفسه نسخة من كتابه هذا فى مظهره الاول - وقرنه بقصيدة مدح الى الامير الحفصى ابو العباس ( ترجمة ج 1 - ص 70 رومانية ) ولقد قام بنفس العمل عندما وصل الى القاهرة ، فاهداه الى سلطان برقوق واذا ما اهدى مفكر مؤلفه للسلطان فمعنى ذلك انه قبل ان يطالعه العلماء الذين يكونون حاشية السلطان المتكلمون ، والفقهاء وغيرهم ، وهذا ما
يبعثنا على الاعتقاد بان ابن خلدون فى تحريره لكتابه قد نزع نزعه التقدمية حتى ينجو من الانتقادات الشديدة الخطيرة عليه والتى يوجهها عادة اصحاب السنة الى كل تاليف يظهر صاحبه نهجا فلسفيا - اعنى انه ينتمى الى الاصول الفلسفية التى كانت تشكل خطرا على التفكير السنى . ونحن نقرا فى الخطبة التى افتتح بها كتاب ابن خلدون ، انه وجه كتابه (( للعلماء والخاصة )) ص 4 (16 - 17 ) ترجمة ج 9،1 ، اذن لم يتوجه الى جماعة محدودة ؟ بل التاريخ (( تشيد اليه الركائب والرحال وتسمو الى معرفته السوقة والاغفال وتتنافس فيه الملوك والامثال ويتساوى فى فهمه العلماء والجهال ... )) ص 2 ( 15 - 14 ) ترجمة ج 1 ، 3 - فهو سيصل بطبيعته لجمهور واسع الاطراف وابن خلدون يعرف ان العلماء سيحتفلون به ، ( ص 5 - ( 20 ) ، ترجمة ج 1 ، 12 ) ((وانا من بعدها موقن بالقصور بين اهل القصور ، ولاجل هذا بعثت خاصية ابن خلدون الفلسفة التى تمس الجزء الاول من كتاب العبر محجوبة حجابيا صفيقا . لان الكاتب حين قال انه يعرض علما فلسفيا ، وعلما عقليا جديدا فهو يقول لنا كذلك انه تاليف ناتج عن حكمة انسانية ولكنه لا ينتسب انتسابا ظاهرا الى الفلسفة ورغم هذا فتفكير مؤلف المقدمة تفكير فلسفى بالمعنى الذى اعطاه ابن رشد للفلسفة وان نحن اعدنا من جديد الانتقادات التى وجهها ابن خلدون للعلوم الفلسفية ، ولكنها من جهة تبقى روح الفلسفة نفسها ، بقاء كاملا اعنى البحث عن تفسير الحقائق باسبابها
وبفضل طريقة منهجية عقلية محضة ، ومن جهة اخرى موضوعات الفلسفة المشائية التى اخذها ابن رشد الذى ينتقده ابن خلدون ، هو علم ما بعد الطبيعة الذى يدعى انه يوصل بطرق عقلية الى ما هو خاص بالوحى ، اعنى المزج والخلط بين ميدان الكلام وميدان الفلسفة . ولتقرا ابن خلدون (( ... ان قوما من عقلاء النوع الانسانى زعموا ان الوجود كله الحس منه وما وراء الحس تدرك ذواته واحواله باسبابها وعللها بالانظار الفكرية والاقيسة العقلية . وان تصبح العقائد الايمانية من قبل النظر لا من جهة السمع فانها بعض من مدارك العقل ثم يزعمون ان السعادة فى ادراك الموجودات كلها بما فيها الحس وما وراء الحس بهذا النظر وتلك البراهين وحاصلة مداركهم فى الوجود على الجملة ما آلت اليه وهو الذى فرعوا اليه قضايا والظاهر انهم عثروا اولا على الحكم السفلى بحكم الوجود والحس ثم ترقى ادراكهم قليلا فيقروا بوجود النفس من قبل الحركة ويزعمون ان السعادة فى ادراك الوجود على هذا النحو من القضاء مع تهذيب النفس وتخلقها بالفضائل وان ذلك ممكن للانسان ولو
لم يرد شرع لتمييزه بين الفضيلة والرذيلة من الافعال بمقتضى عقله ونظره ومثله الى المحمود منها واجتنابه للمذموم بفطرته وان ذلك اذا حصل للنفس حصلت لها البهجة واللذة وان الجهل بذلك هو الشقاء السرمدى وهذا عندهم هو معنى النعيم والعذاب بالاخرة . ص 473 (22-2،475 ) ترجمة ج 228،3 - 231 )) .
وهكذا يبدو طبيعيا ان يعتبر ابن خلدون ان هذا غلطا عميق . وهاهنا يتفق ابن رشد مع ارسطو فى هذه المسالة - الجوهر الالهى لا يمكن ان يدرك بالعقل ولو كان كامنا ولا يمكن ان يلمس الا من خلقه ، ومن الامور الطبيعية التى هى ينبوعها ولكن ان نعرف شيئا كعلة ليس ذلك بمعرفة جوهره ومن طرف آخر فان مثل هذه العقيدة خطيرة لانها ان انتشرت بين تلك العقول التى لم تصل الى قوة عقل ابن سينا مثلا ، فلا تؤد بهم الا الى نكران صلوحية الشريعة ما دامت تعاليم الشريعة يمكن ان تدرك بالعقل . واضف الى هذا انه من الخطاء الشرعى ان لا نميز سعادة ( الآخرة ) التى وعدت بها الشريعة المنزلة مع اللذة الفكرية التى يجلبها النظر الفلسفى وهذه اللذة تشابه تلك التى يدعى الصوفيون الوصول اليها بطرق واساليب اخرى ، اما ان نحدد السعادة العظمى كمقصد الفلسفة والسعادة الابدية التى وعد الله بها المؤمنون ، فهو خطا مهول وانحراف خطير كل الخطورة ، كالانحراف المماثل الذى زيف ما كان صحيحا فى علم الكيمياء وعلم الفلك ولقد خرج ابن سينا والفارابى من ميدان الفلسفة وهو حقيقة الاشياء ، ونسوا غاية الفلسفة التى هى نظرية وانسانية فقط فلقد أفسد هؤلاء المدعون طهارة الفلسفة كما فعل المشعوذون الذين ابتدعوا ... خرافات علم التنجيم والكيمياء ، بينما دراسة حركة الافلاك ، وطلب تغير العناصر المادية هى امور ومقاصد مقبولة فى حد ذاتها .
ان ارسطو المعلم الاول جعل من المنطق اسلوبا منظما وحل مشاكله جميعا بطريقة كاملة ومرضية ولقد طبقها على اشياء متعددة ونجح .
ولكن فلسفته اولدت نتيجة للمناقشة الطويلة التى جرتها الى عقائد فرعية طورت عقول بعض الفلاسفة بل قل اكبرهم ( ص 475 ، 10 ترجمة ج 3 - 231 ) ويذكر ابن خلدون من بين هؤلاء الفارابى وابن سينا ولكنه لا يذكر قط ابن رشد ، وان كان حقا ان ابن رشد قد شك فى صحة نسبة (( ثيولوجيا )) الشهيرة المنسوبة لارسطو ، وهى تاليف تابع مباشرة عن (( الشيعات ))
لافلوطين كما هو معلوم وان كان حقا انه ابى ان يتبع الفارابى وابن سينا كل من جروا على اثار الافلاطونية المحدثة كما يظهر ذلك ظهورا جليا من عدة مسائل عقائدية ، والتحليل الذى يقوم به الاستاذ ارلنداز ( 1 ) يؤيد ما نذهب اليه . فالفلسفة التى يأباها ابن خلدون هى الفلسفة ذات الاسلوب الافلاطونى المحدث . لأن ابن خلدون بقى مشائيا وهو لا يفتأ يذكر طوعا ارسطو من بين اعمدة الحكمة الشامخة وعندما يحيل ابن خلدون علماء ما بعد الطبيعة الى رياضة المتصوفين فلانه يأخذ عليهم انهم مزجوا بين الفنون وارادوا ان يصلوا مقصدا بطريق العقل ، مقصدا هو خارج عن نطاق العقل البشرى ، - حاولوا ان يسروا بالنفس البشرية نحو تجربة لايمكن لك ان تدركها الا بالايمان . وهذه الفلسفة الغالطة ، هى فى حقيقتها مضرة بالمتكلمين نفس الضر الذى يقع بالصوفية وبالفلاسفة . ويتعرض ابن خلدون ، مرتين الى الموضوعات التى طرقها ابن رشد فى فصل المقال :
من اللازم ان لا نمزج بين علم الفلسفة وبين الشريعة والحكمة وبين الكلام والفلسفة .
ولهذا السبب يحتفظ ابن خلدون احتفاظا سريا باساليبه الفلسفية وهو يرى ان ليس من الصالح ان نعطى لاى انسان آلة فكرية فيما يخص الاسباب وفيما يخص المناهج ، بان تجعله يدرك بفعالية كبيرة آلة متمثلة لأسمى قمة وصل اليها النظر البشرى ولكنها خطيرة على من يحسن التصرف بها والسيطرة عليها ليستعملها فى ميدانه الخاص .
ان التاريخ كما يراه ابن خلدون هو اذا تاريخ فلسفى وفرع من الفلسفة ، وعلم عقلى . ولكن هكذا لا يظهر عندنا انه مضاد للفلسفة ، اوعلى الاقل مضاد لتفكير ارسطو ؟
كل منا يعلم ان ارسطو قد وضع هذا المبدأ الاساسى : الا ما هو عام ، وهذا التاريخ ، فى حقيقته وصف لحوادث (( عديمة المثيل )) وهو المعنى الذى يعطيه اياه ارسطو ، وليس بالعلم الذى يدور على المعانى على عليات ، بفضل طريقة دالة على ان اصالة ابن خلدون ناتجة حقا عن انه اراد ان يجعل من التاريخ علما باتم معنى الكلمة ، تفسيريا وعقليا .
وللتاريخ ظاهر وباطن
(( اذ هو فى ظاهره لا يزيد على اخبار عن الايام والدول والسوالف من القرون الاول تنمق لها الاقوال ، وتصرف فيها الامثال وتطرف لها الاندية اذا غصها الاحتفال وتؤدى لنا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الاحوال واتسع للدول الناطق فيها والمجال وعمروا الارض حتى نادى بهم الارتحال ، وحان منهم الزوال . )) ( 1 ر 2 )
( 15 - 19 ) ترجمة ج 1 ، 3 - 4 )
واما (( الباطن )) التاريخى ، وهى العبارة التى يستعملها مؤلفا (( فيقول باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات عميق فهو لذلك اصل فى الحكمة عريق وجدير بان يعد فى علومها وخليق )) ( 1 ر 2 ) 2 - 19 - 21 - ترجمة ج 1 - 3 - فنجد انفسنا امام التاريخ الذى يشرح الاشياء ويثبت الحوادث قبل كل شىء ، بنقد عميق ليحلل الاسباب فيما بعد . ولكن ليس لهذا التفكير قيمة الا اذا كان مؤسسا على قوانين تاريخية تلك التى اثبتها علم الحضارة ، ذلك العلم الجديد الذى كان ابن خلدون مؤسسه فنرى هذا التاريخ يستلزم ويتطلب فلسفة التاريخ ، وعندما يفكر الانسان هكذا ، يصبح التاريخ علم الحضارة الانسانية ومعرفة تحليليه للحوادث التى تهم المجتمعات البشرية مع موضوعها الخاص ، الحضارة بل قل الحضارات التى مسائلها مرتبطة بهذه الحقيقة الخاصة ، ومناهجها التى حددها ارسطو ، هى الجدل والتحليل ، وغايتها ان تكون البحوث التاريخية مثمرة ، وتحليل الحوادث تحليلا دقيقا حتى نصل الى الحقيقة وحتى يصبح المجهول مفهوما والغيب معلوما وبأختصار ونظاما منطقيا ينبغى ان ندرك فى التاريخ ، عقلية الحقيقة ، ولكن لا يفوت ابن خلدون ان هذه العبارة مشكوك فيها لان لاعلم الا ما كان ثابتا وباقيا ، بينما التاريخى ميدان لما هو صائر وجار فكيف للعالم اذن ان يهدف دون تناقض الى ان يجعل من هذه الحقيقة المتنقلة السائلة علما واما ان تكون الحقيقة التاريخية البشرية ما هو صائر وهذا امر يعرفه ابن خلدون اكثر من غيره بكثير الم يكتب فى السطور الاولى فى مقدمته .
(( وتبلينا الايام والوقوت ، وتعترينا التى خط علينا كتابها الموقوت وله البقا والثبوت )) ص 2 ترجمة ج 1 ،2 ( 6 - 8 ) ولم ينتظر ابن خلدون الشاعر (فاليرى ) ليعلم - ويعلم غيره - ان الحضارة مصيرها للزوال . والاعتراض لا يمكن ان يأتى الا من طرف فيلسوف أظهر تفكيره اسلوبا افلاطونيا او
افلاطونيا محدثا . ولنا الحق ان نجعل ما هو صائر علما اذ ان علم الطبيعة الطبيعة كما يراه ارسطو ، علم الحركة اضف الى هذا التاريخ الذى يشكل مأساة حقيقة ( الرسم ) ينتقل مع هذا (( العلم الجديد )) من درجة الوصف الملموس الى درجه تفسير الحوادث الواقعية بعللها حقا ولا بد للمفكرين ان يستعينوا ببعض القواعد المستقرة الدائمة ولكن ابن خلدون يقبل بحق ان هنالك طبيعة انسانية ، هى فى نفس الوقت طبيعة اجتماعية (( الانسان حيوان اجتماعى بالطبع )) ونرى فى هذه الكلمات عبارة ارسطو التى يذكرها ابن خلدون اكثر من مرة . ان الخصائص الاجتماعية ، واختلاف الاديان والقوانين تقدم بكثرة مضادة للوحدة الكيان فى الظاهر فى العلوم التاريخية ولكن ابن خلدون يقول :
(( وانما يقع الاختلاف فى العلوم الشرعية لاختلاف الملل والتاريخية لاختلاف خارج الخبر ثم الكتابة المختلفة )) ج 3 ، 266 ( 242 ) ولكن التاريخ فى الحقيقة فى صميمه وفى باطنه واحد لان الطبيعة الانسانية مهما اختلف الزمان والمكان واحدة واحدة ، هو ذا المرجع الاساسى لحقيقه الامور والقاعدة الاساسية لعلم تاريخى ولفلسفة تاريخية حسب رأينا او ليس هذا كما يقول جان صوفاجى فى كل بساطة ، التاريخ الحقيقى .
فان فكر الانسان هكذا ، هذا (( العلم الجديد )) الذى يشمل عرضه اول اقسام كتاب العبر الثلاثة الكبار ، يملك فائدة نظرية وعقلية ، وهى تختلف اختلافا عن التاريخ الذى يقوم على (( الخبر )) . ( ص 32 - 11 ترجمة 1 ، 77 )
ذلك يقفنا على أحوال الماضى من الامم فى اخلاقهم والانبياء فى سرتهم والملوك فى دولهم وسياستهم فى (( احوال الدين والدنيا )) ص 7 ( 8 - 10 ) ترجمة 1 - 13 )) العلم الجديد باطن التاريخ له فائدة كبيرة حقا ولكن ليست الفائدة العملية . يقول ابن خلدون :
(( وهذا العلم انما ثمرته كما رايت فى الاخبار فقط وان كانت مسائله فالموضوع والمطلب مثل ما يذكره الحكماء فى اثبات النبوة . )) ص 32 - ترجمة ج 1 - 79 - ( 26 - 27 ) ولنقف الى تفسير الحوادث التاريخية بالاسباب هكذا يبدو التاريخ علما نظريا لا عمليا ، وهذا التاريخ (( باطنى )) ويبقى فلسفيا . وهل يعنى هذا ان ابن خلدون لم يهدف الا نحو قصد نظرى محض .
نحن نعلم بفضل (( كتاب التعريف )) ان صاحبنا كان كذلك رجل الاعمال . فان هو اختلى لنفسه فى بعض الرباطات وان هو لجأ طيلة اربع سنوات فى قلعة بنى سلامة للتأمل والتفكر وان هو درس بالازهر عندما نزل مصر فهو قد تمتع بمناصب عامة سياسية ولقد دخل ابن خلدون معمعة السياسة مدفوعا بطبعه وتجربة ديبلوماسية وقضائية ، وانه قام بدور هام فى الحروب التى كانت تدور فى افريقيا والمغرب الاقصى والاندلس ولم يتبع الطريقة الصوفية التى دعا اليها وهو فتى .
ولكنه حين كتب التاريخ وقف على نظرة تفكرية ، وقد عرض اصلاحا سياسيا وكما انه اظهر حين نزل بالقاهرة كثيرا من التردد فى دخول معمعة الحياة السياسية كذلك فى المقدمة يعارض غرضه العلمى بالغرض العملى الذى تهدف اليه بعض العلوم كالبديع و (( السياسة )) اذا اخذناها فى المعنى الافلاطونى بل نراه يهزأ ببطلان فلسفة الفارابى السياسية مثلا .
(( وما سمعته من السياسة المدنية فليس من هذا الباب وانما معناه عند الحكماء ما يجب ان يكون عليه كل واحد من اهل ذلك المجتمع فى نفسيته وخلقه حتى يستغنوا عن الحكام رأسا ويسمون المجتمع الذى جعل فيه ما ينبغى من ذلك بالمدينة الفاضلة ، والقوانين المراعاة فى ذلك بالسياسة المدنية ، وليس مرادهم السياسة التى يحمل عليها اهل الاجتماع بالاحكام العامة فان هذه غير تلك وهذه المدينة الفاضلة عندهم نادرة او بعيدة الوقوع وانما يتكلمون عليها على جهة الفرض والتقدير )) ص 264 - ( 13 - 8 ) ترجمة ج 2 - 20 - 141 )
ولا شك ان ابن خلدون يهدف من وراء هذه الانتقادات الى هدفه الاخير الذى هو هدف الفلاسفة من افلاطون ، وارسطو الى ابن رشد ، وهو محاولة قيام نظام سياسى واجتماعى معقول منظم ومدبر تنظيما وتقديرا دقيقين يريد اجتناب تطاحن الجماعات والفرق )) ولا شك فى ان هذا المثل الاعلى هو مثل ابن خلدون ولكنه يعارض المقاصد الخيالية الفلسفية التى حانت خفية فهو يردها ردا ولا يقبلها ابدا ... بل يرفض ان يتحدث عنها ، لانه يرى ان الفعل هو الكلام الوحيد .
ولكنه فى هذا فيلسوف ينقض روح الفلسفة السياسية ، لان الانسان لا يستطيع ان يقوم بفعل دون ان يؤيده بالفكرة على اسس فكرية يقينية .
وهل يعنى هذا انه لا يمكن (( للمدينة )) ان تجد اساسا كافيا لحياتها فى الشريعة ؟
هذا هو ما فكر فيه ابن خلدون ان المدينة العادلة لايمكن ان تكون الا مدينة الرسول المؤسسة على الشريعة القرآنية . ولكن الحضارة الاسلامية فى عصر ابن خلدون كانت منحلة ومتقهقرة . وابن خلدون يلاحظه بهم وغم ، ويرى انه من اللازم ان يجدد ويحيى نزعات التئالف الاجتماعى ، ولهذا يجب ان ندرك اسباب هذا الانحلال يجب على السلطان الصالح ان لا يغفل عن اسباب هذه الحالة الواقعة وان يبحث عن واجب ادارة المدينة الصالحة التى تجابهها ولا يكفى السلطان ان يعلم الاسباب الظاهرة ، بل عليه ان يبحث عن الاسباب الباطنية .
وينبغى على السلطان كذلك ان يتقبل نتائج مقرراته وحكمه قبل وقوعها . وحكمة الامم الخالدة تعترف بهذا فتقول :
(( السياسة كهانة )) وفى هذه الحالة ايضا ، لا يمكن ان ندرك هذه النتائج الا اذا عرفنا حقيقة المادة التى نعمل عليها . وبايجاز فالعمل السياسى المدنى الوحيد الذى يمكن ان نقبله قبل كل شىء هو روية فكرية فى العلاقات السببية بين الحوادث التى تشكل لحمة التاريخ . اذ ان العمل السياسى نفسه دعوة ملحة الى اعتبار التاريخ نفسه فلسفة تاريخية .
وهكذا يظهر ان القاعدة العملية ، لا بد لها ان تفسح المجال لمقاصد نظرية . وكما ان افلاطون ، فكر فى نظرية (( الصور )) قبل ان يؤلف وان يكتب (( النواميس )) وكذلك ابن خلدون قد كتب المقدمة وكتب العبر الثلاثة الاولى قبل ان يدخل معمعة السياسة الكبرى
ولكن ابن خلدون هنا ايضا يرتبط بالفعل بتقاليد فلسفية ولابد له لكى يعمل عملا مثمرا ان يعبد الطريق . ولاجل هذا يتحدث ابن خلدون طويلا عن التعليم ويوجه اليه اراء نقدية ، بل ليذهب نحو جوهره وحقيقته وانى لاذكر انه حدث لى ، حين كنت فى تونس ، سنة 1948 ايام (( الاسبوع البيداغوجى )) ان سمعت عرضا قيما للاستاذ محجوب بن ميلاد ( المدير الحالى لمدرسة المعلمين بتونس ) لما سماه بحق بيداغوجية ابن خلدون التعليمية ولقد تعرض الى المعنى الفلسفى والسياسى ، وهذه (( البيداغوجية )) ليست بواقعة على حاشية تاليف ابن خلدون بل فى صميمها وهى جزء لا يتجزا منها
ومن هنا ، شعر شعورا قويا ان ابن خلدون امتداد مباشر لابن رشد بل للفارابى الذى يرى ان عجز الفيلسوف عن ان يمسك بادارة المدينة يدفعه الى ان يصبح فى عقر المدينة الظالمة ، المربى الذى يزرع بذور المدينة العادلة المستقلة ندرك هكذا ان ابن خلدون ينتمى بفضل المقدمة لاسرة الفلاسفة ، المقدمة
التى هى خاتمة لتاريخ طويل لفلسفة سياسية بدأت مع افلاطون وارسطو وان صاحبنا لادرك ؟؟ فهو يقبل قبولا حسنا (( الحكمة السياسية )) ولكنه يرد على راى الفارابى واوهامه ، التى وضع فى كتابه (( السياسية المدنية )) مدينة فاضلة اعنى مدينة مثلى . ص 264 - ترجمة 141،62-142 م التى لا يمكن ان تكون سوى (( مقاصد خيالية )) فابن خلدون راض عن ابن رشيد ومتقدم عليه وهذا يمكننا من ان نرد الجواب على سؤال ملح
ان قراءة ما نسميه بالمقدمة - اعنى خطبة الكتاب والجزء الاول من كتاب العبر يثير الغرابة فى اسلوب الكتاب نفسه ولقد يجد المرء قوة فى التفكير ويجد اسلوبا مملوءا اصطلاحات وفى ايجاز كبير حتى انه يخالف (( فنية )) اختلافا كبيرا الاسلوب العادى الذى يستعمله اصحاب التواريخ العرب بل يختلف هذا الاسلوب مع اسلوب ابن خلدون نفسه كما نراه فى كتبه الاخرين ، ومن اجل هذا القى على الاستاذ برشى ذات يوم هذا السؤال
- اترى ان هنالك مصدرا يونانيا لهذا الجزء من تاليف ابن خلدون ؟ الجواب (( لا وبلى )) لا ! لانه لا وجود لمصدر مباشر ! وبلى اذا ما اعتبرنا مؤلفنا التونسى وارثا للفكر اليونانى وفلسفته
فنحن لا نجد اى نص يونانى كمصدر من مصادر للمقدمة فلا هى هيرودوت ولا توسيديت ولا اى مؤرخ اخر او صاحب تاريخ مباشرة او غير مباشرة ولا اروز ( الذى عرف ابن خلدون كتابه المترجم الى العربية ) يقدمون للقارى فكرا مماثلا لهذا العلم الجديد الذى يفتخر ابن خلدون انه بعثه ولكن الجواب بلى اذا اعتبرنا روح المقدمة ، التى هى فلسفة اعنى فكرة فلسفية قوية وحبة ترمى بعروقها للفلسفة اليونانية
ان ابن خلدون قد خلق ، بعبقرية الحقيقة علما جديدا قائما على اراء وافكار نتجت عن عشرين قرنا من النظر الفلسفى
وانا لناسف ان هذا الاكتشاف قد عاش مدة طويلة دون اى صدى واى تاثير وان لم نر عالما واحدا لم يرفع المشعل ليزيد على ضوئه وانما عليه تعيين موضوع لعلم وتنويع فصوله وما يتكلم فيه والمتاخرون يلحقون المسائل من بعد شيئا فشيئا الى ان يكمل )) ( 3-434 - ( 22-23 ص 558 ترجمة ج 3-455 ) كما تمنى ابن خلدون العبقرى
ولربما كان لبعض اراء ابن خلدون فى فلسفة التاريخ صدى فى القرن الثامن عشر بفضل مترجمى التراجم العربية اللاتينية بمدارس بولونيا وبادوا
لاننا نرى فكرة (( الدوران )) الحضارة التى رأيناها عند ابن خلدون فى العلم الجديد ظهر بها جان باتيست قيكو ، فى علمه الجديد
واما ان نعلم هل ان الناس قرأوا او ترجموا الى اللاتينية ابن خلدون اى سيلادون - وهو اسم ابن خلدون كما قراته فى بعض التراجم التى كتبت اسمه هكذا فهذا موضوع بحث آخر

