الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8 الرجوع إلى "الفكر"

تفنيد وتجديد

Share

-4-

كان من نتائج تقدم البحوث الانسانية فى الحضارة المعاصرة ان خلع الانسان المستنير باضواء المعرفة سترة التقليد الجامد والتعود المريض ، فبدلا من ان يؤسره سلطان الماضى بوحيه ومكانته ، برسومه ومخلفاته نراه متحرر التفكير والعقيدة ، كثير الاعتداد بنفسه ، شديد الوثوق بامكانياتها فلا هو اذن من الغباوة بحيث تسل تفكيره وتحجر عقله سوالف الحكم وخرائد العبد المنحدرة عن الامس الغابر بل هو على النقيض من ذلك لا يرى معيارا للحق الا عقله وهديه ، ولا يرى نفوذا عليه لسوى البداهة العقلية والتجربة الحية ، اما ما قيل وما روى مما مجدته الاجيال والالسن فكل ذلك معد فى نظره تركة مليئة بمخلفات وميراث فكرى متنوع احتوى الغث والسمين ، الصائب الاقوم والزائغ الاعرج ، بحيث لامناص من القول بضرورة النقد ولا مندوحة من التصفية او الغربلة الممعنة.

هذا هو موقف كل متيقظ رصين فى معركة المحافظة والتجديد بكثير من البلاد ، وهذه هى سنة التطور القاضية بان يخلف الجديد الارقى كل تليد اشقى ، وان تنتصر التقدمية المتعقلة على كل رجعية متعثرة ، وبالتالى تخلف الخرافات والاباطيل تؤدة الروح العلمى وتحل محل الحكمة التقليدية حكمة اخرى اكثر فعالية وجدوى ألا وهى حكمة القانون والقاعدة العلمية .

ففى عرف الاوساط المستنيرة باضواء المعرفة الحق تراقب صحة الرضيع وتساس اتجاهات نموه بمعايير يقينية علمية : فلا قبالة الا للمختصات والمختصين فى علم التوليد وفنه ، ولا استرشاد ولا انتصاح الا برأى الاطباء فى تشخيص الادواء والتنبوء بوسائل برئها ، ولامسير لتغذية الرضع ورعايتهم الا هذه الحقائق التى تتوج كلا من ميدانى الطب والبداغوجيا - اما العجائز بتوصياتهن وتدابيرهن ومثلهن اصحاب التجارب من شيوخ محنكين واساطين مستشارين فكل اولئك وهؤلاء يصبحون هزاة المجالس وعقولهم وفكرهم بعد ان كانت مدعاة لاجلالهم وتعظيمهم تتصير علة للاستخفاف بهم وسببا فى الازدراء بهم من قبل اوساطهم العائلية والاجتماعية.

فالام بهاتيك البيئات المتمدنية تمتد يدها قبيل الولادة او بعيدها الى كتب الحضانة والتغذية لتتعرف الى معايير النمو وشرائطه الصحية الجسمية والنفسية على السواء فهى تحرص لا على التزود بالقماط واللفائف فقط بل ايضا بالقواعد الصحية والتربوية التى ستفتقر للاهتداء بها فى رعاية وتنشئة طفلها المنتظر.

فمثل هذه الكتب الموضوعة للامهات المتعلمات انما هى تمثل فى واقع الامر مذكرات مختصرة لمختلف الزوايا وعديد الجوانب التى يتأتى منها الاشراف على صحة الطفل ونموه . ففى الاوساط المتخلفة لا تتراقب الناحية الصحية الجسمية للرضيع الا بتلك النظرة التقليدية او المرتجلة ، فى حين نجد الام المثقفة فى راقى الامم ومتطورها لا تكتفى فى الحكم على المستوى الصحى او الحالة الصحية لطفلها بذلك الارتجال البدائى او بتلك النظرة الجزئية بل نظرا لتكوينها ولمطالعاتها تصبح وجهتها فى التقدير شاملة لاعتبارات ومناحى تقديرية شتى مثل : الوزن والطول ، التغذية والنوم ، الافراز والحرارة وما الى ذلك من جوانب الحياة الجسمية والنفسية .

ونحن بازاء هذا النضج الى اى المستويات ننتسب ؟ اننا على الرغم من توفر الحالات التى تكون فيها الام التونسية مسايرة لروح العصر الا ان حالات التاخر والتدهور هى من الكثرة بما يبعث المرء على الاشفاق . ففى كثير من الانحاء ببلادنا ما تزال بعض المعتقدات الخرافية مسيطرة على اذهان كثير من الاباء والامهات وبالخصوص حيال مشاكل التغذية والرعاية . فمثلا منذ ان يولد المرء تتلقاه الاساطير الوهمية بالتعاليق والاوصاف : فلقد يعلق على صراخ الوليد الجديد بانه رد فعل للاذاية التى يلحقها به الشيطان كضريبة اولى ، بينما تكون الصرخة الاولى مفسرة فى اوساط اخرى على انها لا تعدو ان تكون عملية فسيولوجية بها يتم طرد الهواء المتسلل لرئتى الوليد الجديد لاول مرة : فبعد ان بارح الجنين بيئة الحامض الامنيونى فانه سيلاقى بيئة اخرى يكتنفه فيها الهواء ، وبدخول الهواء الى رئتى الوليد يحدث اول شهيق يعقبه الزفير الاول بخروج الهواء وطرده بقوة مولولة فى شكل صراخ.

والغريب فى الامر ان بكاء الرضيع يفسر دائما على انه مظهر من مظاهر التالم والتوجع فى حين ان البكاء ليس هو دائما كذلك ففى الشهور الاربعة الاولى من حياة الانسان قد يكون الصراخ والبكاء براء من كل ما ذكر بل عبارة عن نشاط فسيولوجى طبيعى به تنشط الاحبال الصوتية وتتقوى.

وفى الاحاديث والحوار العائلى للاسر الراقية كثيرا ما تعاتب الزوجة

الام بعلها ولعلها تؤاخذه على ان لم يترك لها مزاجا ملائما يساعدها على امداد طفلها الرضيع بما هو فى حاجة اليه من عطف وحب

فمثل هذه الام لاشك انها استنارت وتبصرت بما لم تتيقظ اليه المراة الجاهلة من ان غذاء الرضيع ليس هو اللبن فقط بل اللبن والحب معا . وببلادنا ففى مألوف مواقف الاميات من الامهات التونسيات ان لا يعار لوجدان الرضيع اى وزن وحتى ان كان ذلك منهن فعن غير استبصار ووعى . فلقد يصادفك ان تحضر شجارا صاخبا بين زوجين متدابرين تكون فيه الام المرضع ممسكة بابنها وثديها فى فمه تحاول باصابع يديها لا امداده باللبن وحسب بل ومعه الاضطراب والضيق والقلق.

ولقد تعجب هذه الام التى تقصر حاجة طفلها على الغذاء المادى فتتساءل كيف كان رضيعها مشاكسا او مؤذيا فى عضه حلمة الثدى ؟! ويحق لها التساءل ان هى لم تدرك ان الرضيع فى مرحلة من مراحل نموه يجد متعته فى العض ، وان هى لم تدرك ان مشاعر الحنق على الزوج او الجارة او حتى الخادم ابان مباشرتها رضاعة ابنها قد تتسلل مع لبانها اليه حتى تعرو نفسه بالتالى فيلوى عليها مشاكسا ومتبرما فهو والحالة هذه كما لو كان يريد ان تتناوله الام بكل ما اعتادت ان تلاقيه به من مشاعر العطف والمحبة والا فلا قبول لها عنده ان كانت منشغلة عنه بمحاورة الجارة التى تقرض لها زوجها قرضا حسنا او سيئا . . .

ثم المشكلة تصبح من الخطورة بمكان لما يقارب الرضيع الفطام ، اذ نظرا لما توصى به دساتير الصحة والتربية المعاصرة من ان الفطام ينبغى التمهيد له بحيث تتبع له طريقة تدريجية ينتقل بها الرضيع من مرحلة الثدى الطبيعى او الصناعى الى مرحلة الملعقة دونما اى شعور بهذا التغيير الذى ان تم فجأة كانت له اسواء العواقب وانكاها ، فمثل هذا الاعتبار لم تصل لتدركه او تتعقله كثيرات من الامهات التونسيات ولهذا يكون فطام الطفل حاصلا باثر قرار عائلى يتم بين الوالد والام فى احدى الامسيات او الاسحار . . .

ثم هذا الفطام الفجائى على الرغم من خطورته التى ذكرنا كيف يتم ؟ انه يتم بابشع واخطر الطرق فى كثير من اوساطنا . تاخذ الام بعلقمه فم رضيعها بما تضعه فوق حملة ثديها من مادة تعرف بيننا " بالمر والصبر " وهكذا بينا هو متجه الى صدر امه كمألوف عادته لاخذ قوته ولسد خصاصته بما يفتقر له وجدانه من مشاعر الامن والطمانينة اذا هو يصيب الغدر وممن ؟ ممن ارتبطت

به خبرات الرضى والامن . . هى امه سنده الوجدانى ينال على يديها الدرس الاول فى غدر الانسان بالانسان . فهو يلقى تكث العهد ممن لايتوقع على يديه نكث العهد ومن هذه الخبرة لاغرو ان كانت شخصية مثل هذا الرضيع شخصية حوازية كثيرة الشك والوسواس فى المستقبل ، فى القريب والبعيد ، فى الرئيس والمرؤوس . . فى كل احد طالما وله فى ماضى خبراته ما يبرر له توقع الغدر والاثباط لا ممن يتوقع منه ذلك بل ممن يستبعد منه صدور اى اذى.

فالفطام الفجائى مثله كمثل التوقف المباغت للسيارة التى تسير بسرعة فائقة ونتائج هذا كنتائج ذاك . ففى غمرة هذا الاطمئنان لشخص الام . . . وفى هذا الاتجاه الوجدانى الشديد تكون صدمة الفطام ذات آثار وخيمة على حياة الطفل الجسمية والنفسة نظرا لفجائية الحدث من جههة ولتأتيه بالصورة المزعجة ومن شخص الام من اخرى زد الى هذا كله ما يكون عليه الرضيع من حساسية مرهفة بالغة . بعض الامهات اللائى يضطرهن الحمل الموالى الى فطام الطفل والى ابدال الحملة الطبيعية بالحملة الصناعية يغفلن او يجهلن المقوم الوجدانى فى تغذية الرضع . فبدلا من ان يرفقن التغذية الصناعية بمناغاة الفطيم ومده فى ذلك بالدفء اللازم والضرورى يجنحن الى التحرر النسبى ويقدمن الى الوليد زجاجة مليئة باللبن ثم يتجهن الى قضاء بعض المئارب الهامة او التافهة . مثل هذا الرضيع الذى اعتاد تلقى الحب عند تلقيه الغذاء المادى سوف يشعر بالقحط ولعله يعرب عنه برفض الزجاجة فى كثير من الاحيان مالم تحضر لديه امه بان تمكث بجواره ابان الرضاعة - هذه حال اخرى لها عظيم الخطورة فى نظر اساطين الصحة العقلية المعاصرين فقد وقفت البحوث التتبعية على ما مؤاده ان الضحل الوجدانى الذى  يعانيه كثير من المجرمين والجناح وحتى مضطربى الشخصية مسبب عن فقدان السند الوجدانى فى سن مبكرة وايدت هذه النظرة احصائيات عديدة اجراها عدد غير قليل من الباحثين لهذا الموضوع كان معظمها يزكى الاعتقاد فى اهمية وجدان الام باعتباره مصدر اسعاد واشقاء لكل من الافراد والجماعات . ولقد اكدت هذه الاحصاءات التى وفق اليها العلامة " برت " وانا فرويد " نظرية تحليلية نفسية تفسر الاجرام والاضطراب النفسيى فى بعض حالاته على انه مسبب عن الضحل الوجدانى الذى يفتقد معه المرء القدرة على العطاء الوجدانى على معنى ان فاقد الشئ لا يعطيه.

تصويب خطاء

جاء فى الجزء الثالث من هذا البحث من لم يستطيع القيام . . والصواب : من لم يستطع القيام بواجبات الابوة . . .

وجاء فاننا مؤمنين اشد الايمان بان التعادلية الوجدانية , وصوابه فاننا مؤمنون . . . .

اشترك في نشرتنا البريدية