"فى مثل هذا الوقت من سنة ١٣٥٧ هـ كنت زرت دار شركة التوفير والاقتصاد فأعجبت بنشاطها واكبرت الجهود الجبارة المبذولة من ابناء البلاد في النهوض بالصناعة على يديها . وقد كتبت فى مجلة المنهل يومئذ مقالا بعنوان "أهمية الصناعة" بمناسبة تلك الزيارة واليوم بعد مضي ثلاث سنوات، اكتب هذا المقال، واملى ان اكتب بعد ثلاث سنوات أخر مقالا بعنوان "تفوق الصناعة" ليكون ذلك المقال الأول ، مقدمة جميلة للمقالين : الحالي والتالي"
حينما قال لى ذلكم الرجل ذو المركز الممتاز والثقافة الواسعة : "ان التطور والتقدم مستمران في هذه المملكة الفتية من جميع الوجوه والنواحي ويشعر به كل متأمل" (١) حينما قل لى ذلك الرجل هذا القول لم يكن عابثا فى قوله ، ولا مبالغا في رأيه وانما نطق بالحق الملموس ، فان معين التطور يتدفق تباعا فى هذه البلاد من سائر النواحي. ومن تلكم النواحي التى لمسها التطور الحديث ونفخ فيها روح التقدم ، ناحية الصناعة ، فقد اخذت طريقها الى التجدد بعد الركود الذي استولى عليها قبل هذا العهد ومن مبادئ هذا التجدد تلك الجهود الموفقة التى قامت بها بادئ بدء شركة التوفير والاقتصاد وشركة الصادرات وشركة السيارات العربية ، ولم تقف خطوات الصناعة الحديثة عند
هذا الحد وحده فقد تجاوزته حتى تناولت الطباعة ، وصناعة الحديد الميكانيكية متمثلا ذلك التقدم فى هذا الباب في معمل شركة . السيارات العربية ، وفي المصنع الحكومي بمكة ، وفي شعبة الصنائع بمدرسة العلوم الشرعية وفي داري الايتام بمكة والمدينة . واتسع ميدان التقدم الصناعي نسبيا حتى تناول اليوم بعض ضروريات الحياة الاقتصادية وبعض كمالياتها . وقد كان لذوي المقالات التى درج الكاتبون على نشرها فى الصحافة الوطنية اثر خفي في احداث هذه اليقظة وهذا الاتجاه . ومن الحق ان نقول هنا اننا لا نقل ذكاءا ولا قابلية عن العالم الخارجي الزاخر بالمنتجات الصناعية الباهرة وكل ما يفوقوننا فيه الآن هو العناية المنظمة والدعاوة المتقنة، والاتجاه الصدق المستمر. وقد كانت هذه البلاد فى عصورها الذهبية مزدانة بمعامل شتى، منها ما يصنع الورق ومنها ما يصنع المنسوجات، ومنها ما يصنع الزجاج، ومنها ما يصنع الخزف البراق الجميل والقاشانى الرائع البديع. ولقد تسنى لى فى رحلة قمت بها اخيرا مع بعض الرفاق الى مر الظهران (وادى فاطمة) ان اشاهد معدن النورة في النوارية بوادي صرف، فأعجبت بهذا المكتشف الوطني المجهول الذي دل الناس فى هذه البلاد على هذا الكنز النفيس، واختفي غير تارك معالم اسمه ولا ما يدل على نبوغه وعبقريته ، فهو كالجندى المجهول يفتح البلاد ويدفنه ابناء البلاد غير عارفين باسمه . وهذه الآثار الصناعية النائمة والاطلال الصناعية الهامدة تدفعنا من وراء آكام القرون الغابرة الى القيام بعمل جدى منظم فى سبيل احياء معالمها الصناعية الباهرة . وباب التجارب وباب الدراسة مفتوحان على مصراعيهما لكل من يرغب فى المضى إلى الأمام وترانى قدمت التجارب هنا على العلم ، واني لقاصد ذلك ومتعمد له ، فان الصناعة قديما وحديثا انما ترتكز على التجارب الدقيقة قبل العلم فهذا أديسون مخترع المصباح الكهربائي وغيره لم يتلق من العلوم إلا ابتدائيها ، وكل اختراعاته انما استنبطها من المران الفني الدقيق فى معامل الصناعة المختلفة .
وبعد فلقد دعاني الى طرق هذا الموضوع حديث طريف ، جرى بيني وبين بعض الافاضل المثقفين فى امسية يوم من ايام شهر صفر الماضي حثنى فيه على الكتابة فى هذا الشأن تنبيها للأذهان ، واشادة لهذا البنيان ، وقال لى المحدث الفاضل فيما قال :
- ان في بلادنا اليوم نهضة صناعية حديثة ، وان كانت مجهولة في كثير من النواحي ، خذ امثلة على ذلك: فهذه الحقائب السفرية بانواعها تصنع في بلادنا ، وكذلك محافظ الجيب بالوانها ، وجلود المراضع (المصاصات) ورياش المنازل (الموبليات) وقد صنع بعض المواطنين هنا مطاط اقلام التحبير ، وهذه حذاقة فنية تذكر فتشكر ، وحذق بعضهم صناعة تحضير النشادر المضاد لوجع الرأس ومن المستحضرات الصناعية الوطنية الحديثة بطاريات الكشافات اليدوية وها هو نموذج من صنع المواطنين فى هذا الباب . وهناك من يصنع الوزلين الجيد ، وهناك صابون الباحمدين وهذا دهان الصقر الثمين ، ولا تنس أزارير الثياب المصنوعة من عظم الجمال الوطنية ، وازارير الباغة والخشب ، والمنسوجات الوطنية التى لا تقل جودة ومتانة عن زميلاتها فى الخارج ، ومرواد الكحل وامشاط الخشب والجوارب والطنافس والحنابل ، ثم ان الحبر الوطني لاقلام التحبير قد صنع فى هذه البلاد ، وكذلك زجاج المصابيح القوية النور (اللوكسات) ومما يصنع عندنا بصفة فنية جذابة ، هذه المناضد، وقد اشتهرت بصنع اجملها وأدقها، مدرسة العلوم الشرعية بالمدينة . وتصنع هنا ، هاوونات الصفر وتصنع فى الأحساء العبي الجميلة ، وجميع القطع الحديدية والصفرية اللازمة للبيوت فى أعمال النجارة ، يعملها ابناء الوطن بكيفية جيدة . وقد وفق بعض المواطنين الى صنع (محول) لجهازات الراديو التى تشتغل بالبطاريات الناشفة ، ثم هذا معمل مدرسة تحضير البعثات يمرن طلابها على تحويل المعادن وتركيب المستحضرات الصناعية المختلفة ، مما يذكرنا بمعمل الرازي ومعمل الورق الذي
انشأه فى القرن الرابع الهجرى يوسف بن عمر فى هذا البلد الأمين. وتوجد هنا وفى داخل البلاد مصنوعات كثيرة غير ما حدثتك عنه ينقصنا العلم بها لعدم النشر عنها فى الصحافة .
اصغيت لكلام محدثي باذن واعية وقلب مستمع ، واكبرت ان يكون كل هذا النتاج من نتاج المواطنين ، وأيقنت أن استعدادهم في باب التقدم الصناعي هو عظيم ، وقلت له :
- حقا ما تقول ياصاحبي . اننا نحمد الله على هذا التقدم . وحقا ما تقول ياصديقي فان اساليب الدعاوة الحديثة تنقص اولئك المنتجين ، فهم يصنعون ما يصنعون ويتقدمون به الى زوايا الحوانيت آملين له الرواج بمجرد تجهيزه وعرضه فى الاسواق ولو فطنوا لما فطن له الناس فى الخارج من اهمية الدعاوة بالنشر في الصحافة لاقبلوا عليها اقبالا رائعا ، فان ألسنة الدعاية اليوم تتمثل فى الصحافة ، فهي ترجمان الشعوب الجذاب ، وصوت الأمة المدوى ، وكشاف مشاريعها الوضاء ، فالدعاوة من هذا الطريق الحديث هي الباب الذي يلج منه ارباب الاعمال الاقتصادية الى قلوب زبائنهم المجهولين من أقرب طريق . ثم ان هناك امرا ذا أهمية جدية فى هذا السبيل ، هو التضحية الماديه والمعنوية قبل التصدى لاجتناء الأرباح الطائلة ، وان إلمامة بسيطة منا لتراجم حيوات ذوى الثروات الطائلة فى العالم تجعلنا نفهم بحق انهم لم يبلغوا ذلك المكان القصى إلا بعد التضحيات الهائلة وتذليل جم الصعاب قبل تسنم ذرى النجاح التى احتلوها اخيرا وقل مثل ذلك فى المخترعين والمكتشفين والصانعين المشتهرين، انهم عانوا الأمرين قبل إنجاح مايزاولونه من مشاريع واعمال ، ولم يقتطفوا مطلقا أزهار آمالهم الفواحة الا بعد ان تعرضوا مرارا للأخفاق المبين والصدمات العنيفة . وفي هذا كله دراسة عملية وارشاد قوى لمن يبتغي ان يرتقي قمم النجاح ، وقديما قيل : "من صبر ظفر" ولو انهزم اولئك الابطال فى مستهل اصطدامهم بجم العقبات
والعراقيل واحجموا عن الاقدام وتنكبوا طريق الثبات. لحرموا أنفسهم من اجتناء ثمار النجاح ، ولحرموا معهم أمتهم من نيل ثمار التقدم فى المجال الحيوى الذي ارتادوه .
واذن فعلى كل من يزاول من المواطنين اي عمل صناعي او اقتصادي حديث ان يظل مستمسكا بعرى الثبات والاستمرار جاعلا نصب عينيه التفاؤل الحسن مهما ادلهمت امامه الظلمات وافتقد بدر الأماني في حياة العمل المنهك ، كما ان عليهم - مع هذا ايضا- ان يتذرعوا بوسائل الدعاوة الطيبة عن مشروعاتهم من طريق النشر في الصحافة ، فان الدعاوة من هذا الطريق فى هذا العصر تعتبر جوهر النجاح ، وعنصر الرواج والاقبال.
