أحكموا قيدى ،
وشدوني إلى عمق المقابر
واربطوا عيني بالآهات بالاحزان ،
بالبلوى ، باطراف الستائر
وامطروني وابلا من حقدكم
من ناركم
واذا أردتم فاجعلوا جلدى
كتابا
واجعلوا الاقلام
اعقاب السجائر
وضعوا على جرحى الرماد
وكل ذرات الصلاد
وخيطوا
فمى المسجى بالردى
واذا انتهيتم احفروا اسمى
على جسدى
وقولوا كان ثائر
يا مارقون
وان يطل ليل الأسى
فالفجر قادم
ان تحكموا قيدى
وإن فقأتم عيونى
لن أهون
فمن ضلوعى ألف صارم
نحن الذين على الأسى
يخضر يابسهم
وتنتشر الحمائم
* الصديقة : سميرة الكسراوى . الكاف - تونس
ننشر نتاجها الطيب شكلا ، ومضمونا على اعتباره لوحة فنية اقرب ما تكون الى الشعر ، وانها لواقعية فضلى الا تدعى الاخت سميرة انه ( شعر)
كمن يعتمد نظرية التجاوز ليسمح لنفسه بالخلط بين ما هو شعر وما هو نثر والفاصل بين هذا وذاك قد لا يكون الا ( فاصلا موسيقا ) صامتا ولكنه مصلفج . ولقد اختارت الكاتبة لنتاجها عنوانا شاعريا : ( انتحار الفجيعة فى زمن الصمت )
قابع أنا فى هذا المكان منذ زمن لا محدود .. منذ وقبل وبعد أن توقفت عقارب الساعة الجامدة المعلقة وراء ظهري .. منذ أن تعطلت حركة الليل والنهار والايام .. قابع جامد راكن فى هذا المكان الضيق الرطب .. لا حركة ولا صوت ولا ضوء ولا حرارة ولا شخير ولا زفير ولا صفير ولا صياح ولا صراخ ولا هواء ولا أنفاس ولا حفيف ولا دبيب ولا جرى ولا سباق ولا خطوات بطيئة ولا حياة .. كل شىء فى هذا المكان جامد راككن ساكن صامت قابع أنا .. جالس واقف متربع مستلق على قفاى راقد وعضلاتي مسترخية استرخاء تاما وجسدى هامد لا حراك فيه ولا انفعال ولا توتر .. تحسست وجهى دون ان ألمسه بأصابعي ولما لم أجده أدركت بأنني أضعت وجهى خارج دائرة المكان وحدود الزمن الميت .. خارج الموت وداخله ، خارج رحم أمي وخارج بطن وطني المبقور وخارج الحياة وخارج الكفن والنعش .. تحسست كل الاشياء دون ان يتحرك جسدى المسترخى فى لذة الركون ولم تكن لكل الاشياء المحيطة بي وجوه وأدركت بان لبنان فقد وجهه وادركت بأن كل الاشياء فى هذه الدائرة تعيش بلا وجه أو ربما هى ميتة بلا وجه وكنت لا أدرك الاشياء ببصرى بل بحاسة سادسة سابعة ثامنة خفية لان عيني ليست مفتوحة وليست مغمضة ولاننى لا ابصر كل شىء بالرغم من أنني أرى كل شىء ولاننى أصبحت منذ زمن لا محدود بدون نظارات طبية سميكة وبدون رؤية واضحة بسبب كل الغشاوات العصرية المعروضة في الاسواق العامة .
الصمت طويل لذيذ .. والركون لذيذ والسكوت لذيذ وعقارب الساعة جامدتان لذيذتان شهيتان مرتميتان فوق ساحة صفحة بيضاء منبسطة كسهول الاطمئنان والانتظار والقناعة .. سهل أبيض بلا أرقام بلا ألغاز بلا امس بلا غد بلا حدود بين الدقائق والساعات والاعوام والقرون .. الصمت اللذيذ مستنقع ماء عفن متسخ راكد كبحيرات الهزيمة وأسماكها التى انتحرت بمادة الملح والد . د . ت . وعلامات الرضا والكبت والاختناق والغربة والتشاؤم الاسود والهواء المسدود .. الصمت اللذيذ فى القبر وراء جنازة بلدى المطعون وفي بويضة أمي التى سقطت ميتة قبل أن تفقس .. الصمت
اللذيذ عندما أموت .. وأنا أموت قبل أن أولد وبعد أن أولد وأموت عندما اهزم الصمت وأموت عندما أرمم وجهى وأموت عندما انفخ فى الطين نطفة الخلق وروح المواجهة والتحدى فأرسم عينين كبيرتين مفتوحتين وأموت عندما أحتضر وأموت بعد الموت وقبله .
عندما تكون جميعا عقارب جامدة فى دائرة الصمت يكون دبيب النمل فى آذاننا ضجيجا وجلبة .. ويكون المشى العادى دكا عنيفا يصم السمع ويفجع انتباه الراقدين فى قبر الهدوء .. ويكون التنفس الطبيعى اعصارا وريحا هوجاء وعاصفة رملية ويكون اشعال قشة صغيرة حرائق نارية وموجة حرارة مستعرة . عندما نكون متلبسين بأكفان الصمت ورتابة اللا حركة وروتينية الموت والجماد تفاجئنا الحياة وتزلزلنا الاحداث البسيطة وتأخذ الحركة العادية أبعادا هائلة وحجما عملاقا عملاقا !!
الصمت يطول كبتا نوما جمودا .. ثم يتمطط طولا وعرضا .. ثم يتطاول انفجارا .. فتنتحر لبنان فى أهداب الفجيعة والصمت الكاذب .

