الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

تقرير، او، قصة الشاعر

Share

شعر : بودلير

بمناسبة الذكرى المائوية لموت الشاعر الفرنسى بودلير أتحفنا الكاتب والشاعر المعروف الصادق مازيغ بتعريب قصيد Benediction لبودلير من مجموعة " زهور الشر " Les fleurs du mal . وقد عودنا الاستاذ الصادق مازيغ بهذا العمل الذى يتعدى فى الحقيقة مجرد " الترجمة " فيسمو إلى مجالات الخلق الحقيقي ، ويعد إثراء للأدب العربي وتطعيما له .

اذا ما بأمر من قضاء محتم                وحكمة رب نافذ الحكم قاهر

- وقد عمت الأرض الفضاء سأمة -    تجلت على الأكوان طلعة شاعر

غدت أمه ، وهي المروعة الحمى          تصب على الخلاق لعنة ثائر

تقبض جمعا فى اجتراء ونقمة              فيرثى لمرآها عليم السرائر :

" ألا ليت هذا النسل ما عاش برهة   ولا جاش فى بطنى لوحشة خاطرى ،

ويا ليتني عوضت عنه لفيفة            من الرقط يودى سمها بالمعاشر

ويا ليلة أغريت فيها بلذة              تقظت كلمح الطرف أو خفق طائر

ولكنني أعقبت منها تندما ،           وقد قر فى الأحشاء نشء المناكر

" دعيت الى هذا الشقاء وحيدة     وقد أعفيت منه بنات العشائر

وطوقت وحدى بالهوان ، فعافنى     حليلى ، وقد أودى بهم مساور

وهل لى ان ألقى برجسى طعمة      الى حضن نار عارم اللفح غامر

كما احرقت أيدى المحبين رقعة       بها رسم عهد للصبابة غابر

" لذلك ها إنى مدى الدهر أنطوى       على عزمة للثأر اذكت مشاعرى

وأصرف همى كي تنال قوارعى          أداة لتعسى ساقها ظلم قاهر

سأرهص أغصانا لغرس مبغض          الى وأصليه جحيم العناصر

فلا عرقه يمتد فى كنف الثرى           ولا عذقه يهفو بعرف الأزاهر "

وتطوى على البغضاء كشحا تأججت      به لفحات من لهيب المجامر

وقد أمعنت في الاثم جهلا ، وما درت     خبايا نعلم الله خلف الستائر

كذلك أمسى فى الصميم من اللظى       مهاد لردع الأمهات الفواجر

وفي القعر من دار الشقاوة مرتع           خصيب الآثام لهن سوافر

وتقسو على الطفل الحياة بهولها           فيوشك ان يغدو بصفقة خاسر

ولكن أسراب الملائكة خفية              رعته بطرف دائب اللحظ ساهر

فأضحى بلألاء من النور ينتشى          وينهل من سلسال أزرق هامر

وتغذوه اثمار أخلود شهية                فيمرح فى جو على الدهر نائر

يناجى نسيم الفجر وهو مرفرف ،     ويلهو مع السحب الغوادى النوافر

وبنشد للأيام انشودة الأسى           ترق حواشيها كخفق المزاهر

ويقفوه روح للطهارة والصفا ،         فيبكى لمرآه عجيب المظاهر

وقد راعه منه ابتهاج ونشوة           على الدهر لا تبلى كنشوة طائر

ومن كان يهفو نحوهم فى تودد           تحاموه فى جهل بطرف محاذر

ودونهم من أولعوا بجراءة                عليه لظهر فى سجاياه قاهر

وأغرتهم منه الوداعة والحيا              فمالو إلى إلقانه فى المغاور

تباهوا بايذاء له ، وتفننوا               بقسوتهم فى قذفه بالمناكر

ودسوا له الأقذاء والسم ناقعا       بكأس الحميا غيلة فى المقاصر

وما انفك منهم نافث فى انائه ،     يسيغ له طعم الحتوف الهواصر

وان جس شيئا عده بعضهم أذى   ورجسا بوح من رياء مخامر

ويأنف ان يقفو خطاه ويحتذى      محجته فى أنهج ومعابر

ومالت الى الساحات تصرخ زوجه      وتصدح فى حشد من القوم زاخر :

" ألا إنه المغرى بحسني وبهجتى          وكم خر تقديسا لها دون زاجر

لذلك قصدى أنافس دمية              تعبدها الماضي في دهر داهر

فأعني بتجديد وصقل لحلة              من الذهب الابريز غشت خواصرى

* *

" وأبرد غلى من شذى وروائح            وعطر وريحان وعرف المباخر

وأمعن فى اللحم الشهى وفي الطلا         وفي كل عيش ريق الطعم فاخر

وفي كل ما تسدى الى عصابة              توافت لاجلالى وسرد مفاخرى

فاعلم هل إني الحرية أن ترى              سمية ربات الخلود العباقر

" وإنى اذا ما انتابني سام الخنى            واضجرنى ما عشته من مناكر

ولم تبق فى نفسى الى اللهو صبوة ،       وأعرضت عن لون من العيش داعر

عمدت اليه فى حنان وقسوة ،           وجرعته الآلام من كف جائز

وغاديته صيدا يلذ فريسة                وأنشبت منه فى الصميم أظافرى

" سأصدع منه الصدر فى غير رحمة            وأنزعه قلبا رقيق المشاعر

يفور نجيعا قانيا فى اختلاجه ،                 كما اهتز خفاق الحشا فرخ طائر

والقيه فورا للثرى دون رأفة                    تطالعه منى ابتسامة فاجر

ولست ابالى أن غدا أكل داجن              ولعت به ، أم بات مثوى لحافر "

* *

وبينا يسام الشاعر العسف خطة          اذا الروح تسمو منه فى سمت صابر

فيبسط كفيه الى الله ضارعا ،              ويرنو الى عرش سنى المفاخر

وقد عمه اللألاء من كل جانب ،         وحلق فى جو من الأنس غامر

يواريه تحض الصفو عن مشهد الورى ،   ويذهله عن داميات المجازر

" الا بوركت يمناك ربا وقدست      أياديك صنعا فى قديم وحاضر

فأنت الذى سوغتنا جرع الأسى     وهول الرزايا لابتلاء السرائر

فطهرت أرجاسا علقن بأنفس       وأهلت أفذاذا لخير المصائر

فلولا الأسى ما كان يعذب منهل ، ولا فاز أبرار بحلو البشائر

" يقينا لقد اسديت، يا رب، في الدنى      الى الشاعر الموهوب أسمى الخواطر

وأصفيته بالقرب منك مع الألى             تحلوا بأمجاد النهى والضمائر

وأسكنته دار الخلود منعما                 برفقة من خصوا بطهر المآزر

فأمسى مقيما فى الذرى متبوئا             مع الملا الأعلى سنى المنابر

*

" وأعلم حقا ان ما حز من أسى        بصدرى فأهمى داميات محاجرى

هو الشرف الأسنى الذي لن تطوله     لظي أو يناوى بالسيوف البواتر

يتوجنى إكليل عز وسؤدد              تقدس فى حسن له عن مناظر

تجمع فيه كل فن والفت              روائعه من كل ماض وحاضر

" ولو ان ما ضمته ( تدمر ) من حلى      وأبلته فى مر العصور الغوابر

وما فاق من أصناف تبر وعسجد          ومن لؤلؤ آوته لجة زاخر

ينضد فى عقد فريد مرصع                 كاروع ما يبدو لمقلة ناظر

لما كان الا دون تاجي بهجة                ولا بزه مجدا نقى المآثر

" وما ذاك الا انه صيغ من سني           نقى ومحض من ضياء العناصر

وفجر من قدس القداسة موطنا            فأسفر عن نبع من الحسن هامر

ومهما تجلى من ضياء بأعين              ستذوى وتبل فى الرسوم الدوائر

فان هو إلا شبه مرآة بهجة               تسامت وجلت عن سمى مناظر "

- ماى 1967 -

اشترك في نشرتنا البريدية