الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

تكهل

Share

فتح حامد خزانة الملابس فأحدث بابها صريرا أبح كصوت عظام نخرة ؛ أيقظها معول من سباتها ، وبقى ينظر ، ينتقى بدلة عطلته الاسبوعية ... ثم نظر إلى المرآة ، فبان له هيكله ... فقد عراه شئ كالانتفاخ أو التميع ، فأغمض عينيه لحظة ثم مال إلى ثيابه يرتديها ...

لقد كان فيما مضى يترقب يوم عطلته الاسبوعية بشوق كبير حتى إذا حل يوم السبت تاهب لا ستقبال ليلته الاسبوعية ، ليلة الصخب والاحتدام ... أما الآن فإن هذه العطلة لم تعد تثيره أو تستثير فيه ومضات الا نتظار المرتعشة ، اللذيذة ...

والتفت ، بعد حين ، إلى زوجته ... ؛ إنها مع أطفالها الثلاثة تساعدهم على ارتداء أثوابهم ليقضوا ليلتهم عند جدتهم ... كانت الام منحنية على إبنتها ترتب لها ملابسها ... يبدو وجهها أكثر آستدارة . عليه شئ من الترهل ... أما البنية فقد كانت فى آنشراح الطفولة ، جذلى كالراقصة إلى نفسها فى خلوة آنفتاح وحبور ... فهمس في سره : (( الاطفال يحبون الشيوخ كحبنا للصغار ، للشباب ، ككراهيتنا للكبر ، للشيخوخة . )) وجاءته زوجته بعد حين تحدثه عن نوادر سلوى . إبنتهما ، فكان ينظر إليها كالذاهب في سورة أخذ أحلام أسطورية ، ثم آبتسم مجاملة ... ثم ساق السيارة ... نزل الاطفال بعد حين متصايحين نحو بيت الجدة ...

بقى هو فى السيارة إلى أن جاءت زوجته فجلست بجواره وقد تكشف جانب من فخذيها ... فوضع راحتيه على مقود السيارة وراح

يحرك أصابع يديه بدون وعي . يصطخب فيه سأم كبير ... قال لها بعد حين :     - أين نقضي هذا اليوم ، الجو صاف ودافيء .     قالت له :    - في الخلاء ، في الغابة ، بعيدا عن البناء .

وفيما كانا على ذلك طالعتهما فتاة فى السابعة عشرة من عمرها جميلة ، جميلة ... كانت تسر ، كالطيف يخطو في الفضاء ، حالمة لا تطرف ... وأحس بزوجته تتبعها ، بعينيها ترمقها ، فمال إليها برأسه حتى تلاقت أعينهما . كانت عيناه فى إتجاه آفقي فوق عيني نادية ، زوجته : عيناها لوزيتا الشكل تنتهيان بعقفبتين سوداوين ، آرتخاء على الجفنين ... شعر ناصيتها يلامس الحاجبين في فوضى وغزارة ...

ونزلت عينا نادية إلى رقبة زوجها المائلة : الحنجرة ناتئة على التواءات الجلد من آثر الميلان ، شريان غليظ ينبض ، إنتفاخاته متوازية ، رؤوس تجاعيد متفاوتة العمق يخفيها جانب من رقبة القميص ، خط آرتفاع الكتف الايمن أعلى من الايسر ...      قالت له بعد حين فى دعابة متكلفة :      - أراك تشيخ ، وجسمك إلى الانطواء يدنو . فقال :

- قد نستغني عن الجسد وننقطع إلى الحس ، إلى الاستبطان ... ولما لم تجبه أردف قائلا : - آنظري إلى البقرة كيف أنها تتحسس حشيشها بأنفها رغم أن لها عينا كبيرة ! فابتسمت نادية فى شيء من الاقرار ، فأضاف : - هل تساءلت يوما لم خلق للديك لسان ؟ هل يتطعم به الحبة قبل أن يزدردها ، فإن كانت وظيفته غير التذوق فلماذا كان في شكل اللسان وكان الفم موطنه ؟

وسرحت نظرها أمامها ... وسارت بهما السيارة ... قالت له : - ما ترى لو نبدل سيارتنا هذه بأخرى أنيقة ؟ وطال سكوته حتى ثقل على نادية ... وانفتحت أمامهما حقول الزيتون خضراء ... قالت له :

- لقد مرت علينا ايام سود تبعث الغم والحزن في النفس ، وها هو الخريف يمنحنا يوما ربيعيا دافئا ... وانطلق صوته فى همهمة لحن شجي ، فقالت مداعبة :

- هلا تستيقظ فيك مشاعرك متقدة حتى وإن كانت لك تلك الفتاة ؟ فقال : - أية فتاة ؟ - تلك التي مرت بنا منذ حين . - قد يكون ذلك كانتفاضة الميت قبل أن يموت . - تشبيه بشع . - قد يكون ذلك . - بل لان رائحة المرأة لصنف من الانوف لا لكل أنف . - قد يستصعق المرء أنفه ليستنزل فيه الحس .

وترجلا في أرض أريضة شجراء ... ، أشجار الرمان والبرتقال والزيتون فى عرسها ترمي بحملها إلى الشمس فى سخاء دفق . وامتد البساط في أرجلهما ناعما رخيا ... ، وترنحا تحت شجرة زيتون استدار جذعها في آنتفاخ عظمة ... وأمرت نادية يدها على الجذع : أجلاف نخرة تنفرج عن قشرة ذات خطوط سوداء كالتراب المحروق ، هي مرتع نملات سائرة ... ، ورفعت رأسها فرآت آثار قطع لغصون كبيرة ، تبدو مستديرة ، متشققة ، جافة في صلابة ، تحوط بها

نواتئ قميئة متكورة ، لذؤاباتها خضرة باهتة تخالطها سمرة زاهية ... قال لها : - لقد بترت هذه الشجرة بترا . آنظري .

فقالت : - آرى ، على رأسها ، أغصانا وليدة . تتفرع في تقوسها ريانة ، ندية . خضراء .

- تلك نتيجة البتر . وستلد هذه العجوز الصامتة زيتونا منعشا رغم إفراط شيخوختها .

- لانها لا تحمل في بطنها وإنما في أصابعها ولا ترضع بثديها وإنما بقشرتها .

- بل لان أمها ، الارض ، متولدة وليدة ، متجددة جديدة ، مخصب خصيبة .

- مسكينة أمى ، لقد أقحط حجرها وجف بطنها بدون عمر ... ! انظر إلى هذه العجوز المتهالكة . كيف أنها تلد أفنانا وثمارا !

- لانها ذات وحدة أو لان وحدتها الذاتية كامنة فيها ليست في حاجة إلى لقاح أو تزوج ليكون خلقها ، إنها تفجر بدون أن تفجر . - بدون لذة أو حنين أو صبوة تمزق . - ............. ورنا بعيدا : (( ألا بد من الخرق والتمزق لتكون اللذة ويكون الحنين! )) . وجاءهما شيخ ، صاحب الحقل ... قال مفتخرا :

- لقد رعيتها شجرة شجرة حتى كانت إلى ما تريانها عليه من جمال . فابتسم له حامد ثم قال له :

لكأنك لم تفعل شيئا . فرفع الشيخ إليه عينا كالشوك حادة . فأردف حامد : - لانك لم تلد شيئا ولكنك ربيت ربيبا . تأفف الشيخ في آستغراب ثم هردب إلى مستقره من شجرة صافية ظلالها . فبقيا يرمقانه ... ثم قالت نادية :

- انظر ، حبيبي ، إلى البلى . يعيش الانسان على الامل شابا وعلى الحلم عجززا ...

كان الشيخ يبتعد وقد برز انحناؤه واتئاد خطوه ، فكان رأسه كأنه إلى رياح متكاسله ، مائلا ، ثقيلا بياضه . وواصلا طريقهما ... قالت له بعد صمت :

- (( لقد نزل بحينا ، منذ أسبوع ماسح أحذية ، قصير القامة ، بدينا ، غليظ الاصابع ... كان يجلس أمام العمارة التى تقابل بيتنا يترقب حرفاءه ... وكان يحلو لى أن أرقبه من نافذتي ، فيبدو لي كالنائم يقبع على كرسيه القصير بلا حركة كاليائس فى خموله ... ، والطريق أمامه في حركتها لا يهزه ما عليها من تلون فى مشاهدها . وله قط أهوم ، أفطس ، أسود ... يجلس القط فى حضن صاحبه فيلاطفه فى صمت . وقد رأيت هذا القط ينام بجوار هذا الرجل على أعجب هيئة : كان يضم قوائمه إلى صدره ويميل بأعلى راسه حتى تبرز كل قسمات وجهه ، وينام على هذه الصورة فإذا ما تاملته وجدته يشبه كثيرا صاحبه . ويبقى الرجل إلى صمته حتى ينزل عنده حريف . وقد تراءت لى منذ حين صورته فقلت : كيف تكون المرأة لهذا الصنف من الرجال ؟ ثم رأيته إلى غادة حسناء فى اصطراع سكون وخشونة ، فى حمم لواعج فوارة خرساء تحتدم وهاجة ، تعذبه إلى الالتواء... ، ثم يكون الانحناء فالافراغ ... مسكينة تلك الغادة ، إنها نقف على الاوج بلا آرتواء أو هي في هدهدة ارتواء ناقر ، راعش ، بعده بعيد ، وعمقه عميق ..

وترقبت نادية تعليق زوجها على حديثها ولكنه يتكلم ،

فانطلق صوتها فى لحن شجى ... ورأيا حدأة سوداء ، تحلق بعيدا فى الفضاء ، فى تأن حتى لتكاد تقف ... وأخذا يتبعانها ... وتصعدت ، فجأة ، إلى خياله صورة زوجته وهى فى ميعة العمر ، تمرق أمامه طيفا رائعا ، في غلالة بيضاء . ثم آستبان له هيكلها واضحا ، فكان ممتلئا فى رشاقة وجاذبية فتنة ، تخطر أمامه فى طغيان أنوثة صخابة ... ، ثم آنطفأت هذه الصورة لتبرز صاحبته فى غلالتها البيضاء ذابلة تذبل ... تغيض نضارتها شيئا فشيئا إلى أن نتأت العظام واستقامت ثغرات جسدها فى قبح ، قبيحة ، قبيحة ... فحول عينيه فإذا بهالة حولها في لون غسق صاف تتهيل في استدارات ، في رقص موقع ذي بتر واهتزاز يمر عليها فيركبها تراكبا منسقا ، بديعا .

... وانتهيا في تجوالهما إلى بئر مهجورة ... كانت البئر ساكنة ... وكانت جوانبها متجوفة ، متبرلة تبدو هشة ، متفتتة ، تشعر بوحشة البيت المتروك الذي تقادم عهده وفني أهله ... وأطلا إلى قعرها ... كانت احديدابات حيطانها داكنة فى لون الرماد المحروق يشتد سوادها ويعمق كلما آمتد معها النظر ... والتفتت نادية إلى صاحبها فبان لها وجهه الناظر إلى الماء بيضوي الشكل ، ساكنا ، مهيبا ... والتفت هو إليها ، فإذا شعرها المترامي إلى المهوى يستر محياها ولا يبرز منه إلا ظله ...

... ورمت نادية حصاة ، فتناهى إليهما صوت كالسقط الاجوف عريض قراره ... وتلاقت عيناهما ، فابتسما ...

...واربد الجو في جهة الشمال ، ثم كركر الرعد كر كرته الموحشة ، فقالت لحامد :

- إني أحس بغم يثقل علي ، ثقيل ... وعادا أدراجهما ووبل المطر يلاحقهما . فالتجآ إلى السيارة . كانت خيوط المياه تنزل سريعة لتتكسر على زجاج السيارة في تنطع ،

فأسندت نادية رأسها إلى ظهر المقعد تنظر إلى السماء ... فقال حامد : - إن الخريف لا لون له .

... كانت السماء غبراء تتراكب عليها سحب زرقاء ، داكنة ، كعمق بحر مترجرج ... ، وكان الجو كالحيرة ... كالحيرة المحتضرة ، يغفو أسود فى تململ قاتم ... وكان رش المطر كالاجهاض ، سريعا ، ناقرا يلف الارض لفا محموما فينبت وحلها ، فيضمها كاللعاب ثقيلا ، فإذا بسطحها كلحم نتن متقرح ... ، وإذا بوجهها كأنثى تشهت فتفجرت فيها نداءاتها معصرة ، فاستلقت للفجور ذائبة رغبة إلى الاغماء ، فى تفطر إلى الموت ، فى تفسخ إلى الهوع ...، فعراها قبح الهوس والاغراق ...

قالت له نادية : - إن الارض وحمى ، ولا أطرف من امرأة راغبة فى رعونة ، حرون ؛ شهوتها لا تحد ورغبتها بلا نهاية ، وكراهيتها كالموت بدون صوت ، وصدودها كالرعدة تتصعد بدون آنثناء ...

ثم أضافت بعد حين : - ألا ترى الخريف بعلا فحلا ، جلابا للأنثى لا يقاوم رغم رداءة أحواله وبشاعة طفوره ؟

قال بعد صمت : - عجبا للخلق لا يكون إلا من البشاعة ! ثم أضاف بعد حين : - انظرى إلى بعث الجذور فى صلب الارض ، إنه تفزير وتفكك فتقطع ، ففناء في الخلق . أكذا آلتئام الخلق في الارحام ؟ ثم أردف :

- وألعوبة الجمال ؟ قالت نادية مبتسمة : - الجمال نبت دافق دفاق كرعشة بين الوطاة إذا حطت رفعت ، إنه ...

وأغمض لها حامد عينيها . ثم مال يضمها مغمض العينين ، فقالت له : - أتذكر ؟ قال بين شفتيها : - خريف تلك السنة ، أذكره كما أذكر حلما حزنى هزته ثم انطفأ .

قالت : - إن حضوره في أخذ يتضاءل حتى ... فقاطعها : - ككل شئ في الخلق ينطلق حارا وينتهي إلى القر . - ألا يمكن لنا أن ننهى النهاية فنغيض في دفء وليد يستعر دوما ولا يتثنى ؟ فالتصق بها فى لثم ... فابتسما على غرار السعداء ...

قضى حامد هدأة من الليل فى بيته ثم غادره إلى شوارع المدينة بدون غاية مرسومة ... ، وامتدت الشوارع أمامه بأضوائها المختلفة ألوانها ... ومرت به إمرأة تدخن فى تحد وعجب ، فرماها بعين ثم عرج على حانة وطلب شرابا . وقضى وقتا فى المقصف في لهو ومرح ، ولما أخذ طريق العودة إلى البيت أحس بتجهم فانثنى إلى قلب المدينة يطوف فى شوارعها شارد الذهن مهموما ... ، وتوقف امام ناد ليلى : كان الباب منفرجا قليلا ، يبدو داخله فارغا ، تشع منه عتمة وروائح دافئة ... روائح ليست بالطيبة ولا بالكريهة وإنما

تشعرك بتطعم لذيذ تستطيبه ثم سرعان ما تكون إليه أنيسا . فتندمج في عبقه ... ودخل إلى البهو فتناهت إليه موسيقى كالهتافات المتنافرة ، المتقابلة ، المتصادمة ... ، وكان النور داخل النادى منطمسا ، أشهب فى انطفاء لا يبرز من الحاضرين إلا خطوط هياكلهم العامة . وكان حامد إلى كأسه رفيقا ، حميما ... رفع نظره إلى اقصى القاعة فإذا بحلبة الراقصين في حركتها الدائبة . وقد لاحظ أن رواد هذا النادى كهول صلاب ؛ أما النساء ، هنا ، فهن أنيقات ، يعرضن أجسامهمن بكياسة ، فى غبش ليل لرجال فى سورة انتشاء . واقتربت منه إحداهن ، فدعاها ، فمد إليها لفافة تبغ فمدت إليه ثغرا باردا ، طريا ، كخفق جناح مبتل أو كدمعة أسالتها نسيمات سحر بارد . قالت له :

- هلا نرقص ؟ وانضما إلى الراقصين ، فالتصقت به ونامت على كتفه . كانت تصل إلى أنفه ، من حين لآخر ، هبات عطر قوى . قالت له : - أترغب في النوم مع نساء مثلى . قال : - ما تعنين بنساء مثلك ؟ - أعني نساء الليل . - كيف لا يرغب في بنات الليل والصخب ، بنات الليلة الواحدة ؟ وصمتا إلى إيقاع الموسيقى ... قال لها وهما يعودان إلى المقصف : - أنت مقرورة . ألم تفعل فيك الكحول مفعولها ؟ فرفعت إليه عينا فاحصة ، فطلب لها كأسا ، فأفرغته ، ثم كانت لها كؤوس ، وكان له معها حديث ...

دخل منزله ففتح شرفته وأسند يديه على حافتها يدخن . كان السكون شديدا ، وكانت البناءات تتوضح معالمها شيئا فشيئا ، فرفع رأسه إلى السماء فإذا هي صافية تزرق قليلا ، قليلا ... وأحس برأسه

يثقل ... وباغته صوت جرس ساعة طويلا ، مديدا ، ملحا ينطلق من العمارة المقابلة ... ثم انبجس نور من إحدى النوافذ وانتهى اليه صوت محرك شاحنة نقل يطفر فى شرود ، فلوى رأسه إلى داخل الغرفة : زوجته تنام .

وأحس بوقع أقدام على الطريق ، بطيئة . إنه رجل بدين خرج يسعى . فبقي حامد يتبعه ، فما إن خطا الرجل خطوات حتى سعل بصوت أجش ، مغطوط ثم تقل بصاقا ذا فقاقيع ... أمر عليه الرجل رجل ثم تابع سيره ...

انزلق حامد فى فراشه وتدانى من زوجته ، فتمطت ثم عادت إلى هدوئها ، إلى نومها .

... وعادت إليه صورة صاحبته فى النادى الليلى ، تنبض حيرى ، تعب كأسها وليلها في جنون ، فإذا هي كعرائس الاحلام شهية تلتهم الزمن فى دفء وصعق ، ودوار فعل ... ، وعفو خاطر ثم رآها إلى بؤسها تنام في لوعة ولوع وهزة توق ...

وسطع النور فى النافذة أبيض ، فضيا . فهمس : " إنه فجر آخر ..." ورانت فيه ليلته كلمسة شعور خافقة فاغمض عينيه هامسا : " لتبقى لقطا لقيطة . " . وهدده استرخاء فنام ...

اشترك في نشرتنا البريدية