الاشخاص
عماد : ممثل اول شاب لطفى : } ممثلان كهلان صبحى : الشيطان : الهاتف :
الزمان والمكان
صباح يوم من ايام الشتاء الباردة مكان بعيد خال موحش قرب سكة حديدية يمر عليها قطار فى اول المسرحية وآخر فى آخرها
الفصل الاول
لطفى وصبحى وعماد يسيرون والسكة الحديدية لطفى - ايها الاخوان ايها الصديقان انا لنحيا حياة الشظف والخصاصة . . حن منذ ثلاثة ايام نقتات خبزا عفيرا
صبحى - ونحن بلا عمل منذ اسبوعين وليس لدينا فلس واحد عماد - وما تصنعون بالحرية ايها الصديقان . . . الا تدريان ان الحرية خير من المال مهما كثر . . .
لطفى - لكن ايها الغر العزيز كيف يكون صنيعك اذا ما عضك الجوع ووهنت رجلاك غير قادرتين على تحمل ثقل جسمك وامتقع لون وجهك وغارت عيناك وانت فى عنفوان الشباب
عماد - ان شرخ الشباب ليجعلنى اقتنع من العيش بالماء الصافى والهواء النقى والحب العذرى . . .
نطقى - نقتنع بهذا فى القيام بادوار غيرنا من الناس على خشبة المسرح لا فى اداء ادوارنا الحقيقية فى الحياة يا عماد . .
عماد - ( مقاطعا وضاحكا ) لكن ايها الاخوان ما قولكما فى مال وفير ينفجر من بطن الارض او ينزل من السماء
( ينظر الى السماء . . ) ايتها السماء امطرينا ذهبا وفضة ومرجانا وماسا . . .
( يعترضه شىء صلب فيعثر فيسقط على الارض فيصيح ) لعنة الله على الخيال والوهم والطمع . . لقد كادت رجلى تنكسر . . لعنة عليك ايها الحجر الملعون ( ويلتفت الى خلف فيرى جرابا ) والله انك لست حجرا . . انما انت جراب ايها الصديقان ايها الاخوان اسرعا الى . . انه جراب . . انه جراب محشو . . يا لطفى . . يا صبحى . . اسرعا . . ادركانى
( يلتفت لطفى وصبحى وقد تقدما قليلا فى السير عند ما سقط عماد فيريان الجراب فى يد عماد فيصيحان )
لطفى - صبحى الله . . . . الله . . . ( ويرجعان الى عماد مسرعين ويأخذ لطفى الجراب من يد عماد ويفتحه ) لطفى - ( فى اعجاب ) هذه مائة ورقة من ذوات الخمسة دنانير . . . وهذه تسعة رقاع من القرض الوطنى الثالث وهذه خمسة اسهم من اسهم الشركة القومية للنفط وهذا صك ذو اربعمائة دينار . . لنجلس ايها الصديقان فان رجلى لم تعودا قادرتين على حملى لشدة ما اصابنى من الفرح . .
( يجلسون جميعا )
عماد - انها لثروة ايها الرفيقان . . انها لثروة فكم سيكون نصيب كل واحد منا
لطفى - ( بعد تفكير ) بالتدقيق لا ندرى لاننا نجهل قيمة رقاع القرض الوطني الثالث كما اننا لا نعرف مقدار السهم من اسهم الشركة القومية للنفط لكن الاوراق النقدية والصك تمنح كل واحد منا ثلاثمائة دينار . . .
عماد - انها لثروة واى ثروة . . .
لطفى - نعم انها لثروة ايها الصديقان . . انها لثروة يستهان فى سبيلها الموت
صبحى - والله ان اغتباطى لكما ايها الصديقان لاشد من اغتباطى لنفسى فمنذ الآن لن تموتا جوعا ولن تمشيا حافيين . . وانى لمغتبط للفن خاصة . . .
لطفى - منذ الآن سيقرأ لنا حساب . . منذ الآن سنكون من الاغنياء فكر يا لطفى . . ان اضفنا قيمة الاسهم والرقاع على اقل تقدير سيكون لكل واحد منا الف دينار على الاقل . . .
صبحى - نبذت منذ اليوم بدلتى فانا راجع حالا الى العاصمة لاجدد عند افخر خياط خزانة ثيابى . . انا لست بقروى . . . ولن اسلك ابدا سلوك القرويين . . انى ساسلك سلوك الظرفاء المتأنقين فارتدى افخر البدلات واجملها وساشترى طربوشا احمر قانيا . . .
لطفى - وانا سارتدى بدلة الفرسان واحمل السوط والخيزرانة واقول لاصحاب المسارح عند ما يدعوننى للتمثيل : انى لا ارضى ان اشخص امام الجمهور باقل من الف دينار . . .
عماد - ( مقاطعا ) ان حديثكما هذا لا يمنع من ضر ولا يسمن من جوع . . . يجب علينا احتفالا بهذا الحدث السعيد ان نشرب خمرا وناكل اكلة لذيذة فنحن منذ ثلاثة ما اكلنا سوى الخبز العفير . . . ولنا الآن ان ناكل ما نريد ونشتهى . . . اليس كذلك ايها الاخوان
لطفى - عشت لنا يا عماد لله درك . . انا نجدك دائما عند الحاجة ملما بالواقع بالرغم عن شاعريتك . . فكيف نكون محرومين من لذيذ الماكل والمشرب ولدينا واسع الثروة وامامنا عريض المجد . . يا عزيزى عماد ان احدثنا سنا واخفنا روحا فخذ من الجراب خمسة دنانير واسرع . . اسرع واتنا بزاد يا ملاكنا فهنالك . . . هنالك ( يشير اليه باصبعه ) انظر الى تلك النقطة البيضاء البعيدة التى تبدو من وراء الاكمة . . . انها منارة لا يفصلنا عنها سوى خمسة اميال او اربعة او ستة لا اكثر . . . انظر انها دون شك قرية كبيرة ستجد فيها كل شئ . . كل شئ . . فاشتر لنا زجاجة (( عراقى )) او زجاجتين ورطلا من مصبر اللحم او رطلين وعلبا متنوعة من مصبرات السمك و . . . ما يروقك مما ستجده بالقرية من لذيذ الفواكه والاثمار ونحن منتظرانك هنا . . يا صغيرنا العزيز
( يقوم عماد فياخذ من الجراب ورقة ذات خمسة دنانير ويتهيا للرحيل ) عماد يهم ( بالسير ) ها انا سائر
لطفى - ( دامع العينين ) دعنى اعانقك يا عماد . . دعنى اقبلك . . . اقبلك ثلاث مرات ( يقبله ) . . هكذا يا ملاكى باركك الله
صبحى - وانا ايضا يا صديقى دعنى اضمك الى صدرى وانى لاقسم لك بالله العظيم انى ساحافظ على ودك ابد الدهر . . وكيف لى ان انسى ودك يا صديقنا العزيز
عماد - ان تدفق شعور كما ليحز فى قلبى ويبكينى فرحا . . لكن يخيل الى انى طائر الى السماء او مفارقكما فراقا طويلا بينما ساعود اليكما فى الواقع بعد وقت قصير . . .
لطفى - اذهب يا صديقنا العزيز اذهب يا اخانا اذهب مع بركة الله . . . وليكن الله معك الى ان تعود الينا بعد حين سالما موفورا محملا بلذيذ المأكل . اسرع اننا جائعان . . .
( يذهب عماد )
الفصل الثانى
عماد - يعود ادراجه فى نفس الطريق التى كانوا فيها يسيرون فى الفصل الاول - ويحاذيه تارة يمينا وتارة يسارا شبح الشيطان
عماد - ( يغنى ) لا لا لا رلللا . . رلللا لا لا لا رلللا . . . وكيف لا تغنى وترقص ( يرقص دورات ) يا عماد . . ما اسعد هذا الحظ يا الهى . . . انك لعلى كل شىء قدير لحظة من لحظاتك تغنى . . ولقد صادفتنا . . فلك الشكر سابقا وآنفا . . .
( يغنى ) لا لا لا رلللا . . . رلللا . . لا لا لا رلللا رللا رلللا . . يكون المرء محروما من فلس واحد ثم انا لديه دينار . . دينار لا . . بل كومة من الدنانير يا عماد ارايت كومة من الدنانير . . فقل لى ما ستفعل . . يا عماد ما ستصنع بكومة من الدنانير . . . آه يا عماد لقد باغتك الغنى عن غير موعد ولا سابق انتظار . . قبل حين كنت محروما انا ورفيقاك حتى من الخبز العفير . . . والان لك كومة من الدنانير فكيف تكون السبيل . . وكيف يكون المصير . . .
الشيطان - ( فى خبث ) لم لا ترجع الى منزلك بالعاصمة ولم لا تنشئ فرقة تكون فرقتك وتبنى مسرحا يكون مسرحك . . و . . و . . و . .
عماد كيف يكون ذلك يا رب والحقيقة ان ثلاثمائة دينار لا تمكن المرء من بناء حتى مستودع صغير حقير . .
الشيطان - صحيح ما تقول . . لكن لو كان لك كل مال الجراب . لكان الامر غير ذلك . .
( صمت ثم بعد لحظة تفكير )
عماد - نعم . . لو كان لى كل مال الجراب . . . لكان الامر على غير ما هو عليه . .
الشيطان - ولكانت لك فرقة . . . ولكان لك مسرح . . مسرح يبهر البلاد ويبهر العالم باسره . .
عماد - مسرح يبهر العالم باسره . . يا رب ايكون . . . يمكن ان يكون ذلك لى وحدى . . . لى وحدى انا عماد
الشيطان - نعم . . . ذلك ممكن . . فما قيمة لطفى وصبحى فى ميدان التمثيل . . هما كهلان بل شيخان ليس لهما اية موهبة والا لادركتهما مع طول السن الشهرة . . انهما لكلبان حاملان قبعتين . . انهما لجلفان . .
عماد - ( كانه فى حلم ) انهما لكلبان . . انهما لجلفان سيبذلان مالهما فى التفاهات والحماقات الشيطان - اما انت يا عماد ان فزت بالمال كله فستكون على صغر سنك قد رفعت راس وطنك وخلدت اسمك واحسنت الى الانسانية
عماد - ارفع رأس وطنى واخلد اسمى واحسن الى الانسانية . . . تعالبت يا رب . . ايمكن ان تكون قد قدرت كل هذا لعماد . . . لكن ما ستصنع يا عماد
الشيطان - لن تسلك فى الامر مسالك . . ضع سما فى (( العراقى )) فاذا شرب منه لطفى وصبحى قضيا فى حينهما وفزت انت بالجواب . . بكل ما فى الجراب من ثروة واسعة
عماد - لا . . لا . . انها لهمسة الشيطان . . لطفى وصبحى صديقان . . . صديقاى الوفيان . . . صديقاى . . . صديقاى الوفيان . . .
الشيطان - لكن سيكون عوضا عن هلاكهما مسرح لم يكن للبلاد بل للعالم به سابق عهد
عماد - ( فى حلم ) لم يكن للبلاد بل للعالم به سابق عهد
الشيطان - وسيكون ذلك المسرح العظيم لك . . . لك وحدك . . وسيخلد التاريخ اسمك يا عماد . . .
عماد - ( بعد تفكير ) لقد قال بعضهم واكبر الظن انه (( بسمارك )) قال ان الغاية تبرر الوسيلة وقد كان رجلا عظيما . . . والرجل العظيم يكون دائما ذا ذكاء فذ وخبرة نادرة فان قال قولا فقوله الحكمة الصائبة . .
الشيطان - ضع اذن فى (( العراقى )) سما زعافا يا عماد . . .
عماد - ( فى عزم ) سافعل ورب الكعبة
الفصل الثالث
لطفى وصبحى فى نفس المكان وهما جالسان قرب السكة الحديدية
( بقية حديث )
لطفى - ( فى حنان والدمع يترقرق فى عينيه )
ان صديقنا عماد لشاب عجيب وانى لاحبه واقدر قريحته فائق التقدير . . افهمت يا صبحى . . . ان هذا المال ان فاز به سوف يقضى عليه . . . انه سينفقه فى شرب الخمر او يرمى به فى معاملة تكون لا محالة قاصمة ظهره . انه لحديث السن جدا لا يجدر به ان يكون له قبل الاوان مال خاص . افهمت ايها الصديق لا يمكن ان يكون له ثلاثمائة دينار . . .
صبحى - ( يعانق لطفى ويقبله ) اجل والله فما يقدر هذا الصبى ان يصنع بثلاثمائة دينار . . اما نحن . . اما نحن فان امرنا لامر . . نحن ابوا عائلتين ونحن من ذوى الرصانة والعقل . . ودينار واحد له فى نظرنا قيمة عظيمة . .
( ثم بعد توقف ) اما علمت يا رفيقى القديم . . . يا صديقى الودود . . اما . . . لكن لنكف عن الحديث ولنعدل عن العاطفة ولنعزم فى الحال من غير تردد على قتله فيكون لكلينا نصف مال الجراب . . . نقتله ونقول عند رجوعنا الى العاصمة انه زلت قدمه فانحدر على السكة فمر عليه القطار .
لطفى - ( مذعورا ) كيف . . ماذا تقول . . انصنع هذا الصنيع الشنيع . . انجرم هذه الجريمة النكراء بينما عماد لم نعهد منه قط سوى اللطف والصدق . . . والاخلاص
صبحى - انا ايضا احبه حبا عظيما . . لكن لنقصد مصلحة الفن قبل كل شئ وعلى كل فهو ركيك . . احمق حمقه لا يساوى الا حمق الحاجز العائق فى الطريق
لطفى - ( فى هدوء وتراجع ) الا ان عماد ان صدقنا القول يا عزيزى انه فظ غليظ صاحب دسائس ونمائم وحيل . . . ولو قتلناه لكان هو نفسه شاكرا لنا صنيعنا ايها الصديق العزيز القديم
صبحي - لنقتله اذن من دون تردد ولن نندم على ذلك ابدا لما نكون قد قمنا به فى سبيل الفن والوطن
تطفى - وسعيا وراء عدم احزانه سننشر له فى الجرائد والمجلات رثاء مثيرا للاشفاق فنكون بذلك قد حفظنا له الود ووفينا بالوعد . . ( يسمع وقع خطى تقترب منهما )
الفصل الرابع
صبحى - صه يا لطفى انى لأسمع وقع خطى تقترب منا . . . انه والله من دون شك عماد يعود الينا محملا بالزاد قاصدا المعاد . . - نفس المنظر -
عماد ( يقترب ) يا لطفى . . يا صبحي لطفى - اهلا بك يا عماد ومرحبا
صبحى - اهلا وسهلا يا عزيزى . . . الحمد لله الذى اعادك البنا سالما قرير العين
عماد - والله ان عودتى اليكما يا صديقى الوفيين لانستنى كل ما عانيته من اتعاب المسير ومشقة البحث عن شهى الماكل ولذيذ المشرب
لطفى - ( يضمه الى صدره ويقبله وقد ترقرق الدمع فى عينيه ) انك لفتى عظيم كما كنت ممثلا عظيما وانا لنحبك حبا عظيما ونشفق عليك اشفاقا وناسف عليك اسفا
( يثبان عليه فيقتلانه
صبحى - لنحمل الآن الجثة فنضعها على السكة الحديدية فنوهم العدالة انه انحدر فمر عليه القطار
( يحملان الجثة ويضعانها على السكة ويمكثان بجانبها ) لطفى - والآن وقد انتهينا من عماد فهات الجراب
صبحى - ها هو الجراب وها هو ما فيه خذ نصيبك من الاوراق المالية والباقى سنقتسمه فيما بعد عند رجوعنا الى العاصمة ( يقتسمان الاوراق المالية )
الطفى - ( ضاحكا ) ونصيب هذه الجثة ونصيب عماد . . صبحى - نصيبه مر القطار يمزق اشلاءه
( يسمع من بعيد صوت القطار مقتربا )
لطفى - هات زجاجة ( العراقى ) ولنشرب نخب عماد قبل ان يمزق القطار اشلاءه
صبحى - ( ياخذ الزجاجة ويفتحها ويتناول جرعة ثم يناولها لطفى ) خذ يا لطفى والله لم اذق طيلة حياتى الذ من هذا (( العراقى ))
لطفى - ( بعد ان يشرب ) ما الذ (( العراقى )) وما اجمل الحياة مع المال الوفير ( يقضى عليهما فى الحال السم الزعاف الذى وضعه عماد فى (( العراقي )) ) صبحي آه . . آه . . . لطفى - آه . . آه . . .
( يسقطان جثتين هامدتين على السكة فيمر القطار على الجثث الثلاث سكون ثم يسمع نعيق غربان تحلق على الجثث وصوت هاتف )
الهاتف -
اذا تحدث ممثل عن رفيق له دامع العينين وجهر بالمحبة والاخلاص واذا اسماه ملاكه العزيز واخاه الوفى واذا ضمه الى صدره وقبله وجب عليكم الا تغتروا مسرعين
