ممارسة الزراعة ، حيثما بوشرت ، انما هى تدخل فى عمل الطبيعة تماما : مثل توليد الكهرباء من شلال نياجارا باقامة السدود فى وجه مياهه المتدفقة . وهذا التدخل فى عمل الطبيعة يتجلى بصورة ظاهرة فى صناعة الالبان حيث يقف الانسان حائلا بين البقرة وبين مستهلك لبنها - العجل الوليد ويغتصب هذا اللبن لطعامه
على انه بعمله هذا يتعرض لمشاكل لإحصر لها ، من افدحها ، تناول اللبن ونقله ) وهو السائل الذى لا ثبات له والذى لا يصلح طعاما جيدا للانسان فحسب بل هو طعام شهى للميكروبات ايضا ( الى المستهلكين من البشر ، وقد تبعد . الشقة بين انتاجه وبين المستهلك ، فتبلغ - فى وقتنا الحاضر مئات الاميال فى احوال جوية كثيرا ما تكون ملائمة لتكاثر الميكروبات وضراوتها . ولتعلم ان اللبن الطازج كله على وجه التقريب توجد فيه بكتريا خاصة - لوقل متخصصة - تسمى باسيلات حمض اللبن وهي لا تفتا دائمة على تحويل سكر اللبن الى حمض اللبن الذي يجعل اللبن حامضا ، وبذلك يفقد - فى نظر ربات البيوت - الشطر الاعظم من قيمته .
اللبن فى الدورة العادية - غير المريضة كثيرا ما يكون معقما ويندر ان يكون ملوثا بهذه الميكروبات الحمضية ) أى التى تجعل اللبن حامضا ( ، ان هذه الميكروبات تعيش خارج الدرة على جلد البقرة او الجاموسة وخاصة فى بقايا اللبن المتخلفة على الدرة وحواليها ، وفوق اوانى اللبن القذرة وعلى الايدى القذرة
وتتوقف حموضة اللبن أو عدم حموضته فى رحلته من البقرة الى المستهلك - على مدى تعرضه للتلوث من واحد أو اكثر من المصادر التى ذكرنا آنفا انها حافلة ببكتريا حمض اللبن ، ومن حسن الحظ ان هذه البكتريا تدأب على جعل اللبن حامضا ، ذلك لان اللبن الذى يصبح حامضا بعد قليل من حلبه من بقرة سليمة معافاة ، ليس طعاما خطرا ، مثل اللحم أو السمك المتعفن . لكن معظم ربات البيوت يكرهن من صميم قلوبهن اللبن الحامض بفعل شتيت من البكتريا ، التى تفسد مذاقه وتطلق منه روائح كريهة علاوة على حمض اللبن وان لم تجعله ضارا فى العادة ، وفى الامكان منع الحموضة الى درجة كبيرة بحلب الماشية بالطريقة الحديثة فى عناية ، وتنظيف وتطهير أية آنية تمس اللبن ، وبالعناية التامة خلال تجهيزه وتناوله بالايدى - وهو امر لا مفر منه إذا كان اللبن يحضر لتوزيعه على السكان فى المدن .
ولم ينس بعد اصحاب الحافظة القوية من اهل البلاد الغربية آخر ايام ما كان يدعى ب " ملابن المدن " ) الملابن جمع ملبنة وهي المكان الذي يحلب فيه اللبن ويهيأ للتوزيع ( ، تلك التى كانت تقدم معظم اللبن السائل المستهلك فى كبريات المدن ، وكيف ان احوالها الصحية كانت سيئة بصورة مرعبة ، لان العلم بالطرق الصحية التى يجب اتباعها فى انتاج اللبن وتناوله كان محدودا بحيث لم يكن فى الوسع توزيع لبن المدينة طازجا الا بحلبه من البقرة واعطائه مباشرة للمستهلك ، ولم يكن اهل المدن يستيسغون اللبن الحامض . ولكن الارجح انه لم يقلق بالهم جهلهم بان حموضة اللبن انما هي من المنغصات الهينة اذا قورنت بما يهدد الصحة من جراء شربهم هم واطفالهم اللبن القذر غير المستساغ المحلوب احيانا من ابقار مريضة حتى ولو لم يحمض . واني لاذكر كيف شربت وانا صبى لبنا طازجا بقى مدة طويلة فى زجاجة وكان قد حلب مباشرة من " ملبنة " وفى قعرها قطعة من الوحل . ولا شك انه تعزى الى اللبن المأخوذ من هذه الموارد بعض امراض الاطفال على الاقل ، كما لا شك ان بعض الامراض الاشد خطرا المعروف انها تنتقل باللبن الملوث قد حطمت وشوهت وقتلت
كثيرا من الاطفال فى ذلك الحين . وفى الحق ان الطبيب الذى كان يوصى باحتساء الاطفال مثل هذا اللبن الطازج انما كان يعبث بارواحهم
وانه لمن حسن الحظ ان طرق واحوال انتاج اللبن وتناوله قد اعتراها تغيير كبير . وقد قيل فى الايام الاخيرة : انه ينبغى ان لا تكون هناك صعوبة فى امداد المنازل بلبن سائل يظل على حاله صالحا للشرب - بعيدا عن الثلاجات - اربعا وعشرين ساعة على الاقل فى أى موسم من السنة . وفى بعض الدول يحتفظ الكثير من اللبن المحلوب من ماشية نظيفة قد اجرى عليها اختبار التيوبركيولين ومعظم اللبن المبسطر ، يحتفظ هذا وذاك بحالته الطبعية دون تغيير يطرأ عليه . ذلك بأن هذا المستوى يستلزم اتباع الموزعين طرقا سليمة حقا فى تناول اللبن بالايدى .
ما الفارق - إذن - بين اللبن القذر السريع الحموضة الخطر في احيان كثيرة ، ذلك الذي عرفه الناس من اجيال قليلة والذى للاسف لم ينقرض تماما حتى اليوم ، وبين هذا اللبن السائغ المغذي المسنعصى على الحموضة السائد اليوم فى كبريات الملابن فى معظم مدننا ؟ ان هذا الفارق يرجع ، كما المعنا آنفا ، الى :
اولا - منع البكتريا من تلويث اللبن الطازج وحفظه باردا قدر الامكان . ثانيا بسطرة اللبن او تسخينه لازالة الحموضة ) ولما كانت الابقار لا تظهر عليها اعراض بعض الامراض فان هذا التسخين يهلك الميكروبات التى تسبب الامراض والتي يحتمل ان تكون قد تسربت اليه
ثالثا صيانة اللبن بعد تسخينه بوضعه فى زجاجات نظيفة محكمة السداد أو علب معقمة وتوزيعه على المستهلكين باردا .
واخيرا توخي المستهلك وضعه فى اوان نظيفة وحفظه باردا .
وعلى ذلك يبدأ تناول اللبن تناولا صحيا فى الزريبة ، ولا ينتهى الا حين يشربه المستهلك . ومن البداية الى النهاية ، يجب الجمع بين المعرفة واسلتهام الضمير الحي . فأما فى الزريبة فيجب معرفة الوسائل المؤدية الى الاقلال من تلوث اللبن الى الحد الادنى عن طريق الماشية والحلابين وآلة الحلب ) أو الايدى التى تتولى الحلب (
وبالاوانى وأما فى عملية البسطرة فبجب معرفة كيفية ادارة الآلات المستعملة وشروط التسخين ومدته ، للتأكد من اهلاك جميع الجراثيم التى قد تكون موجودة فيه . كذلك توخي الحيطة المتناهية لضمان وصول الحرارة الى جميع ذرات اللبن ، وبعبارة اخرى ان كل من له دخل فى تناول اللبن من الزريبة حتى يصل للمستهلك يجب ان يدرب على العمل المنوط به . وكل بائع لبن - سواء كان منتجأ صغيرا للبن الطازج من ماشية اجرى عليها اختبار التيوبركولين ) وهى الماشية الوحيدة التي يسمح باستعمال لبنها طازجا ( أو اصحاب مزرعة كبيرة لانتاج اللبن - يكون جاهلا بعمله ، أو عالما به لكنه لا يؤديه على الوجه الصحيح ، اذا اختزنت زجاجة او علبة من الكرتون محكمة السد فى حرارة اقل من ١٥ درجة بمقياس سنتيغراد ثم صار ما فيها من اللبن حامضا بعد مضي ٢٤ ساعة ، على انه اذا زادت حرارة الجو عن ١٦ درجة صارت هذه المهمة اصعب ، وفى البلاد الحارة يجب اتخاذ احتياطات اضافية او اتباع طرق مختلفة مثل تعقيم اللبن او تجفيفه .
وقد ادي البحث خلال الثلاثين سنة الاخيرة الى معرفة الاحتياطات التى ينبغى اتباعها فى أى بلد من البلاد ، لتزويد المستهلك بلبن نظيف مامون يستطيع الاحتفاظ بمزاياه الطبعية . . ومن الحقائق الاساسية : ان تناول اللبن بطريقة صحية ليس اكثر ولا اقل من تطبيق المعرفة الحالية فى امانة وذمة واخلاص

