الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "المنهل"

تنظيم النسل في أفغانستان

Share

لا شك أن توفير وسائل المعيشة من الغذاء الصحى ومكافحة الامراض وعلاجها جعل نسبة المواليد أزيد من نسبة الوفيات فى اكثر بلدان العالم . واصبحت كثرة النفوس مشكلة لدى بعض الدول من حيث قلة الغذاء وفرصة العمل لجميع الافراد .

فأوصى بعض الاختصاصيين الاقتصاديين بتحديد النسل والحيلولة دون تكاثر أفراد الاسرة كعلاج للمشكلة فى المستقبل ، ولكن هذا العلاج لا يحل المشكلة نهائيا لان الثروات الارضية تستنفد بالتدريج بحيث لا تكفى يوما ما ، الموجودين من سكان الارض فتبقى المشكلة كما هي ، وان وضع حد لتزايد الافراد البشرية بشكله الطبيعى . ولذلك يجب البحث عن طرق جديدة تكفل المعيشة للجميع ، ففي الوقت الحاضر مثلا هناك دول تحتاج للقوى البشرية وتستقبل المهاجرين مثل استراليا ، وكندا ، في حين يطبق تحديد النسل في دول مثل الهند .

ولو اعتبرنا الافراد البشرية كأفراد أسرة واحدة لما احتجنا فى العصر الحاضر الى تطبيق تحديد النسل ، لان الدول التى لديها خبرة الانتاج وسرعة العمل مع قلة أرضها وكثرة نفوسها أكثر غناءا بالنسبة

خاص بالمنهل

للدول التى أرضها أوسع وأفرادها اقل . وهذا يدل على أن القوى البشرية هى العاملة فى الانتاج وخلق العمل .

ان تحديد النسل موضوع يجب دراسته لا من الناحية الاقتصادية فحسب بل من الناحية الخلقية والدينية والاجتماعية ايضا .

اننى أترك الناحية الاقتصادية لهذا الموضوع لخبراء علم الاقتصاد وأتطرق بحثه من الناحية الدينية ولا سيما فى أفغانستان .

لا شك ان استعمال وسائل منع الحمل مثل العزل أو الغلاف أو تناول الحب كل ذلك له أثره في تطور علاقة المرأة بالرجل . . فاستعمال الغلاف الذي قد يخترق احيانا . وكذلك استخدام طريقة العزل لا يمنع حدوث الحمل مائة في المائة . اما في صورة تناول الحب كل يوم ، اذا تيقنت المرأة انها لا تحبل من اتصالها بالرجل فان ذلك يؤدي الى تشجيعها على الاتصال الجنسي بالطرق غير الشرعية وغير القانونية . ولذلك فان الدول التى تعطى الحب للسيدات تطلب شهادة من زوجها ايضا . ولذلك منعت الكنيسة الكاثوليكية في الفاتيكان استعمال الحب ولما كان نظر الكنيسة لا يبتنى على أسس دينية ثابتة اجازته اخيرا .

وقد شكلت في الآونة الاخيرة جمعية مقرها في لندن لدراسة مختلف نواحى تحسين النسل من الناحية الخلقية والدينية وأثرها على المجتمع .

ان نظر الاسلام واضح في هذا الخصوص كما هو واضح وثابت في جميع الامور . فيما أبينه فيما بعد بشأن تحديد النسل فى نظر القوانين الافغانية ما هو الا نظر

الشريعة الاسلامية التى تطبق كاملة فى أفغانستان .

تنظيم النسل في نظر قوانين افغانستان

تقع افغانستان فى وسط آسيا تحد من الشمال بروسيا ، ومن الغرب بايران ، ومن الشرق والجنوب بمناطق بشتونستان الحرة الواقعة بين افغانستان وباكستان . ويبلغ عدد سكانها اربعة عشر مليون نسمة كلهم مسلمون . الا انه يوجد فى افغانستان عدد ضئيل من الهنود وعدة أسر من اليهود . ويبلغ طولها من الشرق الى الغرب ألف كيلومتر ، ويبلغ عرضها من الشمال الى الجنوب ثمانمائة كيلومتر . وبسبب بعض الانحناءات تبلغ مساحتها سبعمائة الف كيلومتر مربع .

ولأن الاغلبية الساحقة من سكان أفغانستان هم من أهل السنة والجماعة يتبعون المذهب الحنفى .

تقول المادة الثانية من الدستور الافغانى الصادر فى عام ١٩٦٤ : ) ان دين افغانستان هو دين الاسلام المقدس وتجرى الشعائر الدينية وفقا للمذهب الحنفى) .

وتقول المادة الثامنة من الدستور : ( ان الملك على افغانستان يجب أن يكون مسلما وتابعا للمذهب الحنفى) . لقد وضعت القوانين فى افغانسستان وفقا للمذهب الحنفى فيعمل بتلك القوانين فاذا لم يوجد حكم أمر فى القانون يرجع القاضى الى المذهب الحنفى .

وتقول المادة الثانية بعد المائة : ( انه اذا لم يوجد حكم موضوع في القانون المدون يجب على المحاكم ان ترجع الى أسس المذهب الحنفي بغية اصدار حكم عادل ) .

وتقول المادة العشرون من قانون الاجراءات القانونية للمحاكم العدلية : ( ان القاضي إذا اصدر حكمه خلافا للمذهب الحنفى أو وفقا لقول مرجوح ينقض حكمه في المحكمة العليا) .

كل ذلك يدل على أهمية اتباع المذهب الحنفى . واذا لم يوجد في حكم القانون فيتبع بشأنه اسس الشريعة الاسلامية العامة ولا سيما المذهب الحنفى .

يطبق تحديد النسل خوفا من كثرة النفوس وبالتالى خوفا من الفقر والجوع . في حين نفهم من الآيات القرآنية ان الله تعالى هو الرازق كما يقول تعالى ) ولا تقتلوا اولادكم خشية املاق نحن نرزقهم واياكم  )  ) ١ ) أى لا تقتلوا اولادكم من الفقر لان الله تعالى يرزق أولادكم واياكم . ويقول الله تعالى فى آية أخرى : ( وكأين من دابة لا تحمل رزقها ، الله يرزقها واياكم وهو السميع العليم  ) (  ٢ (

وكذلك هناك احاديث كثيرة تحث الناس على الزواج وتكثير النسل كقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( تزوجوا الودود الولود فانى مكاثر بكم الامم ) ( ٣ )  ومعنى الولود التى تلد كثيرا من الاولاد ، ويعرف ذلك من خصال نساء الاسرة . وقال صلى الله عليه وسلم في حديث آخر :

تناكحوا تناسلوا تكثروا فاني مكاثر بكم الامم يوم القيامة ) ( ٤  )

فكل هذه النصوص يخالف مفهومها منع انجاب الاولاد كليا والحد من تكثر النسل .

الا ان هناك قاعدة عامة في الاسلام وهى أن : الضرورات تبيح المحظورات  ( ٥  ) فاذا كان الوالدان فى حالة لا يستطيعان القيام بتربية أولادهما ، فينشأ الولد نحيفا ، مريضا أو منحرفا بغير عمل يكون الاولاد عبئا على المجتمع وشرا فقد يكون من الحكمة العدول عن انجاب مثلهم . اذربما يكون الاولاد عدو اوفتنة للوالدين لاخيرا لهما ، كما قال الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا ان من ازواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم (٦  ) ( انما أموالكم وأولادكم فتنة) . . " ان الله يحب المؤمن القوى أكثر من الضعيف " كما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " المؤمن القوي خير وأحب الى الله من المؤمن الضعيف " .

وإذا كان احد الوالدين أو كلاهما مصابين بمرض معد يسرى الى أولادهما فقد يكون من الحكمة أيضا العدول حينئذ عن انجاب الاولاد المرضى لصالح المجتمع ، وكذلك اذا كانا عاجزين عن كسب نفقة أولادهما . فالقيام بتربية الاولاد حينئذ قد يكون فيه حرج على الوالدين قال تعالى . ما جعل عليكم في الدين من حرج .

وقد جاء فى القرآن الكريم ان الانبياء عليهم السلام طلبوا من الله تعالى اولادا صالحين وذرية طيبة فنرى زكريا عليه السلام يطلب من الله تعالى أن يهبه ذرية صالحة : ) رب هب لى من لدنك ذرية طيبة انك سميع الدعاء ( آل عمران الآية ٣٨

وهذا يرشدنا إلى ان الخلف نعمة اذا كانوا صالحين نافعين لانفسهم والمجتمع .

الا انه يجب ان نوضح المراحل والحالات التى يجوز فيها تنظيم الاسرة أو العدول عن انجاب الاولاد وهى - في رأيي - كما يلى :

١ - تحديد النسل :

يعنى تحديد النسل انجاب عدد معين  من الاولاد ، وطريق ذلك هو تعقيم المرأة أو الرجل بعد انجاب العدد المطلوب . والتعقيم الدائم لا يجوز لان الوالدين يعجزان عن انجاب الاولاد إذا فقد الاولاد الموجودون ، وأراد الزوجان أولادا آخرين فيندمان على عملهما .

فالقانون الذي يصرح بانجاب عدد معين من الاولاد للزوجين بغية الوقوف عند عدد معين من الاولاد أمر يصعب تطبيقه ، لأن كثيرا من الزوجين لا ينجبان الاولاد فبذلك يقل عدد سكان البلد الذى يريد ان يكون لديه عدد معين من النفوس . والتعقيم من الابتداء دون انجاب اى عدد من الاولاد حرام أيضا اذا لم تكن هناك ضرورة خاصة ملجئة لذلك لان فيه قضاءا على الجنس البشرى ، وهذا ما يخالف حكمة الله من خلق الانسان وجعله خليفة على الارض .

٢ - الاجهاض

اخراج الجنبن من الرحم أو اسقاطه بأية وسيلة حرام ، يعتبر قتلا في نظر الشريعة تجب فيه الغرة " خمسمائة درهم ، إذا كان قد أصبح حيا فى الرحم وقدروا مدة ذلك باربعة أشهر . الا ان الامام مالكا رحمه الله قال : " كل ما طرحته الرحم من مضغة أو علقة مما يعلم ففيه الغرة ، وقال الشافعي رضي الله

عنه " لا شئ فيه حتى تستبين فيه الخلقة " ) ٧ (  .

قال الامام القرطبي : ) ٨ ( ان النطفة ليست بشئ يقينا ولا يتعلق بها حكم اذا القتها المرأة قبل أن تستقر في الرحم فهي كما لو كانت فى صلب الرجل .

وفي فتاوى قاضيخان : ) ٩ ( إذا اسقطت المرأة الولد بعلاج أو شربت دواء يتعمد به اسقاط الولد وجبت الغرة ، وان شربت دواءا ولم يتعمد اسقاط الولد فسقط الولد فلا شئ عليها .

وقال الامام الغزالى فى هذا الشأن : ( أول مراتب الوجود ان تقع النطفة فى الرحم وتختلط بماء المرأة وتستعد لقبول الحياة . وافساد ذلك جناية( .

وقد اجمع علماء الاسلام على حرمة الاجهاض واستثنى الفقهاء حالة واحدة واجازوا ذلك وهى حالة هلاك الام لو لم يخرج الجنين من الرحم .

٣ - تنظيم الاسرة :

الهدف من تنظيم الاسرة هو الحيلولة دون حدوث الحمل في وقت ، أو فى حالة غير مناسبة للزوجين وانجاب الاولاد فى وقت مناسب لهما . مثلا تكون المرأة مريضة تقوم بممارسة عمل يمنع احبالها لفترة معينة من الوقت ، وذلك جائز - فى نظري - نظرا لمصلحة الزوجين أو مصلحة أحدهما . وطريق تطبيق ذلك هو العزل ، أو استعمال

وسائل أخرى لمنع الحمل مثل تناول الحب بشرط أن لا يؤدى ذلك الى الفحشاء .

العزل طريقة قديمة كوسيلة لمنع الحمل ، وهو منع نطفة الرجل ان تلاقى نطفة المرأة وقد عزل بعض اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أيضا . وقد روى عن جابر رضى الله عنه انه قال : " كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن ينزل " وفى رواية اخرى : فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينهنا ) ١٠ (

قال الامام ابو حنيفة رضي الله عنه : ان منع الحمل جائز بشرط أن تأذن المرأة ، لحقها فى انجاب الولد .

قال صاحب الهداية : ) ولا يعزل عن زوجته الا باذنها ، لان تحصيل الولد من حقها (  وأجمع الفقهاء على جواز العزل من غير كراهة اذا دعت اليه الضرورة المعتبرة في الشرع ، وكذلك قال الفقهاء : ان اتيان الحامل والمرضع مكروه ان خشى منه ضرر للولد ، واذا غلب على الظن أو كان الضرر له يقينا فحرام ) ١١ (

وقد كره الفقهاء اتيان الحامل اذا سبب ذلك ضررا للجنين . وكرهوا العمل الجنسى بالمرضع صيانة لحق الولد الرضيع فى الرضاعة مدة حولين كاملين بالنسبة للامم التى ترضع ولدها من لبنها ولا تعطى ولدها الألبان المجففة .

وبذلك يتضح مما قلنا نص الشريعة

الاسلامية حول تحديد النسل والاجهاض وتنظيم الاسرة حيث لا تببيح الاول والثاني وتبيح الثالث أعنى تنظيم الاسرة لان هناك فرقا بين تحديد النسل وتنظيم الاسرة . فالاول هو الوقوف عند حد معين من الاولاد سواء أكان الزوجان موسرين أم معسرين بحيث لا يكون لهما الحق فى انجاب الاولاد اكثر مما يعنيه القانون .

أما في تنظيم الاسرة فليس هناك عدد معين من الاولاد لا يتجاوزه الزوجان بل ينجب الزوجان عددا من الاولاد يوافق حالتهما الصحية والاقتصادية ، فاذا دعت الضرورة لمنع حدوث الحمل كليا أو مؤقتا يجوز ذلك ، فيما أراه ، وان لم يرض بذلك احد الزوجين ، ومن الضرور فيما اراما أيضا خوف كثرة العيال وعدم قدرة الوالدين على الانفاق عليهم بحيث يصبح الوالدان سببا لظلم أولادهم بسبب ما يصيبهم من الفقر والجوع والمرض ، ولذلك قال الإمام الشافعي رضي الله عنه في تفسير آية : ) ذلك أدنى الا تعولوا (  : ذلك اقرب ان لا يكثر عيالكم ، وقد فسر الا تعولوا بكثرة العيال لان المعنى الاصلى للعول هو الميل الى الجور والظلم ) ١٢ ( وفي كثرة العيال ظلم على الاولاد .

أما في حالة اتفاق الزوجين على منع حدوث الحمل عن طريق العزل وما يشابه ذلك من وسائل منع الحمل فيجوز وان لم تكن هناك ضرورة ، الا انه فى حالة كون الزوجين قادرين على الانفاق ورعاية الاولاد بصورة صحية ، يستحسن انجاب الاولاد اتباعا للروح الاسلامى العام وهو طيب الذرية الطيبة من الله . وسنة الكون وهي الابقاء على النسل البشرى .

تحديد النسل وتنظيم الاسرة في افغانستان

لقد أشرت الى أن مساحة افغانستان تبلغ سبعمائة الف كيلومتر مربع ، ويبلغ عدد سكانها اربعة عشر مليون نسمة . وبذلك يعيش عشرون شخصا في كل كيلومتر مربع من الارض .

ان افغانستان دولة نامية لا تزال تحتفظ بثرواتها الطبيعية وفيها أراض شاسعة قابلة للرى والزراعة ، بحيث اذا نفذت المشروعات الزراعية القادمة يمكن ان تغذى افغانستان اكثر من خمسين مليون نسمة . والحالة الاقتصادية لكثير من الافراد لا بأس بها , فهنا حوالى واحد في المائة عندهم اكثر من زوجة واحدة . ونسبة تعدد الزوجات ترتفع فى الارياف بالنسبة للمدن ، لان الفلاح يحتاج لعدد اكبر من الاولاد يساعدونه فى زرع ارضه والمحافظة على مصالحه . وكل هذا دليل على ان افغانستان لا تحس بضرورة تحديد النسل فلا يجوز تحديد النسل فيها كما لا يجوز فيها الاجهاض نظرا لقانونها الاسلامى .

أما تنظيم الاسرة فيجوز - حسب ما يراه كاتب هذه السطور - نظرا لحالة بعض الزوجين الصحية او الاقتصادية ، ولذلك توجد في مدينة كابل عاصمة افغانستان ادارة تسمى بادارة توجيه الاسرة ، لها فروع في ضواحي افغانستان ، تقدم الادوية

اللازمة للزوجين اللذين يريدان التوقف عن انجاب الاولاد نظرا لضرورتهما الخاصة فى تنظيم الاسرة .

ولا اظن ان هناك من الزوجين من يقدم على التعقيم أو التوقف عن انجاب الاولاد بدون أية ضرورة ملحة ، لان الروح الاسلامية التى تقول : " ان خير شىء يتركه الشخص هو العمل الصالح والخلف الصالح " - سائدة فى افغانستان فأول شىء يريده الزوجان من وراء زواجهما هو انجاب الاولاد ، ومن يتأخر فى انجاب الاولاد بعد الزواج بسنتين أو ثلاث او أربع سنوات يلجأ إلى الظبيب لمعرفة سبب ذلك ، فاذا ثبت أن المرأة هى العقيمة فكثيرا ما يلجأ زوجها الى الزواج من امرأة أخرى ، بغية انجاب الاولاد ، واذا كان الزوج هو العقيم فيلجأ كثير من الزوجات الى التبنى لرفع عطشها الى الاولاد . فالريفي في افغانستان لا يضع حدا لانجاب عدد الاولاد ، ويترك الامر الى حالته الطبيعية اذا لم تكن لديه الضرورة . أما الحضرى الذى تأثر بفكرة تنظيم الاسرة وأثر ذلك في اقتصاد الاسرة فقد يلجأ إلى استعمال وسائل منع الحمل .

ولم يوضع حتى الآن في افغانستان قانون خاص يمنع التعقيم او يجيزه أو يحدد عدد الاولاد بل السائد فيها هو الشريعة الاسلامية .

اشترك في نشرتنا البريدية