الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "المنهل"

تنمية الروح الصناعي،

Share

كثيرهم النجوم اللوامع فى سماء التفكير الخالدة فى تاريخ حضارة الاسلام . ومحدود رواد مناهل الصناعة ، فى سجلات تلك المدنية الزاهرة . أحس بذلك الأديب العبقري الوصاف " العماد " كاتب صلاح الدين الأيوبى ومؤرخه فى القرن السادس الهجري . ففاضت براعته بعبارات الأسى المكبوت ، فى كتابه الذى أرخ به فتوح مليكة : " الفتح القيس فى الفتح القدمي " . وهذه العبارات المتلالئة الرائعة كتبها فى افتتاحية كتابه المذكور ، وكتبها فى اسلوب فلسفى تطبيقى عميق دلنا على سمو تفكيره وبعد غور نظراته الاجتماعية . والذي استكمل اسباب روعة هذه العبارات انها جاءت فى ثوب " البحث الاجتماعي المقارن " بين حالة الروم المسلمين فى ذلك العصر المضطرب الجوانب ...

قال العماد عن الروم :" والروم يومئذ ( اى يوم فتوحات الاسلام الأولى ) بغاث ما استنصر .... والحديد ماتنوعت اشكالة الرائعة . ولا نسجت ثيابه هذه

المانعه . والبروج لا تعرف الامشيدة لا مجلدة والمنجنيقات لا يتوثب ما يتدثب اليوم من خشبها المسنده . والاقران لا تتراجم بالنيران المذكاه والأسوارلا تتباطح بالكباش المشلاه . و ( الروم قد ) وقعوا التكليفات فلا ينزع الحديد لوضوء ولامسح واستشعروا لبوس البأس فلم يلبسوا وجها الامزرور الشفاه على القطرب بلا بشر ولا مرح " وقال عن المسلمين : " والناس يريدون الخروج ولكن ما اعدو له عده والعذر بكل لسان . لكل قوم مده " .

ولقد أحس بهذه الحقيقة التى يحوم حولها كل من تتبع حلقات التاريخ بنظر الفاحص المقارن العميق . ومع كل ذلك فان الحضارة الاسلامية قد اجبت عبقرة من الصناع الماهرين ، والفنيين النابغين اسدوا الى العالم ثمارهم الطيبه . ومبادئ صناعاتهم الجيدة . ولكنهم - برغم تفوقهم الباهر - لم يستطيعوا أن يهيئوا الجو الصناعي المنشود لجيلهم وللأجيال المتعاقبة من بعد ذلك الجيل .

ونحن اليوم وقد فتحنا الاعين وارهفنا الآذان ، علينا ان نوجه جهددنا لتنمية الروح الصناعي ، وبالاحرى لايجاد هذا الروح وتنميته فى حو مشع بالعطف والتشجيع الحافز المتواصل ففتح من قاموس الصناعة العالمية الزاخر ، برعا كبيرة الى حقول بلادنا ، ونسهر على تعميمها وافاضتها ، لنهتصر من ثمارها المجد الشامخ والعزة القعساء . وما أفيدار سال البعوث الصناعية الى الخارج ! ولئن كنا ابتهجنا من قبل ، ببعثة الطيران التى ارسلتها الحكومة العربية السعودية ، وبعثة الطباعة التى ارسلتها مطبعة أم القرى فى العام المنصرم فنقد زاد ابتهاجنا يوم قرأنا نبأبعثها الثانية بعناية معالى وزير المالية " الشيخ عبد الله السليمان " - لتتخصص فى اعمال الحفر على الزنك والمعان والاحجار الكريمة ، فنفيد البلاء : فى صناعة حية حديثة وفن ضروري جميل . وقد يتاقبل :-

واذا رأيت من الهلال نموه أيقنت ان سيصير بدرا كاملا

قارب بينهما الزمن بصروفه . فتقاربت شقة الخلاف ، واصبح أنصار المدنية الحديثة على علم تام بالكثير من عيوبها ، وخصومها على عقيدة واسخة من صلاح كثير من فنونها وشؤنها ، وبذلك فان معنى الادب الحديث هو صدى لهذه الحياة الماضية فى طريق التكوين لم تنضج ، ولا بلغت الحد الذي يراد لها . وهو بهذا المعنى بعيد الافق جدا ، واثره ارق من ان يلمح فى هذه النهضة التى تساور النفوس فى هذا البلد اقول - النهضة الادبية التى تساور النفوس - واحب ان يفهم هذا التعبير فى حدود اللفظ فان حقيقة نهضتنا الادبية ليست تتجلى واضحة فيما كتب ويكتب . ولا ما قريء ويقرأ حتى الآن ولكنها بحقيقتها ما زالت فى جوانح الأدباء ، والهام الشعراء ، وحس المفكرين . والغرض بذلك ان هذه النهضة تزجى بها روح قوية طموح متوثبة ، ولكن هذه الروح مختبئه فى نفوس الادباء وقلوبهم وعقولهم اختباء النار فى عود الثقاب ، انما تنتظر المهيئات لتتمثل حقيقة واضحة للعيان . فيشدو الشعراء عندئذ بالحانهم الى عنان السماء فيصورون صدى الحياة فى نفوسهم ، ويسعفهم الهامهم بشق الطرق الى الأمثلة العليا التى لا يتقدم الى اقتحامها الا الشعراء ، ويتنوع الكتاب فى معالجة المواضيع على اختلاف فنونها حتى يؤثر عن هذا الادب كلمته ، وتنقل مقالته ، ويقرأ ويدرس ، كما تقرأ وتدرس آداب البلاد العربية الاخري .

ولست اريد بما ذكرت من الادب تلك المواضيع السخيفة ، والاساليب السقيمة ، والآراء الفجة التى تعرض وتقرأ أحيانا باسم ادب الحجاز - انما عنيت الأدب القويم ، والفهم المستقيم والعلم الواسع ، والاطلاع المستمر ، ونشدان الكمال ، وهى صفات متوفرة فى نخبة معينة بهذا البلد تنتج أجود الانتاج ، وتهتدي بهدى عقولها المثقفة الى اكرم الغايات .

ونعود الآن الى غرض المجلة من سؤالها - فهي انما ارادت بالأدب الحديث الأدب العربى الحديث - الذي ينتجه اساتذته من مصريين وعراقيين وسوريين

ومهاجرين ، وقد ارادت منى ان اكتب عن مبلغ تأثر روح ابناء هذه البلاد بذلك الأدب وبما يحمله من آراء حديثة ، وصور فنية ، ومعان جديدة بالنسبة للادب العربى ، كالادب الرمزي ، وادب القصة ، والأدب الواقعي ، وما ترجم عن الادب الغربى من أفكار وخواطر احتلت مكانها اللائق من الأدب العربى الحديث .

وللبحث عن أثر هذا الادب ، فى مناهج التفكير ، واساليب التعبير ، وطرق التصوير وامتزاجها بروح ادبنا ومقوماته نجد - ولحسن الحظ - ان ادبنا له صبغة استقلالية تسوغ الحكم عليه حكما ذاتيا ينبنى على مميزاته الخاصة ، وطرقه المستقلة واساليبه الوضحة واغراضه التى تكاد تعتبر اغراضا قومية تجعل لهذا الادب صبغته القومية الخاصة ، وهذا لا ينفى ن يكون متأثرا - والى حد عظيم - بالادب العربى الحديث ، ولكن تلك النخبة من ادبائنا يقرأون بامعان كل ما تنتجه المطبعة العربية ، ويسايرون حركة الانتاج الادبى العام فى جميع البلدان العربية ، وهم حين يقرأون يهضمون ما يقرأونه ، ويناقشونه ويستبينون مواطن الضف والقوة والحق والبطلان والتوفيق والاخفاق ، ويرجعون فيما يقرأون إلى المراجع المستقاة منها ، وبذا فنهم يدرسون المواضيع بتتبع ويعرفون شخصية الادباء البارزين معرفة دقيقة ويناظرون فى تعيين مميزات كل منهم - فالعقاد ، والمازنى ، واحمد امين ، وطه حسين ، والرافعي وغيرهم من ادباء مصر والشرق العربى شخصيات معروفة معرفة تامة بين ادباء هذه البلاد ولو ادفيت من حق المجالة لقات . ان قليلا من المصريين من يكلف نفسه دراسة بعض هؤلاء الأدباء البارزين ، كما يتكلف بعض ادباء هذه البلاد فى دراسة ادبهم وتتبع افكارهم وخواطرهم وكل ما تفيض به اقلامهم ، حتى لقد عرفت بعضا من ادبائنا يكاد لطول دراسته لأديب من الأدباء المصريين ان يعرف به لطول ما ينافح عنه ، ويستشهد بآرائه ، ويستطرد من أفكاره . واظن ان الدكتور حسين هيكل قد لمح هذه الظاهرة فى بعض من خالطه من ادباء هذه البلاد - على

ندرة ما عرف عن حقيقة ادبنا - فسجلها فى كتابه ( منزل الوحى ) .

فادبنا قوي التأثر بالادب العربى الحديث ، ولكن هذا التأثر لم يقف عند حد التقليد والمحاكاة بل تعداه الى آفاق وسيعة جدا حيث يستقيم الدرس ، ويتم الفهم ، وتسمو الغاية .

ويمتاز ادب هذه البلاد بتشبعه بالروح العربية والاسلامية ، ويستمد تفكيره من طبيعة البلاد باعتبارها قبلة الاسلام ، ومنبع القدسية ، ومعقل اللغة العربية , ومبعث العبقرية العربية الناضجة - وبدوي هذه الصحارى بسحنته المفلوجة بوهج الشمس ، وشخصيته القوية الباهرة ، وبساطته السماوية الجميلة ، واخلاقه السمحة الرضية ، وشجاعته الواضحة الجلية ، صورة طبق الأصل لامرئ القيس وطرقة والنابغة ، وهو فى ترف الحياة ورخاوة العيش يعد مثلا لعمر بن ابى ربيعة والفرزدق ، ومع ذلك فان حاضرة هذه البلاد قريبة من حياة القرن العشرين ، وفاهمة للمدنية الحاضرة ، وماضية كغيرها من الحواضر العربية ، تنقح وتنتخب وتعمل بجد ونشاط ، لتنظيم حياتها حسب مقتضيات ظروفها وطبيعة بلادها وتاريخها المجيد ، ولذلك اثره الواسع فى ادبنا ، ونرجوان يحقق المستقبل القريب الغاية التى ترمي اليها نهضتنا الادبية من احياء الأدب العربى الخالد .

واننى اكتفى بهذه اللمحة الموجزة عن هذا الموضوع الواسع . معتمدا على ذكاء القراء الكرام ، ولمرجو لمجلة " المنهل " وصاحبها الاستاذ الفاضل التوفيق والسداد ,

مكة المكرمة

اشترك في نشرتنا البريدية