الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "الفكر"

توثيق صلة الأدب المعاصر بالتراث ، ضرورة قومية ودينية

Share

مقدمة :

عندما طلب منى أن أعد كلمة لهذا المؤتمر الموقر كان أول شئ قمت به هو تصفح الموضوعات التى وضعت فى جدول أعماله . وقد أدركت منذ النظرة الاولى الى هذه الموضوعات أنها مترابطة ان لم تكن متداخلة فيما بينها ، حتى أنه من الصعب أن يتناول الانسان احدها دون ان يتعرض للموضوعات الاخرى . ولكن بالرغم من هذا الترابط أو التداخل ، فانى كنت مضطرا - بحكم النظام والوقت - أن أقصر كلمتى على موضوع واحد من تلك الموضوعات .

وقد كان الموضوع الذى وجدته أقرب الى ميولى واهتماتى الادبية والثقافية وأنسب الى ظروف وطبيعة تخصصى التى أصبحت بحكمها بعيدا كل البعد عن الحركة الادبية بمعناها الفنى الخاص ، هو الموضوع الثانى فى جدول الاعمال ، المتعلق (( بمشكلة الادب المعاصر وعلاقته بالتراث )) .

ولكثير من العوامل الشخصية المرتبطة بتكوينى العقلى والثقافى ، كنت مضطرا أن أقف من هذا الموضوع موقفا محافظا يرى ضرورة توثيق الصلة بين أدبنا العربى المعاصر وبين تراثنا العربى والاسلامى الخالد ، لان فى توثيق الصلة بين الجانبين حفاظا على تراثنا وتدعيما لقوميتنا وتأكيدا لشخصيتنا الثقافية والادبية وربطا لحاضرنا بماضينا وتوفيقا بين الاصالة والمعاصرة فى ثقافتنا. واستجابة لاوامر وتعاليم ديننا الاسلامى التى تدعونا الى المحافظة على تراثنا العربى الصالح الذى من عناصره اللغة العربية الفصحى والادب السليم . وبتعبير أوضح عن هذا الموقف المحافظ تجاه هذا الموضوع أقول منذ البداية :

أن توثيق الصلة بين الادب المعاصر وبين التراث ضرورة قومية ودينية فى آن واحد بالنسبة لعربى مسلم مثلى .

وفى نظرى أن توثيق صلة الادب المعاصر بالتراث ، لا يتنافى ابدا مع ضرورة السماح لعجلة النمو والتطور والتجديد أن تأخذ مجراها الطبيعى فى أدبنا المعاصر ، ومع ضرورة الاستفادة من جميع الحركات والاتجاهات الادبية الحديثة فى جميع أنحاء العالم إثراء لتجاربنا الادبية وتلقيحا لابداعاتنا الفكرية والادبية، لانه لا غنى عن كل ذلك لاى امة تنشد التفتح والتقدم . ولكن الموقف المحافظ الذة اتخذناه لانفسنا عن ايمان وقناعة يحرص دائما على أن تكون تجديداتنا واستفاداتنا واقتباساتنا الادبية فى اطار قيمنا العربية والاسلامية الاصيلة وفى اطار خصائصنا اللغوية والادبية والثقافية التى تجعل للغتنا وأدبنا وثقافتنا العربية شخصيتها العربية المتميزة بين لغات وآداب وثقافات الامم المختلفة ، مع تسليمنا بأن هناك قدرا كبيرا من الخصائص الادبية مشتركا بين جميع الامم لطبيعتها الفنية والانسانية العامة .

والنقاط الاساسية التى سأتناولها بالتوضيح والمناقشة الموجزة فى اطار ذلك الموضوع الذى اخترته لكلمتى هذه ، هى النقاط الست التالية :

1 - المقصود بالادب المعاصر .

2 - ملامح المعاصرة أو الحداثة فى الادب العالمى ونقد هذه الملامح .

3 - المقصود بالتراث .

4 - مدى اتصال الادب العربى المعاصر بالتراث والاسباب التى من أجلها        يتخفف بعض المعاصرين فى علاقتهم بالتراث .

5 - وجه الضرورة فى توثيق الصلة بين الادب العربى المعاصر والتراث .

6 - سبيلنا إلى توثيق صلة أدبنا المعاصر بتراثنا .

1 - المقصود بالأدب المعاصر :

فبالنسبة للنقطة الاولى وهى المتعلقة بمفهوم الادب المعاصر ، فانه قد يبدو لاول وهلة أن المقصود (( بالادب المعاصر )) هو ذلك الادب الذى يعكس قيم وخصائص العصر الذى قيل فيه . وحسب هذا المفهوم العام البسيط للادب

المعاصر ، فان المعاصرة تصبح أمرا نسبيا ، لا ترتبط بزمن أو عصر معين ، لان كل عمل أدبى يعكس قيم وخصائص عصره هو أدب معاصرة سواء قيل في العصر القديم أو فى العصر الحديث ، فالمهم فى استحقاق العمل الادبى لهذا الاسم أن يعكس قيم وخصائص عصره .

والعموم والنسبية فى مفهوم (( الادب المعاصر )) بهذا المعنى أمران واضحان . ولا أعتقد ان مؤرخى الادب العربى ونقاده المحدثين عندما يتحدثون عن (( الادب المعاصر )) فى الوقت الحاضر يقصدون به هذا المعنى على الاقل بالنسبة للغالبية منهم . وانما الذى يقصدونه من هذا المصطلح هو الادب الذى قيل فى العصر الحديث ، سواء احتذى فيه أصحابه نهج الادب العربى القديم ، أو احتذوا فى الاتجاهات الغربية الحديثة من رومانسية ورمزية وسريالية ووجودية وأخلاقية وواقعية ومثالية ومادية وما الى ذلك ، أو كانوا فيه وسطا بين هذه وذاك .

وحسب هذا التحديد الاخير لمصطلح (( الادب المعاصر )) كل عمل أدبى قيل فى مرحلة العصر الحديث هو أدب معاصر ، سواء أكان نظما أو نثرا ، وبالنسبة للشعر سواء أكان موزونا مقفى يتبع تقاليد الشعر العربى القديم أو كان حرا أو كان مرسلا .

ومرحلة الادب المعاصر نفسها يمكن ان تكون مجالا للاختلاف . فهل هى الفترة التى تبعت بداية المنتصف الثانى للقرن التاسع عشر والتى بدأت فيها تتضح معالم العصر الحديث وتظهر مخترعاته فى بعض البلدان العربية ، أو هى الفترة التى أعقبت بداية القرن العشرين والتى عمت فيها معالم العصر الحديث رقعة أوسع من الوطن العربى ، أو هى فترة الحرب العالمية الاولى وما بعدها وما صاحب وعقب ذلك من أهوال وويلات واهتزازات فى القيم التى كانت لها تأثيراتها وانعكاساتها فى العمل الادبى ، واتجاهاته فى العالم الغربى ، ثم لم تلبث ان تسربت الى بعض الادباء العرب الذين تثقفوا بالثقافة الغربية فى المهجر وفى الوطن العربى نفسه .

وقد قسم بعض الباحثين العرب المحدثين المراحل التى مر بها الشعر العربى المعاصر بالذات من سنة 1875 م وحتى 1940 م الى ثلاث مراحل أساسية هى :

الاولى : مرحلة التقليد والبعث التى بدأ فيها الشعر العربى يتحرر من قيود مرحلة التخلف والركود التى مر بها خلال فترة طويلة تزيد عن أربعة قرون

وبدأ يأخذ طريقا جديدا الى البعث بالعودة الى الشعر الجاهلى والعباسى وما فيهما من جزالة ورصانة . ومن قادة هذه الحركة محمود سامى البارودى واسماعيل صبرى ، والزهاوى ، وأحمد شوقى ، وحافظ ابراهيم ، وأحمد محرم ، وعزيز اباظة ورفيق المهدى ، وغيرهم . وقد عرفت المدرسة التى تنتمى الى هذه المراحل بجزالة العبارة ، والتعبير عن مشاعر النفس ازاء العواطف الذاتية وإزاء الاحداث القومية ، والتحرر من المحسنات البديعية المتكلفة والالفاظ المرصوفة ومن المدائح الرديئة .. الخ

الثانية : مرحلة التجديد وتحرير الشعر العربى - كما يقول أصحاب المدارس التى تنتمى الى هذه المرحلة - من قيوده والدعوة الى وحدة القصيدة والاهتمام بالمشاعر الذاتية ، وتطعيم الشعر العربى بمذاهب الشعر الغربى . ومن حملة لواء هذه المرحلة التى امتدت من 1907 م حتى 1932 م تقريبا خليل مطران ، وبشارة الخورى ، وعبد الرحمن الرحمان شكرى ، وايليا أبو ماضى ، وميخائيل نعيمه ، وعباس محمود العقاد ، وابراهيم عبد القادر المازنى ، وزكى أبو شادى ، وزكى مبارك .. وغيرهم .

الثالثة : مرحلة تطور تيار الشعر الوجدانى والقومى التى بدأت تتضح معالمها بعد 1930 م والتى قاد لواءها جماعة ومجلة أبولو التى ضمت شعراء من الوطن العربى كله وان كان المقر القاهرة ، ومدرسة المهجر الجنوبى ، ذات الطابع القومى . ومن أعلام هذه المرحلة او المدرسة الياس حبيب فرحات ، وابراهيم ناجى ، وعلى محمود طه ، وأبو القاسم الشابى ، والتيجانى يوسف بشير ، وغيرهم . . (1)

لا يزال هناك اتجاه أو قول ثالث في تفسير مفهوم ((الادب المعاصر)) يأخذ فى حسبانه المقياس الزمنى ومقياس الخصائص معا ، ويذهب الى ان (( الادب المعاصر )) ، او الادب الحديث هو ذلك الادب الذى قيل فى العصر الحديث و كان فى الوقت نفسه يعكس روح العصر الحديث وخصائصه واتجاهاته ومذاهبه ونزعاته ويصف مخترعاته .

وايا كان مفهوم الادب المعاصر أو الادب الحديث ، فان للمعاصرة او الحداثة

فى هذا الأدب مقوماتها أو عناصرها أو ملامحها ومرتكزاتها التى أطال نقاد الادب العربى الحديث على اختلاف مشاربهم ونزعاتهم الادبية فى ذكرها وشرحها .

وبالرغم من ان هناك عناصر او ملامح مشتركة للادب المعاصر او الحديث لدى جميع نقاد الادب المحدثين ، فان هناك اختلافا بينا بينهم فى هذه العناصر او الملامح ، وذلك بسبب اختلاف نزعاتهم ومذاهبهم الادبية أو اختلاف المدارس التى ينتمون اليها . فملامح المعاصرة عند أصحاب مدرسة التقليد والبعث غيرها عند أصحاب مدرسة التجديد أو عند أصحاب مدرسة الشعر الوجدانى والقومى . كذلك المعاصرة عند ذوى النزعة الرومانسية قد تختلف قليلا أو كثيرا عنها عند اصحاب النزعة السريالية أو الوجودية أو الواقعية المادية أو الاشتراكية .

فإذا أخذنا مثلا جماعة الديوان ( شكرى والعقاد والمازنى ) مثلا ، فاننا نجدها قد حددت للشعر الحديث مبادئ يجب أن يسير عليها ، لخصها بعض الباحثين المحدثين فى المبادئ التسعة التالية :

أ - التعبير عن الذات البشرية وعواطفها .

ب - الدعوة الى وحدة القصيدة .

جـ - التحرر نظام القافية الواحدة ، وكتابة القصيدة ذات القافية المزدوجة       أو المتقابلة أو المطلقة القافية .

د - التجاوب مع الطبيعة واستكناه ما وراء مظاهرها .

ه - البعد عن شعر المناسبات العارضة .

و - الابتعاد عن الزخرفة اللفظية المتكلفة .

ز - تحرى الصدق المطلق فى التعبير .

حـ - الشعر ميزة إنسانية لا ميزة لسانية ، والقصيدة الجيدة هى التى لا       تفقدها الترجمة شيئا من مقوماتها الفنية .

ط - الدعوة الى تعميق ثقافة الشاعر والاطلاع على آداب الامم المختلفة .

وهكذا لو اخذنا مدرسة أو جماعة أخرى غير جماعة الديوان لوجدنا بعض الاختلاف القليل أو الكثير عنها فى تحديد مقومات وملامح الحداثة او المعاصرة فى الادب الحديث .

2 - ملامح الحداثة فى الادب العالمى ونقدها :

وكثير من عناصر أو ملامح الحداثة أو المعاصرة التى يحاول بعض النقاد والكتاب العرب أن يفرضوها على أدبنا العربى المعاصر ويعتبروها المقاييس المعتمدة للحداثة والمعاصرة هى عناصر وملامح غريبة مائة فى المائة قال بها وروج لها أدباء الغرب ونقاده على اختلاف نزعاتهم ومدارسهم الادبية ، وقد ظهرت كتابات عربية عديدة تحاول تحديد ملامح مفهوم الحداثة فى الادب العالمى ، لعل أحدث ما قرأت منها هو ما كتبه الدكتور حسام الخطيب فى مجلة الوعى العربى . فقد ذكر الدكتور الخطيب من أهم هذه الملامح ستة ملامح أساسية نذكرها فيما يلى :

أ - خاصية الصدق :

ان اولى هذه الخاصيات والملامح الاساسية لمفهوم الحداثة أو المعاصرة فى الادب العالمى هى خاصية الصدق . ومما تعنيه هذه الخاصية فى مفهوم المحدثين أن يكون الاديب صادقا فى نقل تجربته ومشاعره ، وفي تصوير ما يرتبط بهذه المشاعر وتلك التجربة من مآس وآلام ، وفى التعبير عن حياته وبيئته . وهذه الخاصية تعنى أن الاديب الحديث لا يكتفى بالخيال وحده ولا يسير وفق المقولة التى تقول (( ان اعذب الشعر أكذبه . )) والصدق عند هذا الاديب مصحوب عادة باندفاع شديد لا يحده حد نحو الكشف الحقيقى عن أعماق الانسان واستبصاراته ، وباعتداد شديد بالحرية الذاتية والجرأة التعبيرية .

ب - خاصية الرفض :

والخاصية الاساسية الثانية لمفهوم الحداثة فى الادب العالمى هى خاصية الرفض التى تتجلى فى أدب كثير من الادباء المحدثين ، خاصة ذوى النزعة الوجودية المتطرفة ، فتجد الواحد منهم يقف موقف الرافض لكل ما هو قائم اجتماعيا وسياسيا ، والمستخف بالقيم والمواضعات الاجتماعية ، والنافر من حضارة العصر الحديث . وقد بلغ الرفض والاشمئزاز ببعضهم من صورة المجتمع الحديث درجة جعلته يبحث عن أجناس وأفراد لم تلوثهم المدنية الحديثة لكى يعيش معهم ويلوذ عندهم بالفرار .

وقد بالغ بعضهم فى رفضه لدرجة الاستخفاف بالدساتير الخلقيه والتهرب من المسؤوليات ، وفى اطار هذه الخاصية رفضوا أيضا التقيد بالقواعد الفنية الموروثة . فالشعر عندهم - مثلا - لا يستلزم الوزن ولا القافية ، وربما رأى بعضهم فى الوزن والقافية جناية على موضوع الشعر ونوعا من التكلف .

جـ - خاصية التركيز على وجدان الانسان وعالمه الداخلى :

والخاصية الاساسية الثالثة لمفهوم الحداثة والمعاصرة في الادب العالمى تتمثل فى الانكفاء الواضح فى اتجاه العالم الداخلى للانسان والاهتمام بالكشف عن أسرار النفس وخباياها التى لا يزال كثير منها مجهولا ، ولمحتويات اللاشعور او العقل الباطنى بالذات ، وبتصوير المحتوى الداخلى للنفس الذى هو غير متشكل وغير منظم وغير محدود وغير مفهوم بالنسبة للأخرين . واكثر ما تتجلى هذه الخاصية فى الحركة السيريالية التى تأثرت فى نشأتها وتطورها بكثير من العوامل ، لعل من أهمها بالنسبة لهذه الخاصية بالذات ، حركة علم النفس التحليلي التى قاد لواءها فرويد ومن أتى بعده من علماء التحليل النفسى .كما تأثرت بكتابات كثير من الكتاب الذين تعمقوا فى دراسة النفس البشرية ، وذلك من أمثال : (( الكسيس كاريل )) وغيره ، فمما يقول (( الكسيس كاريل)) فى كتابه : (الانسان ذلك المجهول) :

(( لقد تقدم الانسان فى عالم الماديات وتعرف على بعض تركيب المادة ، وبذلك استطاع السيادة على غير قليل من الاشياء ، فيما عدا انفسنا ، انه الانسان الذى لا يزال مجهولا وان معرفتنا بانفسنا ما زالت بدائية وجزئية . . )) (1)

د - الشعور باشكالية المصير الانسانى :

والخاصية الاساسية الرابعة لمفهوم الحداثة فى الادب العالمى يمكن أن تتمثل فى الشعور الحاد باشكالية المصير الانسانى وبالعجز عن تفسير القضايا الكبرى المتعلقة بالمصير الانسانى وبالتوتر والبلبلة والشك والغموض فى كل ما يتعلق بهذا المصير . وقد ظهر هذا التوتر والقلق والشك والغموض وعدم الاطمئنان

واضحا فى انتاج الادباء الذين يمثلون هذا الاتجاه فى الادب الحديث من الوجوديين الملحدين من أمثال (( جان بول سارتر )) وغيره .

ه - الشعور بالإغتراب الروحى :

والخاصية الخامسة لمفهوم الحداثة فى الادب العالمى تتمثل فى الشعور بالاغتراب الروحى وبالجفوة وعدم انسجام الاديب مع طبيعة الحياة القائمة فى عصره الحديث ، وفى شعور هذا الاديب بالفراغ الروحى والانفصام عن الحياة ، والعرضية والحيرة الاليمة التى تدفعه الى السراب أحيانا والى السلبية أحيانا أخرى ، وفى نظرته الى الحياة نظرة متشائمة ترى أن الشر هو الاصل فى الحياة وان الانسان للانسان ذئب ضار وأن وظيفة الادب هو الكشف عن هذا الشر ، إلى غير ذلك من المظاهر والاعراض المعبرة عن خاصية الاغتراب الروحى لدى الاديب الحديث .

و - النسبية والتحرر من القواعد :

والخاصية السادسة لمفهوم الحداثة فى الادب العالمى تتمثل فى شعور الادباء المحدثين المتأثرين بهذا الاتجاه بأن كل شئ نسبى ومتغير ، وما على الاديب الا أن يستعمل طريقته الادبية الخاصة به ولغته الخاصة لينقل الى الناس رؤيته الخاصة للعالم ، وفى شعورهم بأن التجربة الادبية هى فردية ونسبية . فهم لا يعترفون بسلطة أدبية لتنقذهم حسب مقاييس معينة ، وينظرون الى الشعر بالذات على أنه الكلام الصافى الذى لا يقيده وزن ولا قافية ، ويعتبرون ان المهم دائما فى العمل الادبى هو طبيعة مادة المضمون وعمق الكشف الذى تقدمه وليس الرداء الخارجى لهذا العمل .

ومن أبرز الظواهر التى تمخضت عن القول بنسبية القيم والمعايير الفنية والادبية هى ظاهرة الشعر الحر ، وظاهرة الرواية الجديدة . واذا كان من ابرز مميزات الشعر الحر من حيث الشكل الخارجى هو عدم التقيد بالوزن والقافية ، فانه من ابرز مميزات الرواية الجديدة التى بدأت تظهر بوضوح فى بداية الستينات من هذا القرن هو : التخلى عن حيل السرد ومواصفاته ، وعن الحداثة والشخصية ، وعن المقدمة والنهاية .

وهم يريدون بعد ذلك كله أنه ليس للفن أو الادب غاية دنيوية ، ولا يجوز فى نظرهم أن يصبح الاديب داعية لمذهب ما ، أو يشتمل أدبه على مغزى اخلاقى أو اجتماعى أو مرمى سياسى ، والا كان مصلحا أو مهذبا أو واعظا أو سياسيا ،

وشتان بين الاديب وبين هؤلاء عندهم ، وهم بهذا يناصرون نظرية (( الفن للفن )) التى ترى فى الفن والادب نوعان من الاشراقات التى تصفى الذوق وتصقل الروح وتنمى حاسة ادراك الجمال ، ونوعا من السبحات فى آفاق المعانى والخيال المشتهى ومن اللمعات التى ترقى بالنفس الى اعلى مدارك النور .

هذه هى أهم خواص أو ملامح وعناصر مفهوم الحداثة فى الادب العالمى ، كما استخلصها الدارسون لهذا الادب العالمى ، والغربى منه بالذات ، وهى خصائص وملامح مترابطة ومتداخلة ولعلها جميعا عند التأمل ترجع الى الخاصية الاولى وهى خاصية الصدق ، حيث أن الصدق هو الذى يجعل الاديب يرفض ما لا يؤمن به،وهو الذى يجعله يتجاوز الظواهر السلوكية والاحداث الخارجية الى أعماق النفس والضمير ، وهو الذى يؤدى به الى التشكك فى أى تفسير للمصير الانسانى لا يستند الى دليل قطعى ، وهو الذى يتسبب أيضا في جانب كبير من قلق الاديب وشعوره بالغربة والانقطاع العام عن الكون ، وهو الذى يقود الاديب الى تجاوز القواعد والمواصفات الشكلية للعمل الادبى فى سبيل ضمان تعبير أكثر دينامية ومرونة واكثر دقة وتجاوبا لما يختلج فى نفسه ويدور فى وجدانه (1) .

نقد وتعليق على هذه الملامح والخصائص :

وفى نهاية عرضنا لهذه الملامح والخصائص لمفهوم الحداثة فى الادب العالمى نرى لزاما علينا الا نجعلها تمر دون أن ننقدها ونعلق عليها فى اطار نظرتنا المحافظة أو الوسيطة وفى اطار ما نرجوه لادبنا العربى الحديث ونهضتنا الادبية العربية الحديثة .

وفى تصورنا لهذه الملامح أنها وان اتسم بها الادب الغربى الحديث الذى ينتمى اصحابه لبعض المدارس الادبية المتطرفة فى الذاتية والفردية مثل الرومانسية والوجودية والدادية وغيرها . فانها لم تتسم بها جميع الاعمال الادبية ، فى العالم الغربى نفسه . وان اتسم بها الادب العالمى فى مجموعه فانه

ليس بشرط أن يتسم بها أو يأخذها بشكلها السريالى او الوجودى الذى يعرضها عليه بعض كتاب الادب المحدثين ، وكأنها مسلمات وسمات عامة للادب العالمى الحديث فى جميع مذاهبه ونزعاته .

فانه بكل تأكيد هناك أدباء محدثون فى العالم الغربى نفسه لا يعتبرون هذه الملامح ملامح عامة يتحتم عليهم أن يتمسكوا أو يتصفوا بها ليوسم أدبهم بميسم الحداثة ، وان اتصف أدبهم ببعضها أو كلها فانه ليس بشرط أن يأخذوا بها فى مفهومها السريالى او الوجودى ، لان كثيرا منهم لا ينتمى الى الحركة السريالية أو الوجودية أو غيرها من الحركات والاتجاهات الادبية الفردية المتطرفه . بل ان كثيرا منهم ينتقد هذه الحركات ، ويرى فيها من السلبية والفردية المتطرفة والرمزية والخيالية والتشاؤم والتحلل من القيم الخلقية ومن الالتزامات الاجتماعية ما يتنافى مع رسالة الاديب فى مجتمعه وامته وبالنسبة للانسانية عامة .

ولهذا ، فانه من واجب أدبائنا العرب ان يأخذوا هذه الملامح بحذر ، وان ينظروا اليها على أنها ليست ملامح عامة تشمل جميع الاعمال والحركات الادبية المعاصرة حتى فى العالم الغربى نفسه . وحتى إن أخذوا ببعضها فانه من واجبهم أن يعطوها التفسير الذى يتناسب مع عقيدتهم الدينية وقيمهم الخلقية ومن الخصائص العامة لتراثهم العربى وثقافتهم العربية الاصيلة ، ومع ما تقتضيه ظروف مجتمعهم وأمتهم من عمل أدبى جاد مخلص وصادق ومن التزام صادق نابع من الداخل نحو قضايا مجتمعهم وأمتهم ومن مشاركة ايجابية فعالة فى حياة مجتمعهم وأمتهم .

وانه لمن المؤسف حقا أن نجد كثيرا ممن كتبوا عن ملامح الحداثة والاتجاهات الادبية الحديثة فى وطننا العربى لم يتقيدوا بهذه الاعتبارات التى ذكرناها وراحوا يبالغون فى دعوتهم الى هذه الملامح والاتجاهات يزينونها ويصورونها كأنها ملامح واتجاهات عامة فى العالم يجب على أدبنا أن يأخذ بها دون قيد او شرط .

ومن واجب أدبائنا ونقادنا العرب أن يبصرونا فى موضوعية وبروح عملية بحقيقة الملامح والاتجاهات الادبية الغربية ويعطونا التفسير المقبول لها والقدر الذى يمكن أن تأخذه منها دون أن يلحق الضرر بخصائصنا الثقافية والأدبية الاصيلة .

وكمساهمة متواضعة منى يمكن أن أقدم التفسير الذى أومن به او الذى أقبله على الاقل لتلك الملامح والاتجاهات فيما يلى :

أ) فبالنسبة لخاصية أو عنصر (( الصدق )) فانه لا يوجد عربى واحد يعتد برأيه يمكن أن ينكر قيمة هذا العنصر وضرورة التمسك به فى كل ما نعتقده ونقوله ونعمله سواء فى مجال العقيدة والدين أو فى مجال الحياة العامة او فى مجال العمل الادبى . فالصدق فضيلة وقيمة أساسية من فضائلنا وقيمنا الدينية والخلقية ، ومحمدة من المحامد الفنية والادبية وتقليد محمود يجب الاخد به فى جميع الآداب وفى جميع العصور . واذا كان هذا العنصر أو الشرط لم يراع فى بعض شعر المناسبات وقصائد المديح والهجاء والرثاء والفخر والوصف والشعر السياسى فانه لا يستطيع اى انسان أن يدعى أن الشعر العربى القديم كله ينقصه عنصر الصدق حتى فى شعر المناسبات نفسه ، لان كثيرا مما قيل فى هذا النوع من الشعر كان صادقا يعبر عما يؤمن به قائله . وفى شعرنا العربى القديم أمثلة نادرة فى صدق التعابير ، خاصة فى مجال الغزل العذرى والمدائح النبوية ووصف الطبيعة .

ومن ثم فانه من واجب أدبنا العربى أن يكون صادقا مع ربه ومع نفسه ومع مجتمعه ومع أمته ومع فنه وأدبه ، فيما يقوله ويعبر عنه . وبطبيعة الحال أن هذا الصدق يحب ان يكون فى حدود الادب واللياقة والحشمة والوقار.

وبالنسبة لعنصر الرفض ، فانه ليس هناك من ينكر على أدبائنا أن يتمسكوا به فى الحدود المعقولة والمقبولة . فالرفض امر محمود إذا توجه به الاديب ضد اعمال الظلم والفساد من أى نوع وضد النظم الفاسدة والتقاليد التى لا سند لها من الدين ولا من القيم العربية الاصيلة ونحو العواطف الكاذبة وأساليب الملق والنفاق والرياء والخداع واذا ما ارتبط بالشجاعة والصدق والتزم بمبادئ الدين والاخلاق ، واذا ما اتخذ شكلا ايجابيا يربط الثورة بالتخطيط للتغيير والهدم بالبناء واقتراح البديل .

فالرفض بهذا الشرط ليس مقبولا فقط ، بل هو أمر مطلوب لاديبنا العربى المعاصر . وأما الرفض الهدام الذى نشاهد آثاره السلبية وجنايته على المقدسات والقيم الدينية والخلقية والحضارية فى العالم الغربى ، وخاصة بين جيل الشباب ، فاننا نعيذ أدبائنا منه . ولا نعتقد أن فيه خيرا او نفعا أدبيا أو اجتماعنا أو سياسيا لامتنا العربية ، فظاهرة الرفض والتحلل من أى التزام

بين الشباب الغربى أصبحت من أكبر المشاكل التى تعانى منها المجتمعات الغربية . ومما يؤسف له أن عدوى هذا المرض بدأت تتسرب الى مجتمعاتنا العربية ، ويساعد عليها الفساد السياسى والظلم الاجتماعى والتقليد الاعمى .

جـ) وبالنسبة لعنصر الانكفاء الواضح فى اتجاه العالم الداخلى للانسان فانه عنصر أساسى ومحمود للاديب العربى ، اذا ما فهم على أنه محاولة لمعرفة النفس والكشف عن مكنوناتها وأسرارها ودوافعها اللاشعورية وعلى أنه محاولة لمحاسبة النفس وتذكيرها ونوع من الحوار الداخلى والعمق فى التحليل والتفكير . وواجب الاديب ليس فقط أن يتعمق فى فهم مكنونات نفسه هو ويعبر عنها بصدق ، بل من واجبه أيضا أن يتعمق فى دراسة وفهم المشاعر الانسانية لدى غيره ، فنحن نعلم أن جودة القصة والرواية كثيرا ما تقاس بقدر ما يتوفر فيها من تحليل نفسى وحوار داخلى عميق ومحاوله للكشف عما يختلج فى نفسيات شخصياتها .

أما إذا أخذ هذا العنصر بالمفهوم والصورة الموجودين فى الادب السريالى الغربى وما يترتب عليهما من انطواء على الذات ، واطلاق لعنان الحلم والخيال ، ودعوة الى العودة الى الطفولة ، واهمال للتصرفات الخارجية للانسان ، وغير ذلك ، فانه غير مقبول فى أدبنا العربى . ولا اعتقد أن هناك داعيا يدعو اليه التقليد الاعمى والتعقيد النفسى والشعور بالنقص .

د) وبالنسبة لخاصية أو عنصر الشعور الحاد باشكالية المصير الانسانى وبالعجز عن تفسير القضايا الكبرى المتصلة بمصير الانسان ، فانه هو الآخر لا يمكن ان يقبل على اطلاقه بالنسبة للاديب العربى العامر قلبه بالايمان . فهو يؤمن بان للانسان خالقا عظيما أوجده من عدم ليعبده ويعمر هذا الكون بالعدل والاحسان والعمل الصالح وبعون لله وتقديره ، ثم الى الله مرجع الانسان فيجتازيه عن كل ما فعل خيرا أو شرا ، وقد وضح القرآن الكريم والكتب السماوية عامة مسألة المصير الانسانى بما لا مزيد عليه من التوضيح ، حتى انها لم تعد مشكلة يحتار العقل أمامها بالنسبة للمؤمن حقا بوجود الله وبخلقه للانسان والكون كله وتسييره لهذا الكون حسب مشيئته وسابق علمه . وقد تولى علماء الشريعة والكلام التدليل على جميع العقائد المتعلقة بمصير الانسان بأدلة عقلية يقبلها العقل السليم .

والمفروض فى الاديب العربى القوى فى ايمانه وعقيدته الا يقع فى حبائل الشك والحيرة والتردد فى تحديد موقفه من المشكلات والمسائل المتعلقة بالمصير

الانسانى والامور الغيبية ، وذلك كما وقع فيها زميله الملحد فى العالم الغربى . فالاديب العربى محمى بإيمانه وقوة عقيدته من الوقوع فى براثن الشك الدينى وفى مسائل المصير الانسانى بالذات . وقلة نادرة جدا من أدبائنا القدماء تعرضوا لمثل هذا المرض ، نذكر منهم على سبيل المثال أبا العلاء المعرى الذى كانت له تأملاته الحزينة فى الكون والحياة وكانت له آراؤه المظلمة فى المجتمع والناس .

وهذا لا ينافى ان الاديب العربى كغيره من الادباء والفنانين قد يتعرض في الفترة التى تسبق انتاجه الادبى أو الفنى الى حالة من القلق والتوتر والمعاناة الداخلية والشعور بوجود عبء فى نفسه يريد أن يتخفف منه ، ولكن هذا القلق والتوتر والمعاناة الداخلية لا تصل لدى المؤمن الى درجة الشعور باشكالية المصير الانسانى .

ه) وبالنسبة لخاصية الغربة الروحية وعدم الانسجام مع حياة العصر فأنها هى الاخرى لا يمكن أن تقبل على اطلاقها لاديبنا العربى الذى نريده أن يكون عامر القلب بالايمان والحب لابناء مجتمعه وأمته ، راضى النفس ، مطمئن البال، ناظرا الى الحياة نظرة أمل وتفاؤل ، شاعرا بقيمته وفاعليته وبالدور الذى يمكن أن يقوم به فى خدمة مجتمعه وبانتمائه ووثوق صلته بمجتمعه ، ومشاركا ايجابيا فى حياة مجتمعه وأمته ، وملتزما بقضايا مجتمعه وأمته . نريده شخصا لا يحلق فى مثالية مفرطة ، ولا يقف عند التغنى بآلامه وأفراحه الذاتية ، ولا يكتفى بالسخط وعدم الرضى من عيوب مجتمعه وعصره ولا يقف مكتوف الايدى أمام الظواهر الجديدة غير المرضية فى مجتمعه ، بل يتجاوز ذلك الى الكشف عن أسباب هذه العيوب والظواهر غير المرضية ثم الى التوجيه الى سبل التغلب عليها .

وليس منا من يرضى لادبائنا العرب أن يقلدوا أدباء الغرب الذين أصيبوا بلوثة الغربة الروحية وما يتبعها ويرتبط بها من فردية وانطوائية وسلبية وهروب فكرى ووجدانى ونظرة تشاؤمية وما الى ذلك . من أعراض ولواحق الغربة او الفجوة الروحية ، لان ذلك التقليد ضار بهم ولمجتمعهم ومعطل لهم عن القيام بدورهم الايجابى فى حياة مجتمعهم وامتهم .

ان هذه الخاصية تكاد تكون مرفوضة فى جملتها . ولعل الجانب الوحيد المقبول منها الا يتورط الاديب فى الفساد الذى يجرى فى مجتمعه ، وان يقف موقف الراصد لحركته والناقد لاخطائه وعيوبه والمتصدى لاوجه الفساد فيه .

و) وبالنسبة لخاصية النسبية والتحرر من القواعد ، فانها هى الاخرى لا يمكن أن تقبل على اطلاقها وبالمعنى الذى فهمت به فى الغرب ، لان الاخذ بها على اطلاقها امر ضار بالدين والقيم والاخلاق والخصائص الادبية والفنية العربية الاصيلة التى لاغنى عنها للعمل الادبى الجيد مضمونا وشكلا .

وبالرغم من تسليمنا بمبدإ ألنسبية فى كثير من مظاهر الحياة ، خاصة فى مجال العالم البشرى والذوق الفنى والادبى والتقاليد والاعراف الاجتماعية التى هى من صنع المجتمع ، فاننا نؤمن بأن هناك قدرا كبيرا من الثوابت فى مجال العقيدة وفى مجال القواعد الخلقية العامة والقيم الادبية والفنية الاساسية . وبالرغم من تسليمنا بضرورة التخفف من التحسينات البديعية الزائدة عن الحد اللازم والمرونة فى استعمال القوافى والبحور الشعرية التقليدية فان هناك قدرا ضروريا من الصنعة والاناقة والتقاليد الشكلية لابد من محافظة الاديب عليه لتصح تسمية الشعر شعرا ، وتسمية القصة قصة ، وتسمية الرواية رواية ، وتسمية المقامة مقامة ، هكذا ولا يمكن أن يبرر جهل الاديب بهذا القدر الضرورى او عجزه عن الوفاء به بحيلة النسبية والتحرر من القواعد .

هذه هى خصائص الادب الحديث في مفهومه الغربى وهذه هى انتقاداتنا لها وتعليقاتنا عليها قد عرضناها بشكل موجز مبسط .

3 - المقصود بالتراث :

وبعد هذه اللمحة البسيطة التى ألقيناها على مفهوم الادب المعاصر وعلى ملامح وخصائص مفهوم الحداثة والمعاصرة فى الادب العالمى وعلى رأينا في هذه الملامح والخصائص ، فانه يجدر بنا أن ننتقل الى الحديث عن الشق الثانى من موضوع كلمتنا هذه ، وهو الشق المتعلق بمفهوم التراث ومدى اتصال ادبنا العربى المعاصر بتراثنا العربى القديم ، والاسباب التى من أجلها بدأ يخفف بعض أدبائنا المعاصرين فى علاقتهم بالتراث العربى القديم ، ومدى الضرر والخطأ فى هذا التخفف ، ووجه الضرورة فى توثيق الصلة بين أدبنا المعاصر وتراثنا القديم ، والطريق الانسب لتوثيق هذه الصلة والمبادئ والشروط التى ينبغى أن تتم فى اطارها هذه الصلة .

فبالنسبة للنقطة الاولى من نقاط الشق التانى من الموضوع وهى المتعلقة بمفهوم التراث ، فاننى لا أشك أن الجميع يتفق على أن المقصود بالتراث فى

هذا المؤتمر الادبى هو التراث الفكرى والادبى العربى الفصيح الذى يستقى وجوده من الماضى العربى والاسلامى الذى يعيش على الدوام حيا فى ضمير المواطن العربى وذاكرته ويمثل الطهر والقداسة والقيم والمثل العليا التى آمن بها مجتمعنا العربى والاسلامى فى ابان براءته وبساطته واصالته وقوته وازدهاره . وهذا التراث يشمل فيما يشمل - بالاضافة الى هذه القيم والمثل العليا - الخصائص والصفات المميزة للامة العربية والثقافة العربية فى أصولها السليمة ، وما فى تاريخ الامة العربية من أحداث ذات تأثيرات وعبر مستمرة مع الايام ومن مواقف انسانية خالدة وأمجاد لا تزال تستحق التغنى بها واستخلاص العبرة والدرس منها ومن احكام تاريخية لا يتطرق الشك الى صحتها وسلامتها . كما يشمل - وهو الاهم - الفاظ اللغة العربية وجملها وتراكيبها وأساليبها وقواعدها النحوية والصرفية والبلاغية ، وتقاليد الادب العربى القديم وخصائصه فى موضوعاته وغاياته وأغراضه ومفرداته وتركيباته مجازاته وتشبيهاته وكناياته وأخيلته وصوره الفنية وأساليبه وفى قوافيه وأوزانه وفى غير ذلك من خصائصه ومقوماته ومكوناته .

وهذه الخصائص والصفات والمقومات والمميزات التى يمتاز بها الادب العربى فى عصور ازدهاره والتى تستمد وجودها من الخصائص والصفات القومية العامة للامة العربية هى التى تجعل للاديب العربى المتحلى بها فى جميع عصوره وأزمانه طابعه المميز بين آداب الامم الاخرى ، ولا يضر مع المحافظة على الاصول والخصائص والصفات والتقاليد العامة للادب العربى القديم ما يطرأ على الادب العربى فى عصوره المختلفة من تطويرات وتحسينات وتجديدات وابداعات تصعد به فى سلم الكمال درجات ، ولكن الدرجة السفلى والدرجة العليا وما بينهما ستظل على الدوام درجات متوالية فى سلم واحد (1) .

واذا كان المقصود الاساسى بأدب التراث هو ذلك الادب الذى يحافظ على الخصائص الادبية الاصيلة والذى يمتد من العصر الجاهلى حتى نهاية العصر العباسى تقريبا ، فان ذلك لا يعنى أن الادب الجيد الذى أتى بعد ذلك خارجا عنه ، أو أن هناك فراغا بين القديم الاصيل وبين الحديث الجيد الذى يحافظ على التقاليد الاصيلة للقديم .

فالقديم والحديث اذا كانا يسيران فى اتجاه واحد ويحافظان على نفس خصائص الاساسية فانهما لا يعدوان أن يكونا مجرد تسمية زمنية ليس الا . ومن شأن الادب الجيد الذى تتوفر فيه الخصائص الادبية الاصيلة أن يفرض نفسه وينال الاحترام مهما كان عصر قائله . فالبارونى وحافظ وشوقى ومن جرى فى مضمارهم ، على الرغم من أنهم من المحدثين و كانت لهم تجديداتهم الكثيرة فانهم ساروا فى نفس النهج القديم ورجعوا بالشعر الى أساليبه القديمة الرصينة وديباجته المشرقة وألفاظه الجزلة المتينة وبنائه المحكم وموسقاه الرائعة الحلوة الساحرة وتخففه من البديعيات المتكلفة والمبالغات المفرطه ومن غير ذلك من أوجه الضعف التى أصابت الشعر العربى طيلة أربعة قرون فى عهد المماليك .

4 - مدى اتصال الادب العربى المعاصر بالتراث وأسباب تخفف بعض       المعاصرين فى علاقتهم بالتراث :

ونحن اذا تصفحنا أدبنا المعاصر وحاولنا الحكم عليه من حيث صلته بالتراث بالمفهوم السابق الذى ذكرناه لهذا التراث ، فاننا نجده ينقسم الى قسمين رئيسيين : قسم يحافظ على تقاليد التراث وخصائصه ويجعل تجديداته سواء فى الموضوع او فى الشكل فى اطار هذه التقاليد والخصائص الموروثة ، وقسم آخر يسير فى تيار الثورة على التراث والتقليد المتعمد لاتجاهات وأساليب الادب الغربى والاخذ بمفهوم الحداثة وبخصائصها وملامحها التى أشرنا أو ناقشنا أهمها فى فقرة سابقة من هذه الكلمة ، وبين هذا القسم وذاك يمكن أن توجد أقسام اخرى تختلف فى درجة قربها أو بعدها من التراث .

وبالرغم من ان القسم التقليدى لا يزال قويا ولا يزال المقبول من الغالبية العظمى من أفراد الشعب العربى خاصة جيل الكبار وذوى الثقافة العربية الاصيلة لانه يخاطب عواطفهم وينفذ الى أذواقهم ويعكس خصائص أمتهم وثقافتهم العربية الاصيلة فان القسم الحديث المقلد للاتجاهات الغربية فى مفهوم الحداثة والمعاصرة بدأ يأخذ طريقه ويتخذ بعض الانصار له ، خاصة في بعض الاقطار العربية المعينة وبين بعض الشباب وبين المثقفين ثقافة غربية ، وبالنسبة للأدباء العرب السائرين فى هذا الاتجاه الجديد فان صلتهم بالتراث الآدبى العربى وما يحمله هذا التراث من صور وأوزان وقواف وخصائص وتقاليد بدأت تضعف كثيرا وبدأنا نجد منهم بين الحين والآخر من يتحامل

منزلتنا ، وقعدنا بالامانة التى حملناها وحملناها لكى نحقق استمرارية الخلق فى الكون ابدا من نبع الكيان ؟

بل أليس من الجلى ايضا اننا لا نستغنى عن ذلك التفكير وذلك الادب حتى لحياتنا اليومية فى أخص يوميتها ولجميع اعمالنا ومواقفنا فى الميادين الساسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية ؟

وغنى عن الشرح والتدليل أن عالمنا الحاضر تتقاسمه مذاهب متصارعة متنافسة ونظم اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية متناقضة كالشيوعية ونقائضها ، وأن الاختلاف بين هذه النظم وتلك المذاهب قائم على اختلاف النظريات فى ماهية الانسان وقيمته ومنزلته . اذا كنا مثلا نقول باصالة الوجود الذاتى والقيمة الذاتية للانسان فانه لا يسعنا أن نرضى بادماج الفرد فى المجتمع اندماجا آليا وانسحاقه وتلاشيه فيه تلاشيا فنائيا على الطريقة الشيوعية .

ونحن نعلم ان هذه القضية . قضية علاقة الفرد بالمجتمع والصلة الجدلية بينهما ككائنين حيين - قد جرت الحضارة الغربية فيهما فى القرنين التاسع عشر والعشرين على مذاهب شتى منها ما يقول : ان الانسان هو كائن اجتماعى قبل كل شئ أى انه ذرة أو خلية أو وحدة من الذرات أو الخلايا أو الوحدات التى تكون المجتمع وان كيانه لذلك كيان اجتماعى أو جماعى قبل ان يكون وجودا فرديا ذاتيا . وأن الانسان من أجل ذلك يكفيه المجتمع ويقدر منزلته على وجه من وجوه التكييف والتقدير .

وينتج عن هذا ان المجتمع أو الامة أو الوطن ومصلحتها العليا هى الاصل والفرد فرع خاضع لها ، اهميته ثانوية ومنزلته منزلة العنصر المركب أو الخلية الاولية . ويقابل هذه النظرية نظرية الفردية القائلة بان كل قيمة هى فى الانسان الفرد أى فى (( الانا )) وقد يغلو اصحاب هذه النظرية فيجعلون الفردية انانية ويحصرون وجود الانسان فى ذاته وحدها وفى حياته الباطنة لا يداخلها اى عنصر اجتماعى خارج عن الذات نفسها .

أما نحن معشر العرب المسلمين فأين موقفنا ومذهبنا في هذه القضية الآن؟

أنقلد غيرنا فنأخذ باحد هذين المذهبين المتناقضين ونكيف بحسب فلسفته مجتمعنا على الشكل الشيوعى المفنى لشخصية الفرد فى المجتمع ونسير بعد ذلك فى سياستنا واقتصادنا وحلنا للمشاكل الاجتماعية على هدى ذلك المذهب ؟

على التراث ، وعلى الشعر العربى القديم واللغة العربية بالذات وينعتهما بالتحجر والجمود والتكلف والوقوف حجر عثرة فى سبيل التحرر والانطلاق في التعبير عما فى نفس الأديب بعيدا عن التكلف والتزويق ، ويدعو فى نهاية المطاف الى التحلل من تقاليد الأدب القديم وخصائصه فى الشكل والمضمون والى التحرر من قواعد اللغة العربية .

واذا ماحاولنا البحث عن الاسباب الحقيقية التى تكمن وراء هذا التحامل والعداء ضد التراث أو على الاقل اتخاذ موقف غير متحمس له ، فاننا نجد ان من أهم هذه الاسباب مايلى :

أ) جهل هؤلاء المجددين على الطريقة الغربية بأدب التراث ، وقلة محفوظهم الواحد منهم لا يقف عند حفظ القدر الكبير من جيد الشعر ، بل يحاول فهمه وهضم ما فيه من مفردات وتراكيب وأساليب وتشبيهات وكنايات وصور فنية وخصائص أدبية ولغوية وبلاغية أخرى .

ب) ضعفهم فى اللغة وقلة زادهم من مفرداتها وأساليبها وقواعد نحوها وصرفها واشتقاقها وفقهها وبيانها ومعانيها وبديعها وعروضها . وهم بدلا من أن يعالجوا هذا الضعف بالدراسة وتكميل نقصهم فيها ، فانهم أخذوا يحملون على اللغة العربية ويتهمونها خطأ بالصعوبة والتكلف والتعقيد والجمود ، وبأنها ليست لغة حضارة ولا علم الى غير ذلك من الاتهامات .

وفاتهم أن العيب والضعف ليس فى اللغة العربية نفسها ولكن فى أصحابها الذين عزلوها . فلو أخذ أصحاب اللغة العربية بيدها وأدخلوها الى مجال العلم وعالجوها وتناولوها وماسوها بلغة العلم لاستطاعوا أن يصلوا الى لغة علمية قادرة على التعبير العلمى بمرور الزمن .

جـ ) البلبلة والحيرة والقلق ، وعدم وضوح الرؤية ، وطغيان القيم المادية والمصالح الاقتصادية ، وغزو الثقافة الغربية باتجاهاتها ونزعاتها ومذاهبها الفكرية والفلسفية والاقتصادية واهتزاز القيم الموروثة ، سواء أكانت أدبية أو غيرها التى أصبح الادب العربى يتعرض لها فتؤثر فيه وتجعله يفقد الثقة في نفسه وفى مجتمعه وفى تراثه ويقع فريسة فى تيار الثقافة الغربية المعاصرة باتجاهاتها ونزعاتها المنحرفة . وأكثر من يتعرضون لهذه العوامل المضعفة

أو نكيف مجتمعنا وسلوكنا السياسى على الشكل الفردى الانانى الذى يجعل المجتمع والامة ومصلحتها العليا دون الفرد وغاياته ومصلحته ؟

أما ان نقلد غيرنا فيكون ذلك عملنا واما ان نحاول ان ناخذ انفسنا بمذهب غير هذين المذهبين وان نجتهد فى السير حسب اعتقاد يكون أشد وفاء لحقيقة الانسان وشرف جوهره وخاصية ذاته وعلو منزلته فى الكون والمجتمع ، ويكون أقرب نسب وأوثق صلة رحم بأصول ثقافتنا العربيه الاسلامية وما فيها من عناصر صالحة لان نؤسس عليها نظرية طريفة فى الانسان ومصيره تكون خاصة بنا ويكون فيها للمنزلة الانسانية أرقى واسمى من التى حطتها اليها المدنية المادية الرأسمالية والشيوعية على حد سواء .

11- تلك هى المسؤولية المصيرية التى تفرض علينا تحديات العصر أن نضطلع بها بعزم وصدق قبل ان تدور عجلة التاريخ الذى يدين ولا يرحم ، واقوم سبيل الى قيامنا - نحن معشر الادباء - بتلك المسؤولية هى أن تنبنى مساعينا على الايمان الخالص بأن وظيفة الادب الانسانية هى ان لا يكون المجرد المعبر أو الواصف أو العاكس لاحوال الانسان أو المجتمع بل ان يكون قبل كل شئ البوتقة التى تنصهر فيها بالنسبة لاى قوم ولاى مجتمع الثقافة التى هى المقوم الحضارى لكيان الافراد والجماعات . وأن (( الانتروبلوجيا )) الحديثة تقول إن الثقافة بالنسبة للفرد وللمجموعة هى من حيث حقيقتها جملة القيم والرؤى والمفاهيم والمبادىء والاختيارات الفكرية والاخلاقية التى يبدعها افرازا من صميم عبقرية أى فرد أو أى مجتمع بشرى ليستند عليها فى سعيه الصانع الخلاق .

وهى من حيث ظواهرها جماع ما يتخيله ويريده ويضنيه ويكسبه البشر بالجهد الفردى أو الجماعى ويصوغون فيه حياتهم المادية والفكرية والروحية والاقتصادية والاجتماعية فى ظرف معين من الزمان والمكان .

ويمكن تلخيص هذا التعريف للثقافة فى أنها ظاهرة (( للجدليه التاريخية )) على حد ما يفهم الفيلسوف الالمانى (( هيجل )) من الجدل الذى هو مشروع وشرعة معا واتجاه نحو المستقبل ودفق من الارادة الحيوية والفعل الخلاق الناحتين لكيان الانسان ومغامرته الوجودية فى الكون فردا وجماعات .

وعلى ضوء هذا - وتلك آخر خاطرة أريد أن أشاطركم إياها - فانه يبدو ان واجبنا واضح وأن وجه الاحالة والصلاح فى قيامنا برسالتنا الادبية أوضح

للثقة بالنفس والتراث هم من ناقصى الثقافة الاسلامية العربية والمرتمين فى أحضان الثقافة الغربية بدون ضابط ولا وعى .

د) الصعوبات والعيوب والمشاكل التى تكمن فى اللغة العربية نفسها والتى لها جذورها التاريخية القديمة ، وذلك ان الذين درسوا اللغة العربية فى بداية الامر درسوها كما لو كانت شيئا واقفا ، كما لو كانت وحدها فى الميدان ، ووضعوا قواعدها فى تاريخ محدد ، وانتهوا بالاستشهاد بموت ابراهيم بن هرمة سنة 151 ه ، واعتبروا كل ما جاء بعد ذلك مولدا لا يصح الاستشهاد به ولم ينظروا إلى اللغة العربية على أنها امتداد لنفسها وامتداد الى اخواتها الساميات فى القديم . ولعلهم لو نظروا فى اللغات السامية الاخرى أو نظروا فى اللغة العربية نفسها فى فترات أسبق لاستطاعوا أن يتوصلوا الى حل كثير من المشكلات الصوتية والنحوية والصرفية التى ترجع الى تاريخ قديم، كما انهم غلبوا اللهجة ولم يعطوا عناية كافية لبقية اللهجات العربية ، ولجؤوا الى القياس المنطقى ، مع أنه ليس هناك علامة متبادلة تامة بين المنطق وبين اللغة ، حيث أن لكل لغة منطقها الخاص بها ، ولو كانت اللغات متمشية مع المنطق العام تماما لاستوت اللغات فى كثير من المسائل . وهذا غير موجود كما نعلم . وكان من نتائج استخدامهم للقياس المنطقى فى اللغة أنهم لجووا الى قضية الاستتار ، وقضية التأويل والحذف ، وما الى ذلك .

ه ) اغراق الشعر الجاهلى الذى يكون ركنا هاما فى التراث فى الشكلية والتشابه الكبير فى التقاليد ، ان لم يكن وحدتها تماما . ومن التقاليد الشكلية التى كان يتمسك بها الشاعر الجاهلى والتى لم يعد هناك معنى للتمسك بها فى العصر الحديث : المرور على المنزل ، والبكاء على الاطلال ، والتغزل بالحبيب ، ووصف الليل والخيل ، ووحدة البحر والقافية فى القصيدة الواحدة ، واستقلال كل بيت وانفراده ، عما قبله وعما بعده ، الى غير ذلك .

وقد رأى الشاعر العربى الحديث المتحرر فى مفهومه للحداثة فى ذلك الاغراق فى الشكلية وفى التقيد بوحدة البحر والقافية واستقلال كل بيت عن الآخر فى القصيدة منافاة لروح العصر الحديث ولمبدأ الصدق فى التعبير الذى يفرض على الاديب ألا يقول الغزل الا اذا كان محبا فعلا والا يمدح وهو يعلم ان الشخص الذى يمدحه لا يستحق المديح وألا يرثى وهو لا يشعر بأدنى ذرة من الحزن في قلبه ، وهكذا .

اننا مطالبون بعبقرية جديدة ومطالبون بنبوغات حيوية على صعيد التاريخ بأن ننشئ الحياة ونعيد بأن نصنع المصير الافضل . بأن نخلق الانسان الجديد فينا ليقوم داعية ومثالا لبعث انسان جديد بين العالم . ومطالبون بأن نجدد معجزة حضارتنا التى كان مبدؤها المعجزة المحمدية .

وبعد - أيها الاخوة الكرام - فانى لست اجد لاختتام كلامى خيرا من هذه الابيات من شعر محمد اقبال ( فى ترجمة الدكتور عبد الوهاب عزام ) يخاطب بها الاديب ( أو كما يسميه صيرفى القول ) :

(( صيرفى القول ان تبغ النجاة    فاجعلن معيارها نار الحياة )) (( نير الفكر يقود العملا          مثل برق قاد رعدا جلجلا )) (( من بفكر صالح فى الادب     ارجعن يا هاج شطر العرب ))

افلا تخالون الشاعر - يا معشر ادباء العرب - اياكم يعنى بهذا النداء وما فيه من حرقة وصبوة ومحبة بمثلها افئدتكم زاخرة ملاى وتزيدون عليها ان شاء الله عزمة المؤمن وحزم المريد . (( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون )) .

وفى تصور الشاعر العربى السائر فى الاتجاه الغربى أن التقيد بوحدة البحر والقافية وبعدد معين من التفعيلات يحول بينه وبين الانطلاق على سجيته، وان استقلال كل بيت فى القصيدة وانفراده وما يترتب على ذلك من تعدد الموضوعات فى القصيدة الواحدة أصبح لا ينسجم مع طبيعة القصيدة الحديثة التى ينظمها الشاعر كوحدة متطورة متماسكة ذات موضوع واحد وتجربة معاشة .

وكل ذلك جعل الشاعر العربى السائر فى اتجاه التجديد يتخفف من علاقته بشعر التراث ، وربما يشتط فى نقده والتحامل عليه .

و ) مبالغة بعض الشعراء المتأخرين فى التزويق اللفظى والترصيع بالمحسنات البديعية التى تصل بالشعر الى درجة التفكك الممقوت الذى لا يقبله منطق الادب الحديث الذى يرى فى الشعر على أنه موهبة وليس مجرد صنعة وأنه مضمون وفكرة قبل أن يكون شكلا ، ويكاد الادباء المحدثون يجمعون على استهجان ما امتلأ به أدب المتأخرين من الوان البديع المتكلفة التى لا غرض من ورائها غير الزينة والزخرف وروعة السامعين وجذب انظارهم اليها وبها ، وغير اظهار بلاغة الشاعر وبراعته اللغوية . ويعتبر هؤلاء المحدثون أن خير الكلام ما خلا من الصنعة المتكلفة (( وائتلفت الفاظه والتقت معانيه ، وكان قريب المعنى ، بعيد المرمى بريئا من وصمة التكلف ومن عشوة التعسف ، غنيا عن مراجعة الفكرة .

ومن واجبنا أن ننبه الى أن هذا الانتقاد وان صدق بالنسبة لادب بعض المتأخرين فى عصر المماليك فانه لا يصدق بالنسبة لشعر القدماء من جاهليين واسلاميين وأمويين وعباسيين الذين كانت الصنعة والتحسينات فى شعرهم تأتى طبيعية غير متكلفة . ومن واجب أدبائنا المحدثين أن يفرقوا بين الصنعة والتكلف . فالصنعة لا بد منها فى كل عمل فنى يقترب من الكمال ، يزاولها الفنان فتكون من تمام جمال الفن . ولقد كان زهير يأخذ شعره بالصنعة اذ كان يعاود حولياته بالتنقيح والتثقيف . وتعاقب بعده شعراء تناولوا اشعارهم بالصنعة والتحسين كالحطيئة وبشار وغيرهما ، حتى كان مسلم بن الوليد وأبو تمام وابن المعتز فالتفتوا الى المحسنات اللفظية والمعنوية وحسن موقعها من الكلام فاتخذوها فى صناعتهم الشعرية قصدا ، وكثيرا ما كانت تواتى اسلافهم عفوا ومن فيض الخاطر .

ولا ينبغى أن يغض المتكلف المرذول من قدر البديع المحكم الصنع . فما البديع الا مادة زينة كالذهب والازهار ، يختلف المزين بها باختلاف الصناعة والتنسيق . وهنا يكمن الحد بين الصنعة والتكلف ، وكيف نحمل على التخلى من الصنعة فى الآثار الادبية ؟ أليس اختيار الالفاظ واحكام النسج وترتيب الافكار والمعانى صناعة ؟ ولو تخلينا عنها لما استقام للشعر وزن ولا اطردت له قافية (1) .

بعض هذه الاسباب التى من أجلها يتخفف الادباء المحدثون المتحررون فى علاقتهم بالتراث وهذه بعض الانتقادات التى يوجهونها الى هذا التراث . وفى انتقاداتهم لادب التراث بالذات من التعميمات والمغالطات المقصودة وغير المقصودة ما لا يحصى ، ليس الخلط بين أدب التراث فى عصر ازدهاره وبين أدب عصر المماليك المتخلف ، والخلط بين الصنعة الطبيعية المحمودة وبين الصنعة المتكلفة المعابة الا بعض هذه المغالطات .

5 - وجه الضرورة فى توثيق الصلة بين الادب العربى المعاصر والثرات :

ولكن مهما كانت الاسباب التى من أجلها يتخفف بعض الادباء المحدثين فى علاقتهم بالتراث أو يحاول التخلى عن هذا التراث كلية ، ومهما كانت الانتقادات التى يوجهها هذا البعض الى التراث ، فانه لا غنى للادب العربى المعاصر - اذا أريد له أن يحافظ على أصالته وشخصيته العربية الاصيلة وعلى شخصية الامة التى ينتمى اليها من الناحية الثقافية والروحية بالذات - من أن يوثق صلته بالتراث العربى القديم الاصيل والسليم ، لان توثيق هذه الصلة ضرورة قومية ودينية وثقافية وأدبية فى آن واحد . وليس فى هذه الصلة أو العلاقة القوية المتينة ما يحد من قدرة الاديب الاصيل الموهوب والمتمكن من أدواته اللغوية والفنية على الخلق والابداع ، أو من قدرته على الانطلاق فى التعبير ، او من قدرته على علاج أية قضية من قضايا مجتمعه وأمته وطرق كل جديد فى عصره، أو من تفتحه على الآداب الانسانية والثقافات الاخرى ، أو من تطوير أدبه وانمائه .

ولنكون أكثر تخصيصا ووضوحا فى بيان ضرورة اتصال الادب الحديث بالقديم الاصيل السليم وبيان أهمية هذا الاتصال ، فاننا نذكر بايجاز الاسانيد والمدعمات التالية :

أ ) ان تراث الامة فى أى ضرب من ضروب المعرفة والفن من أنفس ما تملكه ومن خير ما تركه السلف من ثقافة وحضارة . ان هذا التراث مصدر ثرى وينبوع دافق لا يمكن لاى متدارس - سواء انصف أو لم ينصف تجاهله ، لانه أحد خصائص هذه الامة الكبرى . واهتمام الامة بتراثها يزداد ويشتد بعد ان تلتفت الى نفسها ، وتتمركز نظراتها ، وتنفتح آمالها ، وتزدهر مطامحها القومية (1) .

ولهذه الاهمية التى يحتلها التراث من الناحية القومية ، فانه من واجب أدباء الامة في كل عصر أن يحافظوا على قراءته وحفظه وفهمه وهضمه والتفاعل معه والاقتباس منه ومعارضته ومحاكاته ومباراته لمحاولة بزه والتفوق عليه واعتباره نقطة البداية فى تطوير وتجديد أدبهم ، وذلك كما فعل شوقى وغيره من أدبائنا وشعرائنا المحدثين الجيدين . فتقليد شوقى - مثلا - للاقدمين (( لم يكن يعنى - ( كما يقول الدكتور شوقى ضيف ) - التخلف ، وانما كان يعنى التفوق . فما يزال يحرر فى المعنى ويولد فى الفكرة حتى يستخرج الدرة اليتيمة . فتقليد شوقى ليس معناه العفن ،، وانما معناه القدرة على الخلق والابداع . فما يزال بالمعنى أو الفكرة حتى يحولها الى ملكه وحتى يضرب عليها طابعه ، وما يزال يتخذ من صياغة الشعراء صياغة جديدة له منهم وليست ملكهم ، وانما هى له ومن صنعه . ولا يجور على القوالب والاصول والاوضاع القديمة ، ومع ذلك فهو صاحبها ، وهى ذات كيان حى .. الفن ، وحتى لا يضل طريق الشعراء النوابغ التى سلكوها امامه فى لغته ، فيجرى فى نفس الدروب على هدى سابقيه ، ثم يحاول ان يبتدع المثال النادر،

وهذا هو التقليد الحى . فهو ليس تحجرا ولا جمودا ولا تعفنا ، وانما هو تغلغل وتعمق فى التقاليد الفنية الموروثة ، حتى لا يضرب الشاعر فى متاهات

بعد ان يكون تعرف تعرفا كاملا عل كل ما صاغه اسلافه ، اذ رآه رؤية صحيحة ، فى اعظم ما يكون من النور والضياء )) (1)

ب ) ان قراءة الادب القديم السليم فى أسلوبه وفى معناه فى غاية الاهمية للاديب المعاصر ، لدرجة اننا لا نتصور أن شاعرا عربيا حديثا يمكن ان يبنى صرحا فى الشعر الاصيل ما لم يقرأ قراءة ترو وفهم واستيعاب وتمثل واستلهام وتذوق أدب التراث الاصيل ويزود نفسه منه ما استطاع الى ذلك سبيلا ، لان هذا الادب الاصيل هو الصورة المثلى للعربية الموحدة . والصورة المثلى للنطق ، والصورة المثلى للقراءة الجيدة . وما كان البارودى وشوقى وحافظ ابراهيم واحمد رفيق المهدوى وغيرهم من فحول شعرائنا المحدثين ان يصلوا الى ما وصلوا اليه من جودة الشعر لولا قراءتهم واستيعابهم لشعر الشعراء القدماء المجيدين من أمثال أبى فراس وأبى العلاء المعرى وأبى العتاهية والعباس ابن الاحنف والبهاء زهير ، والمتنبى وأبى تمام والبحترى والمهلبى وابن الرومى والشريف الرضى وابن زيدون والبوصيرى وغيرهم من شعراء التراث الذين يمثلون الشعر العربى فى أزهى عصوره وصوره .

والاديب المعاصر برجوعه الى أدب التراث واستيعابه يستطيع الاحتفاظ بقيم الماضى مجردة من المصالح ، ويربط الحاضر والمستقبل بالماضى ، وينمى موهبته الادبية وذوقه الادبى وملكته النقدية . ولهذا كان من حكم الاوائل قولهم (( اكتبوا احسن ما تسمعون ، واحفظوا أحسن ما تكتبون ، وتحدثوا بأحسن ما تحفظون )) .

ومما رآه الاستاذ أحمد الزين أحد رواد الحركة النقدية الادبية فى هذا القرن الامران التاليان :

(( الامر الاول : ان الذوق الادبى وملكة النقد الفنى انما يخلقان وينموان فى نفوس المتأدبين بكثرة ما يحفظون فيما تركوا ، ثم يدأبون على تطبيق ما لم يسمعوا على ما سمعوا وقياس ما لم يعلموا على ما علموا . وهكذا حتى تصبح

ملكتهم قادرة على ابتكار ضروب من النقد لم يسبقوا اليها وطرق جديدة فى تمييز الكلام لم يدلهم عليها أحد .

الامر الثانى : ان الفساد والضعف فى الشعر الحديث يرجعان الى عدة أسباب أقواها أن ناشئة الشعراء فى هذا العصر لم يرجعوا في تعلم الشعر الى مصادره التى منها بعث وفيها شب واكتهل . فلم يقرؤوا من شعر الفحول المتقدمين الا قليلا ، ولو فعلوا لا كسبهم ذلك الشعر تقويما لالسنتهم وتحسينا واضحا فى أساليبهم وحياة قوية فى عباراتهم وتعلموا من ذلك الشعر كيف يبرزون احساساتهم وعواطفهم واخيلتهم فى صورة واضحة الدلالة بينه المعالم لا غموض فيها ولا التواء ، لكنهم رجعوا فى تعلم الشعر الى ما ينشر فى الصحف كل حين من شعر الضعفاء ، وطبيعى أن الفرع أضعف من الاصل . . )) (1)

جـ ) ان توثيق الصلة بالتراث فيه أكبر دعم للغة العربية الفصحى التى تعتبر اللغة العامة والمشتركة التى يفهمها العرب جميعا على اختلاف أماكنهم وبيئاتهم ، واكبر عون على توحيد اللغة العربية والتقليل من الصيغ اللغوية المختلفة أو من شتات اللهجات العربية الكثيرة والتقريب بين هذه اللهجات . فقد كان الادب على الدوام وسيلة من أهم الوسائل لتوحيد اللغة والتقليل من شتات اللهجات العربية وتقريب الهوة بين اللغة المنطوقة واللغة المكتوبة. ودوره اليوم فى هذا التوحيد أشد ضرورة وأكثر خطورة ، وذلك فى وقت أخذ فيه التحسس بالقومية العربية يقوى ويشتد . وبطبيعة الحال ان اللغة العربية هى أبرز مظهر من مظاهر القومية ، بل هى رمز القومية ومقومها الاساسى وأوثق رباط بين الناطقين بها ووسيلتهم الوحيدة فى التفاهم على اختلاف اقطارهم وكياناتهم المصطنعة .

واللغة التى لها هذه الاهمية هى اللغة العربية الفصحى لانها هى اللغة المشتركة التى يفهمها الجميع . ومن واجب فنانينا وادبائنا العرب أن يكتبوا فنهم وادبهم باللغة العربية الفصحى ولو البسيطة السهلة ، لان هذا ليس فى صالح وحدتنا اللغوية وحسب ، بل هو أيضا فى صالح وحدتنا الفكرية والسياسية والنفسية ، لان اللغة ليست مجرد الفاظ مرصوفة وليست مجرد

وسيلة اتصال ، بل هى علوم وآداب وعواطف مصوغة فى الفاظ . وهى قبل هذا وبعده لغة الدين الاسلامى والوعاء لشريعته الغراء .

واذا كان للغة العربية الفصحى ما ذكرنا من الاهمية فانه لابد من الحرص عليها فى أغانينا ورواياتنا ومسرحياتنا وأشعارنا . ومن الخطأ الفادح أن يلجأ أدباؤنا وفنانونا الى كتابة انتاجهم الفنى والادبى باللغة العامية بحجة ان اللغة العامية أقرب الى ذهن السامع والرجل العادى هو يريد أن يفهم الاغنية او القصة او المسرحية ، أو غير ذلك من الاعمال الفنية . (( ولكن ثبت أن هذا الكلام ضعيف ، لانه كتبت قصص وكتبت مسرحيات باللغة الفصحى ، وحتى فى الشعر كما فى مسرحية شوقى وعزيز اباظة ، كتبت بالشعر الراقى السليم، وفهمت . فالقضية قضية التثقيف اللغوى العام فى البيئة المعينة ، كيف نصل الى هذا التثقيف اللغوى ؟ هذه قضية المعلمين والمتعلمين جميعا .

وهناك لغة سهلة مبسطة مثل الخطب المنبرية التى رغم ثقلها احيانا لان الخطيب يأخذ طريقا معينا فى الالقاء وأسلوبا معينا فى التعبير ، الا ان الناس يفهمونها . فهناك أساليب عربية سليمة فصيحة ، سهلة ، مبسطة ، يمكن أن يفهمها الرجل العادى ، ثم الرجل العادى يجب أن نرفعه لا ان ننزل الى مستواه ، فنأخذ بيده ، نعطيه جرعة من كلام فصيح سهل فى البداية ، ثم نرتفع بهذه اللغة الى ان نصل الى الفصحى المبسطة )) (1)

والتخلى عن العربية الفصحى انما هو رجوع بالفكر العربى الى حالة السذاجة والجهل التى كانت عليها الامة فى أوائل نشأتها . وهو دفن لتراث الامة التليد وقطع لتاريخها المجيد (2) .

والدعوة الى تغيير الابجدية العربية لا تقل فى خطورتها وضررها على التراث عن الدعوة الى استعمال اللغة العامية فى كتابة الفن والادب . فتغيير الابجدية العربية فيه تغيير ضمنى للتراث العربى ، (( لانه لو وضعنا أبجدية جديدة

الآن ، لابد أن ننظر فى التراث ، فاما أن نعيد كتابته ، واما ان نعلم الناس نوعين من الابجدية يقرؤون بواحدة القديم ويقرؤون بالاخرى الحديث .. واعلم أن الابجدية العربية خير أبجدية على وجه الارض العربية .. هذه الابجدية العربية صالحة لان يكتب فيها القطرى لهجته والمصرى لهجته ، الخ . ففيها من المقومات ما حرمت منها الكثير جدا من الابجديات ، وما زالت الى حد كبير تمثل النطق بصورة واضحة جدا )) (1) .

اشترك في نشرتنا البريدية