قد يظن البعض ان علم التربية واصول التعليم وقف على فريق من الناس وضعوا نظرياته وألفوا قواعده واصطلحوا على أساليبه ومناحيه مستوحين ذلك من دراسات وتجارب خاصة ، أو مسترشدين بآراء العلماء النفسيين الذين سبروا أغوار النفس ، ووقفوا على اسرارها ، وعالجوا مذاهبها ، وهذبوا نزعاتها وقد يكون فى ذلك شىء من الحقيقة ، الا ان الجزم به على اعتبار أنه قاعدة لا تقبل المناقشة أو تحتمل التغيير والتبديل خطل وتجن على الواقع ، اذ قد عرف عن كثيرين ممن عاشوا فى اوساط لم ترج فيها المدارس المستحدثة ولم يدخلها التثقيف العصرى بكل وسائله وتطوراته واتجاهاته . . أقول : ان كثيرا ممن أنجبتهم الصحراء ولم يكتب لهم ان يريموها اثر عنهم فى هذا المضمار دروس هى فى الواقع من خير ما يهدى الى السبيل ويرتفع بمدارج التربية والتعليم إلى أوج الكمال ويخطو بها خطوات تقدمية ناجحة تؤتى أحسن النتائج وتثمر أجمل الثمار فى حدود خاصة ونطق معينة
ولست بصدد عرض النماذج وسرد القصص والتحدث عن اتجاهات أولئك الموهوبين وطريقتهم فى التربية وما يرسمونه فى مجالات التثقيف والتهذيب ، غير أنى - وقد طرقت الموضوع - سوف ألمع الى مثل واحد يوقفنا على مبلغ ما وصلوا اليه من النضج وكمال المعرفة وتمام الحصافة وصحة التجربة فى دنيا التثقيف ومناحى التعليم والتهذيب ، وهذا المثل يشمل ضروبا من ألوان
التوجيه حظى بها فريق من ابناء هذا السلك ممن اشتغلوا به ردحا من الزمن على ضوء آراء المربين ، وما سطروه من كتب ومذكرات فى المتناول
أما صاحب التوجيه فهو الامام الراحل عبد العزيز طيب الله ثراه . فلقد كان اول ما رسمه لتثقيف انجاله ان طلب الى مدير المعارف أن يضع بالاشتراك مع احد مستثارى جلالته منهجا للدراسة يغرس فى انجاله الروح الدينية لتهيمن على نفوسهم ، ونص على تفسير القرآن بالذات قائلا : أريد أن يفهم أولادى معنى ما يقرؤون من القرآن ليكون ذلك ادعي الى العمل فالعلم بلا عمل لا فائدة فيه . ثم التفت الى المدرس الاول فى المدرسة موجها اليه اليه خطابه قائلا : ) نحن عرب ندرك بفطرتنا ما لا يدركه غيرنا ، البسائط من الامور لا تعتنوا بها . اسمع هذا المثل : " البقرة خلقها الله بشكلها المعروف لها أرجل ورأس وغير ذلك فنعلم شىء عن البقرة أكثر من هذا ضياع فى الوقت وحرمان من الفائدة اعتنوا باللباب واتركوا القشور "
وتلك نظرية من أروع النظريات فى أصول التربية يرشد اليها الراحل العظيم على سجيته دون درس وتعمق وفى غير فلسفة وتعسف .
وعندما تهيأت الاسباب واكتمل الترتيب لفتح المدرسة استدعى الأمام المدرس الاول فى مجلس خاص وتوجه اليه بقوله : " انا اعلم انك شديد على العيال ، وبلغني انك ضربت فلان بن فلان يعنى احد افراد الأسرة - وأنا أشير عليك أن لا تضرب العيال من أول مرة لأنهم ينفرون منك اذا درجوا فى فى القراءة والفوا المدرسة " واخمل " احدهم فأدبه ، واذا تأخر أحد منهم عن المدرسة ساعة أخره ساعتين ، واذا قصر فأخره حتى يكمل القاصر عليه ،
والامام بهذه التوجيهات يرسم أنجع طريقة للجزاء على أحدث ما نوه عنه أساطين التربية فيما دونوه وسطروه . وبد هى ان جلالته منساق الى هذا للتوجيه بفطرته وصائب حكمته وصادق تجربته
وابتدأت الدراسة فلحظ الإمام كثرة العلوم بالنسبة للطلبة المبتدئين فبعث إلى المدرسة رسولا يبلغها رغبته فى حذف اكثر الدروس التى تزاحم القرآن والاقتصار على كل ماله ارتباط به كدرس المطالعة والاملاء ، والعناية بهذه
الدروس أولا ثم تأتي بعد ذلك بقية العلوم شيئا فشيئا بالتدرج . . وهذه نظرية أدلى بها بعض المربين وأثبتت التجربة أنها خير من النظرية التى تكرب الطالب وتجهده بدارسة علوم مختلفة لا يتقن منها الا القليل
واستمرت الدراسة امدا طويلا وقطع فيها الطلبة شوطا كبيرا فى مختلف العلوم ، ودخل عليه احد أنجاله يحمل كتبه الدراسية ومن بينها مجموعة من كتب الدين والعلوم العربية والاجتماعية وأخذ يعرض على والده الكتب واحدا واحدا ، معتزا بالجهود التى صرفها فى الدروس والتحصيل ، وادرك الامام وجة الزهو التى كانت تغمر الطلب الصغير . . وفى الوقت الذى كان يرقب الابن كلمة التقدير يفتر عنها ثغر الوالد ، إذا به يرجع عليه كتبه قائلا :
" أنا لا اصدق أنك أصبحت طالب علم حتى أجلسك أمام العلماء يسالون وتجيب عما تسأل عنه . . فاضمحل الزهو وتضاءلت شخصية الابن امام كلمات والده وتصريحاته ، ولم يعد بعدها يفخر أو يعتز بمجهود صرفه أو نشاط بذله
ونظرية علماء التربية فى معالجة زهو الطالب وغروره تكاد تكون عين النظرية التى عالج بها الأمام الموقف
وقصة أخرى تشبه فى ظروفها هذه القصة ، عالجها الامام بنفس العلاج ولكن صاحب القصة فيها المعلم لا التلميذ فقد دخل على الامام وهو يحمل انموذج أول شهادة اصدرتها ادارة المعارف لطلاب مدرسة انجاله ويكاد المدرس يطير فرحا لبدو أول الثمار وظهور طلائع النتائج السارة . . وتناول الامام الشهادة وتملاها ، ثم التفت الى المدرس قائلا : " هذه شهادة النجاح من المدرسة فأين شهادة النجاح فى العمل ؟ هل علمت العيال علما مقرونا بالعمل ؟ "
وطأطا المدرس رأسه اعظاما لهذا الاتجاه ، وحار فى الاجابة اذا ان التعليم فى كل أدواره ومراحله نظرى لا يضمن النتائج ولا يحفز على التطبيق العملي .
أما حزم الامام مع أنجاله فى هذة الناحية فحدث عنه ولا حرج اذكر مرة انه خرج الى أحد ) المقائيص ( وكان مقررا ان تكون الدراسة ليلا ؛ وهبت فى احدى الليالي عاصفة هوجاء واستمر هبوبها مدة طويلة ؛ وفى تلك اللحظات تفقد أنجاله فألقاهم قد تأخروا عن المدرسة من جراء تعكر
الجو وهبوب الرياح ؛ فتوعدهم باقسى العقوبات ان لم يتلافوا التقصير بالذهاب الى المدرسة حالا ، وما كان منهم الا ان هرعوا إلى المدرسة وسط زمجرة الرياح وفي الظلام الحالك وغدت سياراتهم حجرأ للدراسة ؛ إذ إن العاصفة لم تبق على شىء من الخيام .
هذه صفحة مطوية من صفحات الأمام آثرت التحدث عنها لتسجل الى جانب ما للفقيد الراحل من صفحات خالدة وتسطر بمداد الذهب بين دفتى التاريخ ؛ لتحكى للاجيال طرقا جديدة واساليب ناجحة واتجاهات تربوية راشدة سطرها الامام بحذقه وواسع مداركه وبفهمه وعمق تجاربه وبعيد نظره ؛ متمشية مع أحدث النظريات فى هذا المجال
اسبغ الله عليه شآيب الرحمة والرضوان ومتع الأمة بحياة عقبه ووريث عرشه الملك الصالح سعود أعز الله به الدين والدنيا ، وكتب له التأييد وحسن العاقبة فى العاجلة والأخرى

