الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

توضيحات حول (( الشعر المرسل ))

Share

كثيرا ما تحدث المهتمون بالتطور الشكلى للقصيدة العربية ، عن لون من الشعر يسمى (( الشعر المرسل )) ، وهو شعر متخلص تمام التخلص من الروى والقافية أى ان كل بيت لا يشترك مع أبيات بقية القصيدة الا فى وحدة البحر , فهناك موسيقى موحدة ووزن قار من أول القصيدة الى آخرها بصدر وعجز على احد البحور الستة عشر ، لكن الشاعر (( يرسل )) أبياته ارسالا ، كما اتفق دون تقيد بروى او قافية .

وأشهر القصائد وأقدمها فى هذا الميدان ، قصيدة لجميل صدقى الزهاوى تتكون من عشرين بيتا من هذا النوع ، وهى مكتوبة على البحر الطويل بأضربه الثلاثة :

1 ) فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن          فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن 2 ) فعولن مفاعيلين فعولن مفاعلن         فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن 3 ) فعولن مفاعيلين فعولن مفاعلن         فعولن مفاعيلن فعولن مفاعى - ( فعولن )

وهذا نموذج منها :

اذا خلت الدنيا من النفر الالى                 أحب فؤادى ، فالسلام على الدنيا

أنا اليوم أمرى فى يدى ، غير أننى             احاذر من أن يخرج الأمر من يدى . . .

يرجى الفتى أن الثراء يعينه                      على نائبات الدهر حين تنوب ( 1 )

ونمضى القصيدة على هذا النحو من (( ارسال )) القافية والروى على (( الضروب )) الثلاثة المذكورة ، دون أى نظام ، ولا تقيد بضرب معين وحركة واحدة حتى بوحدة الحركة الاخيرة وربما تقيد البعض من أبياتها بشئ من ذلك صدفة .

وقد وجدت نماذج قليلة من هذا اللون فى الشعر العربى القديم ، ولكن الروضيين لم يروا ذلك لونا من ألوان التجديد والتطوير فى سبيل التخلص من قيد الروى ، بل عدوها عيبا عروضيا سموه (( الاكفاء )) (  وقع . . . لبعض من لا يحفل به من العرب الذين كانت بضاعتهم فى الشعر مزجاة ) على حد تعبير حازم القرطاجنى ( 2 ) ويعود ذلك إلى عدم تمييزهم بين الحروف ، لانهم لم يكونوا يعرفون الكتابة ، فقد قفى أحد القدماء أبياته بالكلمات التالية مثلا : قليل - ذميم - تدور - نجيب  وحافظ على حركة الضم فى آخرها ظنا منه انها موحدة الروى .

وقد حاول الدارسون المهتمون بهذا اللون من الشعر أن يعرفوا أول المبتكرين له فى العصر الحديث ، وكنت أعتقد أن الزهاوى هو رائد هذه الطريقة , ثم اطلعت على قصائد لعبد الرحمان شكرى ونماذج أخرى للدكتور أحمد زكى أبى شادى ، خاصة فى ديوانه : (( الشفق الباكى )) واذا كان الزهاوى قد اكتفى بتلك القصيدة , رغم أنه تحمس لهذا اللون من الشعر وكتب مدافعا عنه ، فان الشاعرين : شكرى وأبا شادى قد أكثرا من كتابة (( الشعر المرسل )) المتحرر من الروى ، والقافية .

وقد تدخل عباس محمود العقاد فى هذا الموضوع فكتب حول تحديد الشاعر الذى بدأ بكتابة الشعر المرسل فقال : (( . . . والذى أذكره , على التحقيق ان الابتداء بالشعر المرسل , فى العصر الحديث محصور فى ثلاثة من الشعراء لا يعدوهم الى آخر ، وهم : السيد توفيق البكرى وجميل صدقى الزهاوى وعبد الرحمن شكرى ، ولكنى لا أذكر ، على التحقيق , من منهم البادئ الاول قبل زميليه ، ولعلى لا أخالف الحقيقة حين أرجح أن البادئ الاول منهم هو السيد توفيق البكرى فى قصيدته : (( ذات القوافى )) , ثم تلاه الزهاوى فى قصيدة نشرت (( بالمؤيد )) فعبد الرحمان شكرى فى قصائد شتى نشرت بالجريدة وجمعت بعد ذلك فى دواوينه ( 3 ) .

ومنذ ان كتب العقاد هذا الكلام والدارسون لحركة التطور الشكلى للقصيدة العربية يشيرون الى قصيدة السيد توفيق البكرى (( ذات القوافى )) على أنها أولى قصائد الشعر المرسل ، وعلى أن صاحبها هو رائد هذا اللون من الشعر ، وتخلى الكثير عن اعتبار الزهاوى رائدا لهذا الشعر .

وقد عدت الى قصيدة (( ذات القوافى )) فى كتاب (( صهاريج اللؤلؤ )) للسيد محمد توفيق البكرى ( 4 ) فاكتشفت أننا جميعا كنا تحت تأثير هذه الكلمة الخاطئة للعقاد ، لان قصيدة (( ذات القوافى )) لم تكن من الشعر المرسل . بل هى (( ثنائيات )) التزم فيها صاحبها (( قافية ورويا )) فى كل بيتين على نمط بعض (( الرباعيات )) وبالتحديد على نمط تعريب الشاعر ابراهيم العريض الرباعيات الخيام ، التى اختار لها البحر المتقارب مثل قصيدة السيد البكرى التى نحن بصددها .

ونعود الى قصيدة السيد توفيق البكرى فقد قدمها الشارحان لهذا الكتاب الشيخان احمد بن أمين الشنقيطى وابو بكر محمد لطفى المصرى - بهذه الكلمات :

(( يظن بعض الناس ان الشعر هو كما قيل فى تعريفه : ( الكلام الموزون المقفى ) . وهو ليس كذلك ، بل الشعر هو كما قال صاحب السماحة المؤلف ( 5 ) فى وصف أحد البلغاء الحكماء فى أول رسالة من هذا الكتاب وهى رسالة القسطنطينية وهو قوله : (( قد بذل الاوائل والاواخر . شاعرا الا انه فيلسوف وفيلسوف الا انه شاعر . فكره عالم الحقيقة والمثال لان الفلسفة شعر الا أنها حقيقة والشعر فلسفة غير أنه خيال ) وانما (( الكلام الموزون المقفى )) هو المحل المختار الذى يسكنه الشعر . ومن ألطف تعبيرات العرب تسمية هذا المحل ( بالبيت ) فيقولون : بيت الشعر الذى يسكنه . وقلت : المحل ( المختار ) لان الذى جرى عليه الاختيار من قديم هو وضع كثير من الشعر فى ذلك المحل ، وهى ( الأوزان الموسيقية ) على أن معظم الشعر وأجوده لم يوضع فى ذلك المحل بل أختير له النثر

المرسل والمرسل المسجع فى العربية ، وهذا الذى يسميه الافرنج ( الشعر المنثور ) ومن أنفس وأعظم ما كتب فى ذلك باللغه العربية هو كتاب : ( صهاريج اللؤلؤ ) هذا الذى نشرحه .

أما القافية فقد جرى الاصطلاح عليها أيضا تتميما للنغم الموسيقى , أى الوزن الا ان العجم من فرس وافرنج وغيرهم جعلوها بطريقة سهلة لانهم جعلوا لكل شطرين قافية أو لكل أربع شطرات قافية ونحو ذلك ، فلم يقيدوا الشعر الا يقيد خفيف يسهل معه البلوغ على جميع الاغراض وتناول كثير من الافكار . أما العرب فقد جعلوا القافية واحدة فى كل القصيدة فأصبحت الإجادة فى الشعر عندهم أو البلوغ به الى التعبير عن المقاصد المختلفة ، من أصعب الامور . على أنه كان للعرب نوع من نظم الشعر يشابه ما قلناه عن شعر العجم وهو النوع المسمى بالمسمط قال فى لسان العرب (( الشعر المسمط ماقفى ارباع بيوته وسمط فى قافية مخالفة . يقال : قصيدة مسمطة وسمطية )) قال امرؤ القيس :

ومستلئم كشفت بالرمح ذيله         أقمت بعضب ذى سفاسق ميله

فجعت به فى ملتقى الخيل خيله     تركت عتاق الخيل تحجل حوله

كأن على سرباله نضح جريال ( 6 )

والرجز أيضا من هذا القبيل . وقد أراد المؤلف - حفظه الله - بهذه القصيدة التى أسماها : (( ذات القوافى )) ايجاد مثال للشعر المتعدد القوافى فى العربية ، وفك هذا القيد الشديد المانع للشعر من الارتقاء ، فتجول أفكار الشعراء فى كل ميادين الخيال وتتناول كل شاردة وواردة من حقيقة ومثال )) .

[ ذات القوافى ]

سقى دورمية بالأجرع             مسف من الدجن لم يقلع

ولو ترك الشوق دمعا بجفنى      سقيت المنازل من أدمعى

شجى يحن لالافه            ويصبو الى دهره الغابر

فهل عائد لى زمان مضى      (( بنعف الغوير )) الى (( الحاجر ))

أرى بين أحناء صدرى نارا          تؤججها الريح اما هفت

وبين جفونى سحبا ثقالا            اذا ما تألق برق همت

وساورنى الحب حتى ثوى             كايم على مهجتى ملتوى

وما الحب الا كروض غدا             بغير المدامع لا يرتوى

وقد هجرت مقلتاى الكرى        كان بهدبى رؤوس الابر

ولو كان ما بى بهذا الغمام         لأمطر بالجمر أو بالشرر

فجسمى اصبح كالشمع يفنيــ        ـــه سكب الدموع ووقد الحرق

فلا ألبس الثوب الا وجسمــ         ــى من تحت ثوبى كثوب خلق

نحلت فلو زرتها ما خشيت           رقيبا يرانى فيمن يرى

ولو زرت (( مية )) فى يقظة          لظنت بأنى خيال سرى

يمر ، ولم أدر ، شهر فشهر           كأنى فى فلك لم يدر

وارتاح اما تمنيتها                       ويا رب أمنية كالظفر

أسير ولا أرتضى بالعتاق                   ومضنى وأجزع أن أبرأ

وان سلمت خلتها ودعت                 وأحسب مقتربى منتاى

اذا كنت وحدى أكون وايا           ك أو خاليا فانشغالى بك

واطلب المجد والمكرمات          لتحسن لى شمة عندك

ليحنو قلبك رفقا علـــ          ـــــى فالصخر بالماء قد ينبجس

وصونى الوداد وفيه الذماء    فلن يورق العود اما يبس

لمية خد به وردة              تفتحه نظرة أو خجل

وقد قضيف اذا ما تثنى       يخال به رنج أو ثمل

ووجه اذا ما نظرت اليه       نظرت لوجهك فى مائه

وجفن ترنقه فترة              كمستيقظ بعد اغفائه

كانى ، فى مدحها ، ساجع               ودمعى فى عنقى طوقه

تشوق فؤادى فاثنى عليها                 كعود يضوعه حرقه

زمان اذا ما تذكرته            تخيلته حلما فى الكرى

وعهد الشباب كرؤيا اذا      مضت ادركتها نفوس الورى ( 7 )

ان نظرة سريعة لقصيدة البكرى هذه تبين لنا انها قد كتبت بطريقة الثنائيات ، وقع فيها تصريع كل بيتين بقافية مستقلة ، ولهذا سماها البكرى : (( ذات القوافى )) ولم يقل انها متحررة او مرسلة من القوافى , ولكن تسميتها أوقعت العقاد فى الخطا فتوهم أنها متحررة من القوافى ، على غرار قصيدة الزهاوى الآنفة الذكر . وتناقل عنه المهتمون بهذا الموضوع قوله هذا دون الرجوع الى القصيدة . وهو بلا ريب وهم من العقاد ، والا لما قال ذلك ، لان العقاد نفسه قد كتب (( الثنائيات )) وما اليها من الشعر المسمط المنوع القوافى فى عهد مبكر جدا أيام كان يحاول أن يجدد الشعر العربى بمعية شكرى ، والمازنى الذى كتب بدوره الشعر المسمط بمختلف أشكاله .

وبصرف النظر عن خطا العقاد ، وعدم صلة قصيدة (( ذات القوافى )) بالشعر المريسل فاننا نريد أن نقول :

أولا : ان اول من كتب (( الشعر المرسل )) فى العصر الحديث ، عامدا متعمدا ، هو الشاعر العراقى جميل صدقى الزهاوى صاحب القصيدة التى ذكرنا منها بضعة أبيات :

ثانيا : ان قصيدة : (( ذات القوافى )) قد نشرت فى كتاب (( صهاريج اللؤلؤ )) الذى طبع سنة 1906 م أى أنها قد كنبت فى أوائل هذا القرن على الاقل ، وهذا يدل على أن هذا الشيخ قد كان تقدميا يؤمن بضرورة تطوير الناحية الشكلية للقصيدة العربية على غرار بعض ما قام به التقدميون من الشعراء فى مختلف العصور ، منذ امرئ القيس ، مرورا بالموشحات الأندلسية الى الآن .

ثالثا : ان كتابة الثنائيات والثلاثيات والرباعيات والخماسيات وما شاكلها ليس جديدا ، فقد كتب الرجز بطريقة المزدوجات وما شابهها كقول الوليد ابن يزيد :

الحمد لله ولي الحمد           أحمده في يسرنا والجهد

أشهد فى الدنيا وما سواها       أن لا اله غيره الها

ما ان له فى ملكه شريك        قد خضعت لملكه الملوك

أشهد أن الدين أحمد            فليس من خالفه بمهتد . . . .

وكتب الرجز أيضا بثلاث قواف كقول محمد بن ابراهيم الفزارى تلميذ الأصمعى :

الحمد لله العلي الأعظم          ذى الفضل والمجد الكبير الأكرم

الواحد الفرد الجواد المنعم

الخالق السبع العلى الطباقا      والشمس يجلو ضوؤها الافاقا

والبدر يملا نوره الآفاقا

وقد كتب الرجز أيضا بطريقة الرباعيات ، من ذلك قول الحسن بن على ابن وكيع التنيسى :

رسالة من كلف عميد           د حياته فى قبضة الصدود

بلغه الشوق مدى المجهود    ما فوق ما يلقاه من مزيد

جار عليه حاكم الغرام        فدق ان يدرك بالأوهام

فلو أتاه طارق الحمام        لم يره من شدة السقام ( 7 )

وقد نوع الشعراء قوافيهم فى القديم كما نوعها المحدثون ، ولكنهم كانوا جميعا يبحثون دائما عن التماثل فى قوافى كل مجموعة ، فتارة يجعلونها : اثنين اثنين ، أو ثلاثة ثلاثة وقد وصل بها بعضهم الى عشرة عشرة أو أكثر واذا كانوا في القديم قد نوعوا قوافى الرجز بكثرة ، وقلما نوعوا القصائد المكتوبة على البحور الأخرى ، فان الشعر قد عرف بعد ذلك تنويعا لقوافى القصائد المكتوبة على عدة بحور خليلية أخرى .

رابعا : ان العقاد نفسه ، الذى طالما وقف ضد كل محاولة للتطوير الشكلى للشعر ، قد كتب الثنائيات وما شابهها ، كما نوع الشعراء منذ أوائل هذا القرن قوافيهم ، وذلك فى جميع الأقطار العربية تقريبا تقريبا دون ان يجد هذا التنويع أى معارضة من المتشبتين بالقديم ، ولم يعتبر أحد - فيما أعلم - ان فى ذلك العمل خروجا عن الشعر العربى أو محاولة لتحطيمه أو ما شاكل ذلك من المعارك التى وقعت بين أنصار الشعر الحر وأعدائه , فقد كتب شوقي وحافظ ومطران والبارودى قبلهم وجيل هؤلاء الشعراء كما كتب شعراء أبولو والمهجرين الاميريكيين : الشمالى والجنوبى الشعر المنوع القوافى كما كتب هذا النوع فى تونس أمير الشعراء محمد الشاذلى خزندار والجيل الذى عاصره والذى جاء بعده من أمثال : الشابى ومعظم شعراء كتاب : ( الأدب التونسى فى القرن الرابع عشر ) الهجرى لزين العابدين السنوسى وكذلك فعل الزهاوى والرصافى فى العراق وغير هؤلاء من شعراء العالم العربى .

خامسا : نلاحظ أننا اذا أخذنا من الشعر المرسل بيتا مستقلا فاننا لا نجد فيه أى عيب من العيوب العروضية ، فهو مثل أى بيت مفرد نأخذه من قصيدة ، ونستدل به دون أن نضيف اليه بيتا آخر من نفس تلك القصيدة , وكل بيت مفرد لا نستطيع أن نعرف ما فيه من عيوب تتعلق بالقافية الا اذا أضفنا اليه أبياتا أخرى من القصيدة الأصلية وقد قال المعرى فى هذا المعنى :

كالبيت أفرد لا ايطاء يلحقه      ولا سناد ولا فى البيت اقواء

كما لا نستطيع أن نعرف ( اللزوميات ) الا اذا رأينا نوع القوافى فى كامل أبيات القصيدة فاننا لا نستطيع أن نعرف أن القصيدة مرسلة الا اذا نظرنا الى قوافى اكثر من بيت من القصيدة الواحدة ، واذن فان البيت المستقل المفرد من القصيدة المرسلة لا عيب فيه ، حتى عند من يتشبث بوحدة القافية ، لانه مثل أى بيت من قصيدة موحدة القافية .

سادسا : ان المعارضين لهذا اللون من الشعر يرفضونه لانهم لا يجدون فيه رنينا رتيبا ترتاح اليه آذانهم التى تعودت على النغم الرتيب ، ولو على حساب المعانى ولا يطيقون أن يروا اللغة العربية ( الغنية ) بالآلاف من المترادفات . خالية من هذه الزينة ، ويرون انه اذا كان يجوز للمرأة الفقيرة

أن تبرز ( عاطلة ) من الزينة والحلى فانه لا يجمل بالمرأة الغنية ان تظهر بدون حلاها .

سابعا : نلاحظ أن ايمان كثير من الشعراء بغنى اللغة العربية ووجود العشرات من الكلمات التى تصلح ان تكون قوافى للقصائد ، جعل الشعر العربى ينصب على بضعة حروف مثل : الهمزة والباء والراء والدال واللام والميم والنون وأمثالها ، وجعل بعض الحروف لا يكاد أحد من الشعراء يكتب عليها قصيدة واحدة مثل الزاى والشين والثاء والذال والطاء والظاء والضاد وما اليها من الحروف التى تقل الكلمات التى تنتهى بها .

ثامنا : كثيرا ما تهيب الشعراء العرب الاقدام على كتابة الملاحم الطويلة وذلك خوفا من سلطان القافية ، فقد يتورط فى عمل لا يستطيع الخروج منه أو قد يخرج منه غير سليم العواقب . ومهما قيل عن كثرة القوافى حتى فى الحروف الغنية او القوافى الذلل ، فان الشاعر سيجد نفسه أمام أمرين : اما أن يكثر من ( الايطاء ) أى أن يعيد بعض الكلمات فى القافية لأنه سحتاج اليها أكثر من مرة ، واما ان يلتجئ الى بعض الكلمات الغريبة التى تنتهى بذلك الحرف ، وكم قرأنا شعرا من هذا النوع حيث نرى كامل البيت واضحا مفهوما ، ولكن القارئ اذا وصل الى القافية فكأنما اصطدم ( بجلمود صخر حظه السيل من عل ) .

تاسعا : ان الشعر المرسل ما هو الا طريقة من طرق كتابة الشعر العربى لا نزعم بأنه الحل المثالى لقضية الشعر العربى ، وليس لاحد ان ينادى به سيدا علي جميع الوان الشعر العربى . . . كما أنه ليس من المعقول ان ننادى بتجنبه والابتعاد عنه لانه لا تتوفر فيه القافية الرتيبة التى تعودنا عليها منذ أكثر من ألف وخمسمائة سنة .

عاشرا : بعد هذا الحديث الطويل عن (( الشعر المرسل )) نقدم منه هذا النموذج من قصيدة الزهاوى التى اعتبرناها أقدم قصيدة مرسلة فى العصر الحديث لان صاحبها تعمد ارسالها من القوافى ودافع عن هذا اللون من الشعر ، والملاحظ أن أبيات هذه القصيدة تكاد تستقل عن بعضها ويج يكون كل بيت حكمة مرسلة . قال الزهاوى :

الا ليت أعمالى - اذا كنت ميتا         وقد نقدوها - لا على ولا ليا

اتت صور الماضى تباعا فمثلت             لعينى لهوا مر ثم أضمحلت

فحصت بطون الارض فحصا فلم أجد     سوى حركات فيه لم أدر ما هيا

إذا خلت الدنيا من النفر الالى              أحب فؤادى ، فالسلام على الدنيا

انا اليوم امرى فى يدى غير اننى            احاذر من ان يخرج الامر من يدى

إذا كان فى بيت مريضا عزيزه               فسكان ذاك البيت كلهم مرضى

وأحسن اوقات الفتى وقت نومه            على نائبات الدهر حين تنوب

يرجى الفتى ان الثراء يعينه                  الى جانبيها روضة وغدير

أسر مكان لى على الارض ربوة            اذا كان ذاك النوم خلوا من الحلم

وهل كبر الجثمان ينفع ربه                 اذا كان فيه العقل غير كبير ؟

ذلك هو الشعر (( المرسل )) وذلك نموذج من أقدم نماذجه نرجو أن يحاول إحذاءه الشعراء فقد أخذ الشعر الحر حظه واختلط بالنثر لدى من ليست له أذن موسيقية ذواقة

اشترك في نشرتنا البريدية