لا أبالغ إذا قلت ان الاستاذ توفيقا الحكيم هو ابرع الروائيين العرب في هذا العصر ، فطريقة استنطاقه لأبطال قصصه شائقة جدا ، وهي مجمع إلى متانة الاسلوب رقته ، والى نضارة التعبير بساطته ، والى نصاعة البيان اشراق الديباجة ولمعان المعاني : وشفوف التراكيب ، ووججازة الحوار التى تعد من اهم شرائط الفن الروائى التمثيلى الذى يجيده هذا الاستاذ الفنان .
وأنا على قلة ما استكمل مطالعته من الكتب لقد استهواني اسلوب الاستاذ الحكيم استهواءا ما وجدت له فى حياتى الفكرية مثيلا اللهم الا فى كتب المرحوم المنفلوطى التى كنت التهمها التهاما فى فجر هذه الحياة
وانصياعا لهذا الاستهواء الجديد عكفت على مطالعة ما يصل إلى يدي وما تصل اليه يدى من مؤلفات الحكيم القصصية فالفيتها تمتاز بالروعة ، والجدة والطرافة والأشراق لقد طالعت له تأليفه " عصفور من الشرق " فاذا هو استعراض شائق باسلوب جذاب فاتن لاتجاهات المجتمع البشرى فى الشرق والغرب وطالعت له " اهل الكهف " فاذا هو فتح جديد في عالم القصة العربية ، وطالعت
له كتابه الطريف " يوميات نائب فى الارياف " فاذا هو نقد بربيء جميل فى ثوب ناصع من البيان المغرى
ولا نرتب في ان توفيقا الحكيم انما صقل اسلوبه القصصى حسن هضمه للقصة الافرنجية وانسجام ثقافته الغربية مع نظرياته الشرقية ، واقتداره على اشاعة روح الحياة فى قصصه العربية ناشئ من كل هذا : اردت ان أقول ان الاستاذ توفيقا موفق جدا فى ادبه الروائى التمثيلى فلقد بذ اقرائه فيه ، وما له لا ييذهم وهو أديب يقوم على رأس فرقة التمثيل بمصر ، ولكنه تتقاصر خطاه وتضيق آفاقه حينما يحاول ان يلج أبواب البحث الآدبي والاجتماعي من غير طريق القصة ، فهو فى اغلب احيانه مخفق فى هذا السبيل ، ولأضرب المثل لهذا الاخفاق بما ينشره الاستاذ فى مجلة " الرسالة " الغراء اسبوعيا ، تحت هذا العنوان التمثيلى المبتكر : " من برجنا العاجي " فهذه المقالات أو الكلمات أو سمها ما شئت لا تعدو في جملتها وتفصيلها او لا يعدو اكثرها - والحكم للاكثر ان يكون حديثا عاديا تافها ، لاهو بالسامي الهدف ، ولا هو بالجيد الاسلوب ، ولولا ذلك التوقيع الفني الجميل الذي يذيل به الاستاذ كلماته هذه ، لقلنا انها كتابة مبتدئ في الانشاء او هرم في الأدب السطحي . ولقد عملت ذات يوم مقارنة تحليلية بين احدى هذه الكلمات التوفيقية المذاعة من ( برجه العاجي) وبين احدى الكلمات التى يكتبها الاستاذ محمد على مغربي في صوت الحجاز الغراء تحت عنوان " من احاديث النفس " فالفيت البون شاسعا : فلقد سما الاستاذ محمد على مغربي عن الاستاذ توفيق الحكيم فى جلها سموا ظاهرا لكل ذى عين
وبعد فموضعنا اليوم هو تحليل كتاب " محمد " صلى الله عليه وسلم الذى ابرزه الاستاذ توفيق في طباعة رائعة وفي نميقة مزخرفة بالفن الطباعى ليتساوى الخير بالمظهر وكعادة مؤلفات الاستاذ توفيق الروائية معى ، لقد اجتذبنى كتابه هذا قسرا إلى اكمال مطالعته : فطالعته مشتاقانهما حتى أوفيت على اخره ، فوجدته روضة فنية نظمت فيها زهو الأدب ونسقت فيها افانين العلم طراز حديث كلها جاذبية واغراء ولكن استرعي نظري بعض ما عثرت عليه من الشوائب التاريخية ، والاخطاء
