الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

توفيق الحكيم ، كاتب مسرحي

Share

نحن نعلم ان هذا الاديب الملهم قد ضرب بسهم وافر في كل الميادين الادبية الا انه امتاز اولا بمؤلفاته المسرحية حتى انه اصبح من الغريب ان يتحدث الانسان عن التمثيل العربى دون ان يخصص قسما وافرا لتوفيق الحكيم ، ومن المعلوم ان كاتبنا بدأ يؤلف حوالى سنة 1923 اى منذ الخامسة والعشرين من عمره . فيجدر بنا إذا ان نتساءل كيف وصل توفيق الحكيم الى هذه المحاولات الاولى .

طبعا هنالك تاثير محمد تيمور ومحاولة السير على منوال الشباب المثقف من حوله

ولكن هنالك اولا وبالذات ذوق صاحبنا وميله الى هذا الفن منذ طفولته . واحسن دليل على ذلك هذه الجملة التى نجدها في مسرحية (( اللص )) حيث يقول توفيق الحكيم نفسه : لا انسى ابدا هذا القصيد للشيخ (( سلامة حجازى )) (( اجوليات ما هذا السكوت )) رحم الله الشيخ سلامة حجازى لقد رايته فى قصة روميو وجوليات وانا لا زلت صبيا - ونحن نعلم ان شهرة الشيخ سلامة حجازى بلغت اوجها سنة 1908 وان كاتبنا فى تلك السنة لم يتجاوز بعد الحادية عشرة من عمره . فيكون اذا قد ولع بالتمثيل قبل سن المراهقة بكثير

الا ان باريس هى التى ستفتح عينيه الى المسرح الحقيقى اعنى المسرح كنوع ادبى

فقد لاحظ انه يدرس فى المعاهد والكليات وانه ادب قبل ان يكون تسليه على الخشبة وان اوروبا ورثته عن اليونان ثم تعمقت فى درسه وتمحيصه قبل ان تقتبسه وتدخله فى تراثها وتقاليدها فتمنى توفيق الحكيم ان يكون للعرب هم ايضا مسرحهم الجدى كما هو الشان بالنسبة الى البلدان الاوروبية .

ولكن كيف العمل ؟ وما هى الوسائل الناجعة للوصول الى هذه الغاية ؟ ولم تطل حيرة كاتبنا بل سرعان ما وجد الحل لهذا المشكل فقال : يجب علينا ان نبدا من الاول

اى ان نعود الى العين التى استقى منها المسرح الاوروبى اعنى بذلك المسرح اليونانى . واذا بتوفيق الحكيم يشرع فى تعلم اللغة اليونانية والتعرف الى آدا بها والتغذى من مسرحيات و  Eschyle و Aritophane و Sophocle وEripide

ثم انه لم يقف عند هذا الحد . بل اخذ فى دراسة مسرحيات اكبر المؤلفين الاوروبيين . وقد قال فى كتاب (( زهرة العمر )) اماقراءاتى المسرحية ، فهى اعجب شىء قمت به فى حياتى : تصور انى قد قرات كل الكتب الموجودة فى (( المكتبة المسرحية )) بباريس

- وهكذا نستطيع ان نقول ان توفيق الحكيم قد تحصل على المواد اللازمة لبشرع فى التاليف المسرحى فقد كتب سنة 1926 ثلاث مسرحيات باللغة الفرنسية وهى (( النفس - القبلة )) و ابو الهول )) نسجت على منوال Jean Cocteau و Mac Jacob الا انه مزقها لانه فاته منها

حل مشكلة اللغة . ولم يترك من مؤلفاته باللغة الفرنسية الا قصة Devant son guichet التى ترجمت الى العربية بعنوان (( امام شباك التذاكر ))

وكانت فرقة الاخوين (( عكاشة )) في الوقت نفسه تمثل بالقاهرة مسرحياته الاربع الاولى التى الفها باللغة العربية قبل الرحيل الى فرنسا . فهل كان لهذه الروايات حظ امام الجمهور المصرى ؟

  - لا نظن لاننا نجد فى (( زهرة العمر )) ما ينبئنا باخفاقها يقول توفيق الحكيم : (( امامى قصاصات من نقد صحف مصر لرواياتى الشى تمثل فى القاهرة فاذا انا موضع السخرية ))

  ولكن فى سنة 1933 بعد رجوعه الى مصر ، ظهرت ثمرة هذه النظرية السامية الى المسرح ، وهذه المجهودات الجبارة وهذه الارادة التى لا تهن ، الا وهى رواية (( اهل الكهف )) ومن ثم اندفع توفيق الحكيم فى الخلق المسرحى الطريف حتى حمل لواء الفن فى العالم العربى كله

  ولو اردنا ان نقوم بعمل احصائى لوجدنا ان مسرحيات توفيق الحكيم يبلغ عددها الستة والاربعين

- واحدة وعشرون منها فى كتاب (( مسرح المجتمع ))

- وثمان فى كتاب (( مسرحيات توفيق الحكيم ))

- وسبع عشرة مستقلة

- اما عن تقسيمها من ناحية الطول فاننا نجد ان سبعا منها فى اربعة فصول واربعا فى ثلاثة فصول وثلاثا فى اكثر من مشهدين وتسعا وعشرين فى فصل واحد .

- وقد طرق كاتبنا فى هاته القصص التمثيلية مختلف ابواب الرواية المسرحية من ملهاة ومأساة ودرامة .

- اما عن الكوميديا فقد كان مؤلفنا ككل الكتاب يستقر مواضعه من المجتمع ويمكننا القول ان كوميديات توفيق الحكيم تصور لنا احسن تصوير المجتمع المصرى فى الربع الثانى من القرن العشرين فانت تستعرض فيها جميع الطبقات المصرية من الباشا صاحب البطن الثقيل الى الفلاح البائس المسكين . وتمر خلال ذلك بالموظف والتاجر والطالب والصانع وحتى بالسائل وقطاع الطريق . كل ذلك فى صور خفيفة ولغة سهلة لينة

- اما عن الدرامة فاننا نلاحظ انها ميزت كاتبنا عن غيره من المسرحيين العرب اذ نبهته الى المسرح الرمزى الذى بلغ مكانة مرموقة عند الغربيين . وقد تعرض الاستاذ Duberto Rizzitano الى هذه الناحية من مسرح توفيق الحكيم فى مقال نشره باللغة الايطالية فى مجلة Oriente Moderno سنة 1946 ونكتفى بالاشارة هنا الى ان مؤلفنا قد تائر بالكاتب البلجيكى ميترلنك Meaterlink  وحتى بالكاتب الفرنسى Claudel خاصة فى مسرحية (( المخرج ))

  ونريد ان نقف قليلا عند رواية (( بيت النمل )) المنشورة فى (( مسرح المجتمع )) ففى هذه القصة يظهر لنا اولا تاثير الميثولوجيا اليونانية على كاتبنا وتتجلى لنا فيها ثانيا كل آراء توفيق الحكيم فى الحياة وفلسفته بصفة عامة

فالانسان فى نظر توفيق الحكيم كالنملة وسط الغرفة فهو فى آن واحد اعظم شئ واتفه شىء وهو الصفر واللانهائى معا . وفى كلتا الحالتين يجب عليه ان يتطلب غير ما يهدى اليه ، ان يحاول السمو بنفسه ، ان يصل الى الارقى الذى هو فى آخر الامر مستوى ما فوق الانسان . نعم يجب عليه ان يدرك ما هو اقوى وارفع من الانسان

  - ولكن كيف الوصول الى ذلك وهو الذى لا حرية مطلقة له ؟ وهو الذى لا حول له ولا قوة ؟ وهو الذى يئن تحت القوى الطبيعية غير المنظورة والتى يجد نفسه امامها اعزل من كل سلاح ؟

هل يستسلم الى هذه العواصف التى ترميه بها الاقدار من حيث لا يدرى ؟ هل يبقى مكتوف اليدين امام هذه الافات التى تحيط به من كل جانب ؟ لا ...

بل يجب عليه ان يكافح . وهنا نلمس العنصر الاساسى لفلسفة توفيق الحكيم الكفاح الكفاح ... ولو حمل فى طياته بوادر الخيبة . الا انه ضرورى لانه مادة الحياة وغذاؤها وعليه يبنى وجوده ويشيد كيانه

  فتشاؤم توفيق الحكيم اذا ليس تشاؤما سلبيا بل هو تشاؤم محرك ، ناشط تتولد عنه دوما مئازق يتمزق لها الانسان ويتقطع .

  ولكن هذا التمزق وهذا التقطع ضروريان بالنسبة اليه كى يصبح بطلا وياخذ سبيله الى الارقى . وهذا ما سنجده فى مئاسى توفيق الحكيم

فاشخاص التراجيديا عنده كانوا من الذين تعقدت حياتهم الى الحد الذى استطاعوا معه ان كانت قلوبهم موضعا لانفعالات مختلفة ، ونفوسهم مظهرة لطبائع متباينة ، وعقولهم قادرة على التعبير والافصاح

وقد سار فى اختيار اشخاصه على النمط القديم فكان ياخذهم من بين الملوك والامراء وعلية القوم لان تعقد الحياة والمشاعر والفكر كان محصورا فيهم فمرنوش ومشلينيا كانا وزيرين وبريسكا وجوكاست وشهرزاد كن ملكات وسليمان واوديب وشهريار ملوكا ومحمد نبيا

  ما هو النزاع الذى كان يعيشه هؤلاء الاشخاص ؟ هل كانت تتحدد مراكزهم بالنسبة الى الخير والشر ام بالنسبة الى الحب والواجب ؟ ام هل كانوا يتمزقون لفكرتين اقرب الى الفكر الشرقى والفكر الاسلامى ؟

  قد يكون هذا لان التراجيديا عند توفيق الحكيم هى فى هذا التقطع الدائم هذا الجدال المرير ، هذا التطاحن المزعج بين الواقع من جهة والحقيقة من جهة اخرى .

  الحقيقة والواقع ... شيئان مطلقان يجتمعان ويتقابلان على تحطيم الانسان لا يخضع احدهما للاخر ولا يعطف على البطل المسكين

  فبريسكا ومشلينيا متحابان : وهذا هو الواقع ولكن شبح الحقيقة لا يبتعد عن عينيهما ابدا . وهذه الحقيقة هى : الزمان ، هى هذه الثلاثة قرون التى تفرق بينهما

وكذلك اوديب (( وجوكاست )) فانهما ايضا متحابان متزوجان ولهما اطفال

ولكن امام هذا الواقع اللذيذ تنتصب الحقيقة القاسية وهى ان (( جوكاست )) ام (( اديب ))

  - كيف العمل ؟ لا حول ولا قوة لهؤلاء الابطال امام هذه القوى فوق الطبيعية التى تهشمهم ، امام القدر الذى يعمل عمله المعتاد ويسير قدما ولا يغير اتجاهه ؟

هل سيستسلمون ... لا ... سيكافحون لان الشعور بعجز الانسان امام مصيره هو عند (( توفيق الحكيم )) حافز الى الكفاح لا الى التخاذل

- (( فاهل الكهف )) كافحوا ضد الزمان ولبث احدهم متعلقا بالحياة يقارع الزمان بسيف بتار وهو القلب الى اخر لحظة

- و(( اديب )) كافح إلى آخر لحظة ليبعد عنه شبح الحقيقة المخيف

  - (( وشهرزاد )) جاهدت محاولة ان ترد الى الصواب زوجها الذى اراد ان ينبذ ارضه وآدميته

- وسليمان جاهد ضد اغراء القدرة التى كادت تخرس صوت الحكمة

  فهؤلاء الابطال المحكوم عليهم اذا لم يلقوا سلاحهم ابدا ولم يكونوا قرابين مهداة او ضحايا سلبيين بل كافحوا وناضلوا وارادوا العيش كما ارادوا المحبة - وبالرغم من الاخطار التى تسلط عليهم والاقدار التى تكبلهم فانهم لا يياسون بل يرافقهم الامل ويقوى عزماتهم الى آخر رمق

  وهكذا كان الانسان عند توفيق الحكيم يجاهد ضد العوائق الخفية التى شعر بتاثيرها فى حريته وارادته ومصيره

  هذه هى الماساة عند توفيق الحكيم . فالتراجيديا فى نظره هى فى قدرة الانسان المحدودة امام قدره - والكوميديا فى منزلة الفرد بين امثاله ، والكل عن طريق تحليل نفسانى ذكى وفى لغة بسيطة ، تارة فى متناول كل الناس وطورا تكتسى نفسا شعريا لذيذا

وختاما نقول ان توفيق الحكيم نظر الى المسرح نظرة جدية ونزل ميدانه فى عزم وثبات حتى اصبح اليوم احسن ممثل عربى لهذا الفن ، تضاهى بعض رواياته ارفع روايات الغربيين قدرا وابدعها سبكا .

اشترك في نشرتنا البريدية