الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "الفكر"

تونس بين الشرق والغرب

Share

تعرض المحاضر ) * ( فى بدءمحاضرته الى الاستقلال الذى كلل كفاح تونس الجديدة والى مسؤوليات الاستقلال والى المشاكل المعقدة المتعددة التى ورثها العهد الجديد عن العهد القديم فبين انه يجب حل تلك المشاكل جميعها لا بالاستناد الى مبادئ افلاس عقلية الامس في ظلمة اوهامها

وجهالاتها بل على ضو اصول العقلية التونسية الجديدة التى آلت " ان تصلب قناتها الى ان تلين الحوادث والا تلين قناتها مهما صلبت الحوادث " ثم انتهى الى مشكلة اتصال تونس بالشرق والغرب فقال :

. قد تكون المشكلة التى تجمع بين كل المشاكل وتهيمن عليها فتخلط بين كل الحقائق وتحيط كل الامور بجو من اللبس القاتل مشكلة اتصال تونس بالشرق والغرب !

تونس بين الشرق والغرب * ؟

هذا هو المشكل الرئيسى . الذى يجب علينا طرحه وتبيان بعض عناصره ومعطياته .

هذا هو المشكل الذي يجب ان نعطف عليه بكل ما اوتينا من قوى التمييز والتبصر وبكل ما لدينا من نور الحدس كي لا تخفي علينا دقيقة من دقائقه او لطيفة من لطائفة وبكل ما لدينا من حماسة صادقة وحمية

بصيرة كى يمكن لنا ان نجد له حلا لا يكون حكيما الا اذا بني بآجر الاخلاص لجميع خصائصنا الجوهرية والبر بها .

وليس يكفى ان نحشر انفسنا فى زمرة الدراويش والمشعبذين وان ننفخ فى بوق العروبة والاسلام وان نصم اذاننا دون ما ليس العروبة والاسلام لنوفق الى الحل المنجي !

فالمشكلة دقيقة ما امكنت الدقة ، معقدة ما امكن التعقيد ولهي تتطلب جرأة فى مقتحمها وبعد نظر وعلو همة وقدرة على الابتكار والكشف واخلاصا للذات مثلما تتطلب خبرة دقيقة في ميادين مختلفات لا شتمالها على جوانب متنوعة ناهيك انها تنطوى على معطيات تاريخية وجغرافية وسياسية واقتصادية وفنية وثقافية وخلقية وروحية ! هى مشكلة جزئية فى الظاهر ولكنها فى الحقيقة صورة مختصرة من الحضارة الانسانية فى شمولها ولذلك فانها تستحق تاليفا ضخما يكون تحليلا دقيقا مستفيضا يستوعب جوانبها كلها ! وقد يحتاج مؤلفه الى انوار علوم عديدة وفلسفات ليضئ كل تلك الجوانب

فليس اذن بالاستناد الى مبادىء افلاس عقلية الامس ولا في ظلمة اوهامها وجهالاتها ولا على نغمة قضايا دجلها وتمويهها يمكن حل  هذه المشكلة ولا غيرها من مشاكلنا الحيوية

ان لتونس موقعا ممتازا من الناحية الجغرافية ، فهي تقف فيصلا بين  الحوض الشرق والحوض الغربى من البحر الابيض المتوسط . ولهذا الموقع الجغرافي يرجع جزء غير قليل من العوامل التى جعلت من تونس اداة الوصل بين الاقطار الشرقية وغربي البحر الابيض المتوسط والمغرب العربى . لذلك كانت معبرا طبيعيا كثيرا ما عبر منه الغزاة الزاحفون شرقا او غربا . ولذلك كانت على اتصال دائم بما يجد من الحضارات على سواحل البحر الابيض المتوسط . فانتقلت طورا بعد طور من اتصال بالفينيقيين فى عهد قرطاجنة الى احتكاك عنيف بالرومان الى اتصال بالعرب وبالاسلام الى اتصال بالاسبان الى اتصال بفرنسا والفرنسيين فى العهد الأخير فكان لكل هذا آثاره البليغة فى نحت " ملامح الشخصية التونسية " نحتا خاصا وفى تلقيح القريحة التونسية تلقيحا متجددا مع العصور فاضحت قريحة خصبة ، ثرية ، ممتازة ، تتقد

ذكاء . وتضطرم عزما رغم ما يبدو عليها من لين العريكة ودماثة الاخلاق وحرص على الا داب واللطف وحسن المعاشرة   ولست مغاليا فى شىء عندما اقول ان القريحة التونسية ثرية ما امكن الثراء بكنوز ذهنية وكنوز ارادية وكنوز وجدانية قد تغبطها عليها غير ما . امة من الامم التى تعد فى زمرة اعرق الامم في الحضارة . . وليس فيما اقول ما يخدش التواضع التونسي او ما يمكن ان يلصق بنا تهمة الادعاء . فما اقوله هو الحق ، بدليل من انجبتهم تونس من شخصيات عديدة تعد من افذاذ رجالات التاريخ فى الماضي وفي الحاضر بالرغم من انها اجتازت ظروفا تاريخية عصيبة لم تكن دائما لتساعد على ظهور تلك الشخصيات الفذة . وانه ليمكن ان يؤلف تاليف رائع عن خصب " الحقيقة التونسية " وعن كنوزها الذهنية فيكون ذلك التاليف مشاركه فى وصف الانسانية عامة بوصف نماذج من اروع نماذجها فى اعلى قممها الفاتحة

ومما لا شك فيه ولا خلاف ان الحادث التاريخي الحاسم الذي طبع الشخصية التونسية بطابع لا يبلى مع ممر الدهور هو الفتح الاسلامى فاصحت امة من الامم العربية لغة وادبا وفنا ، الاسلامية احساسا ومعتقدا ومبادئ وقيما !

فتونس - من هذه الناحية - جزء لا يتجزا - الا بضرب من العسف من الانسانية العربية الاسلامية . والاخلاص لذاتها يحتم عليها ان تخلص لماضيها ولما ورثته عن الماضي من لغة وآداب وقيم . ولما بقى فى قرارة نفسها وحي احساسها من رواسبه الرائعة

لاجدل فى هذا ! فهو امر جوهرى ، وليس يمكن ان يتطرق الجدال اليه فيمس دون المساس بالذاتية التونسية وبمقوماتها الجوهرية .

وانما الجدال فى طريقة الاخلاص للذاتية التونسية وفي معرفة مقومات الذاتية التونسية  فى حقيقتها الصافية لا فيما انطلت به من ضروب تصرف الدهور وفي تسطير دائرة اتساع ذلك الاخلاص للذاتية التونسية ولمقوماتها : اين تبتدىء واين تنتهي ؟

ولنسجل فى هذا الصدد ان المشكلة لا تهم تونس فحسب بل تهم الاقطار الاسلامية كافة

فالهيكل الأسلامى تراكمت عليه اكداس مكدسة من الاوهام والجهالات خلال عصور افلاسه فالتصقت بعناصره الجوهرية فاضحى البعض يظنها من الهيكل وليست منه

وانه ليمكن لك ان تقول ان " الهيكل الاسلامي " اصبح له لا وجه بين الملامح ، واضح الخطوط ، بل وجوه مطموسة لست تميز دائما الجوهرى منها من العرضى ولا اللبوب من القشور

وليس من شك فى ان الادباء والمفكرين الاسلاميين الذين انتبهوا لذلك - دقيق الانتباه متبصره - انما هم الادباء والمفكرون الذين احتكوا بالغرب وبالغربيين واطلعوا على طرق تفكيرهم ، ومناهج ابحاثهم . ومذاهب فلسفاتهم ووسائل صنائعهم ، وكشفوا عن اسرار تفوقهم وهيمنتهم على شؤون الحياة وشؤون العالم !

ولست ممن يقولون بضرورة تقليد الغرب والغربيين فى كل ما يذهبون اليه وكل ما يصطنعونه لانفسهم من العادات والتقاليد والازياء . . لايماني الراسخ بان " البعث الشرقى " ليس يقع عن طريق التقليد وسفه التقليد وانما يقع عن طريق يفاع الاجتهاد ورشد الابتكار واقتدار الخلق

فلئن دعا بعض الادباء الاسلاميين من ادباء الجيلين الماضيين الى مثل ذلك التقليد فلهم عذرهم بل اعذارهم . . لانبهارهم بالحضارة الغربية ولعدم نفاذهم الى اغوارها ولعدم تيقظهم الى ما ينخر " الهيكل الغربى " من جراثيم هدامة جعلته يشكو - هو ايضا - ازمة معنوية لا مثيل لها فابدلت بوجوه مطموسة وجها كان نيرا فى عنفوان شبابه ونخوته !

بذلك ارى - فيما يخصنى - ان المشكل اليوم بالاضافة الى الاقطار الا سلامية عامة  والى " تونس الجديدة " خاصة ليس ينحصر فى تقليد الغرب او فى عدم تقليده بل في تصفية " الحساب الغربى " و تصفية الحساب الشرقي " حاسم التصفية للاهتداء الى " الحلول المنجية " فى جميع الميادين

واني لا ومن بان " تونس الجديدة " تتمتع في هذا الصدد بمنزلة ممتازة من شانها ان تمكنها من قدرة استثنائية على المشاركة فى تلك التصفية طريف المشاركة ! فهي تطل على الشرق مثلما تطل على الغرب

ولهى تشعر شعور الدقة ، وشعور التمييز ، وشعور الوضوح ، بما لهذا وذاك من صارخ المساوى ومن رائع المحاسن

وان اهتداء " تونس الجديدة " الى " المعارج الناموسية " التى هى عندى نير معارج الشعور بالذات فى استقلال انفاسها وقداسة اشواقها ليلقى على عاتقها مسؤولية شريفة هى مسؤولية الاخلاص لجوهرى الامور وجوهرى القيم مما هضمته رائع الهضم من هذا وذاك فاضحى لحمها ، ودمها ، وفيض احاسها ، ونور فكرها ، ونار عزمها !

وان نحن اردنا ان نجمل القول عن موقف " تونس الجديدة " من الشرق والغرب قلنا :

ان كان جوهر الشرق انما ينحصر فيما لأعلامه الاحياء من اخلاص لجوهرى الامور من شؤون الحق والخير والجمال على نمط اخلاص الجاحظ ، وابن المقفع ، والامام الجويني ، والامام الاشعري ، وابي حيان التوحيدى ، وابن سينا ، وابى حامد الغزالى ، وابن رشد وابن خلدون وزملائهم العديدين وفيما نمت عليه مؤلفاتهم وآثارهم من تفاعل حي بين مورث القيم الاسلامية والعوامل النفسية الفردية فنحن شرقيون تجول نفوسنا فى " ابعاد فكرية " عربية اسلامية جولات الانفاس الحرة والانفاس المخلصة للذات ، فى سنن اجتهادها الخلاق الفاتح

على ان هذا ليس معناه انا نوصد ابواب نفوسنا دون تفكير الاعلام من المفكرين الاجانب ، مهما تكن جنسيتهم ، مثلما انهم لم يوصدوا ابواب نفوسهم فى عصورهم الخوالى دون اروع ثمار الفلسفة اليونانية والتفكير الفارسي ، والحكمة الهندية

اما اذا كان الشرق ما ورثناه عن عصور انحطاطه من غباوة التقليد وضيق آفاقه ، وقصر نظره ، وجبنه العقلي امام الواقع ، وتغافله عن سنن الواقع وفراره امام الاضطلاع بمسؤوليات الحياة الفكرية ورشد الحياة الفكرية فان " تونس الجديدة " ليست من الشرق ولا الشرق منها .

فتونس الجديدة احرص ما تكون على ان تخلص لماضيها ولما بقي راسبا فى قرار نفسها من رائع رواسب الماضى ولكن مع الاخلاص لواقعها الحاضر ولاخص خصائص العصر الحاضر اعنى لحرصها الجوهرى على ان توفر لنفسها فى " العالم العصري " عوامل العزة والقوة واسباب الحياة الحرة السعيدة

وفى هذا ما يحدد بالضبط موقفها من الغرب :

فان كان الغرب بصرا بالواقع وكشفا عن نواميس الواقع وسنة عقلية صارمة تقصد الى معرفة اسرار الواقع والى معرفة وسائل الهيمنة على الواقع ، ونظاما  دقيقا يربط فوضى شؤون الواقع في عقد نضيد " فتونس الجديدة " من الغرب والى الغرب ترنو

اما اذا كان الغرب كفرا بالانسان وبقيمه العليا وصلفا يقصد الى استغلال الانسان والهيمنة على الانسان حتى عن طريق هضم الحقوق الانسانية ودووس الاخلاق فى نطاق جشع الاطماع وضراوة الغرائز " فتونس الجديدة " ليست من الغرب ولا تريد ان تكون من الغرب لان عصور الانحطاط وجهالات الانحطاط لم تمح من ذاكرتها اذ مشعل الشرق حمله - على حد تعبير ميخائيل نعيمة الكبير " نبى عزيمة  الارض فى رجليه وقوة السماء فى ساعديه وبهاء الحق فى ناظريه ووداعة المعرفة فى لسانه وحلاوة المحبة فى قلبه "

وصفوة القول فانى اومن بان " تونس الجديدة " فى امكانها ان تكون فى طليعة الامم الاسلامية من حيث انها تشعر - حاد الشعور بضرورة تصفية " حسابها الفكرى " وبضرورة رفع كل ما تراكم على " الهيكل الروحى " الاسلامى من الغبار ايام عصور الآنحطاط كي تحرك منه ما سكن ، وتمرن ما جمد ، وتضرم ما خمد ، وتقوى ما وهن وتصلح ما فسد ، وترمم ما انهدم ، وتنظم ما انصرم على ضوء ما كرعته من علوم العصر وفنون العصر فى الجامعات الغربية وعلى ضوء ،ما  يسطع فى اعماق احساسها من نجوم الحق والخير والجمال

وانها اذ تشرع لنفسها هذا " الشرع الفكرى " لموقنة بانها لا شرقية  ولا غربية لانها تجمع - جمع الروعة - بين الشرق والغرب هى ازكى معانيهما واسمى قيمهما وتستقل عن هذا وذاك اذ تخلص لاعمق مشاعرها وعرائس تفكيرها وصدفات بكر احساسها !

ولو كان لنا متسع من الوقت لبينت لكم انه ليس هنالك منافاة  او تضاد بين قيم الغرب وقيم الشرق عندما نحسن تصفية حسابيهما ! وليس فى الجمع بين قيم الغرب وقيم الشرق ما يمكن ان يلصق بنا تهمة الخلط الرخيص او التلفيق الشائن

لو كان لنا متسع من الوقت لبينت لكم ان دراسة العلوم والفلسفات

العصرية فى الجامعات الغربية هي التى مكنت تونس الجديدة من الغوص عن روائع التفكير الاسلامى والفلسفة الاسلامية .

لذلك كانت عناصر عقلية الامس اعجز الناس عن فهم التفكير الاسلامى والسنة الفكرية الاسلامية فى اروع مظاهرها واعمق معانيها واوسع ابعادها - واعجز الناس ، بالتبعية ، عن الوقوف للدفاع عنها والانتصار لقيمها . فافلاسها الصارخ في هذا الميدان يحرمها حق الدفاع عن المبادىء الاسلامية لانها أضحت لا تستطيع الاضطلاع بهذه المهمة الشريفة اضطلاع البر والتبصر

وذلك الافلاس يحتم عليها امرين اثنين : ان تلازم الصمت فتنتهى عن زرع بذور الفوضى والبلبلة فى العقول والاوضاع وان تتتلمذ، من جديد ، لمحاولة ادراك ما هي غير قادرة على ادراكه الآن .

ولو كان لنا متسع من الوقت لاطنبت القول في شرح " الكفاح السياسى " التونسي العصرى فهو يقف حجة دامغة على نضج " تونس الجديدة " بل على توفيقها الى سن شرع سياسي جديد للعالم باسره .

فهو " نموذج رائع " مما تقتدر عليه " تونس الجديدة " في  الجمع بين القيم الشرقية والقيم الغربية بل في صهرها فى بوتقة واحدة هى بوتقة العقلية التونسية الجديدة المخلصة لماضيها وحاضرها معا نابض الاخلاص

ولذلك يمكن ان نقول انه " الكفاح السنى " الذي يرضى الشرق ويرضى الغرب فى حين واحد : فهو ينم عن حنكة سياسية نادرة تدل على الخبرة الدقيقة بنواميس الواقع وسنن الواقع وعلى المعرفة البصيرة بطرق " عض الواقع " والهيمنة على الواقع بالتغلب على عقباته وتذليل صعابه والسيطرة على حوادثة وشؤونه مثلما تدل - دلالة واضحة - على الغيرة المتقدة على الحق والعدالة والحرمة البشرية . فلا عوجاج فى الطرق ولا غدر ولا تدليس هو الحق فى صراحته وفى  صرامته . وهو الأخلاص فى اضطرامه . وهى " الطلعة المستقيمة " فى تحديها الباطل ، وغلابها البغي ، وصراعها الشر ! .

لئن كانت تونس الجديدة " تتقمص فى الميدان السياسى فى شخص بطلها الحبيب بورقيبة فانه يمكن لنا ان نقول ان معجزة  تونس الجديدة ، معجزة الحبيب بورقيبة ، ان احرز نصرا مبينا وليس

فى يديه من العدة سوى " الهباء على حد تعبيره !

من هباء  من الافراد كون حزبا سياسيا عتيدا ، فامة متحدة ، شاعرة بذاتها وبغايات كفاحها . هذا فى الداخل !

اما فى الخارج فانى لم اكن معه اذ اختلف الى الشرق ولكنه يمكن لى الجزم - حدسا - بانه - ولا شك - اصطدم هنالك بعناصر عديدة من عناصر عقلية الافلاس الشرقى وبما فيها من رسوم الافلاس للفوضى العقلية ، وظلمة الاوهام والدجل والتمويه ، ووهن الارادة ،  والدعوى العريضة

وانى لا تصوره معالجا " هباء " تلك العناصر مثلما عالج " هباء " الافراد بتونس رجاء ان يكون منها السلاح الذى سيكون له مفعوله فى ترجيح كفة الميزان يوم يجد الجد !

واني لا تصوره - هيامى الطبع على حد اصطلاح علماء الطبع لا ينفك يقلب الامور على جميع وجوهها ولا يفتا يبحث عن الثغر الذى سينفذ فيه سهام ارادته وسنان شوقه او عن المنطقة التى سيتخذها ميدانا للوثبة الجريئة والانطلاق الفاتح

والسر ، كل السر ، فى اقتداره على تصريف الامور ينحصر فى الخبرة الدقيقة بالمسائل ، وفى تنسيق الوسائل والغايات ، والشعور البصير بنوميس الواقع وسنن الواقع ، وبالفيصل الذى يفصل - في ظرف من الظروف - بين الممكن " و " المستحيل وانه لفيصل عجيب لا يقر له قرار ! هو كالظل يظنه الرائى ساكنا وليس بساكن ! اعني بذلك ان ما يبدو مستحيلا اليوم قد يكون ممكنا غدا بتوفر ما لم يكن متوفرا من الاسباب . فكان لابد لمن اراد تغيير مجرى الامور وتحوير الاوضاع ان تكون له " حاسة خاصة بها يكون متيقظا دائما لكل ما يجد من الامور فى عالم الواقع وشؤونه !

والحبيب بورقيبة اوتى من هذه " الحاسة " الشئ الكثير بها أمكن له ان يتجسس وراء الواقع وان يتحسس مفاصله ليعرف ما يجب اعداده من العدة لتحقيق ما تطمح اليه نفسه الكبيرة وليدرك " متى ) يجب الاندفاع و " متى " تحق الوثبة الجريئة و " متى يجب التريث والانتظار . وبها امكن له ان يجمع بين الاضداد

حذورا فى ظروف ، جسورا فى ظروف وهو سر الاخطاء التى كثيرا ما وقع فيها الناس خلال اطوار كفاحه فرماه البعض حينا بالتهور ورماه البعض حينا آخر بالغلو فى الاعتدال ولكنهم هم الذين لا يفقهون لانهم لا يتمتعون - بما يتمتع - من انوار تلك " الحاسة " التى تفصل بين " الممكن " والمستحيل " اثناء سير الحوادث !

وهل تظن المتنبى وصف شخصا اخر غير الحبيب بورقيبة او شيئا آخر غير تلك الحاسة اذ قال :

ذكى ، تظنيه طليعة عينه .        يرى قلبه فى يومه ما ترى غدا ؟

ولا ريب ان تلك الحاسة اذا ما توفرت لشخص وكانت له ارادة حديدية تقوى على قلب ما يجب قلبه وتصبر على ما يجب الصبر عليه من المحن وتثابر على العمل لاعلاء كلمة ما تريد اعلاء كلمته من المثل العليا فان الواقع لابد خاضع - طال الزمن ام قصر - لما تريده تلك الحاسة وتلك الارادة وذلك الصبر وتلك المثابرة وتكون ما لابد ان يكون : ان تمتلىء الاجواء الانسانية بفواح عطور البطولة الحق وان يصهر الواقع بنار البطولة الحق فتثب الانسانية وثبة الحياة في ظل الحق ويحس البشر احساسا قويا بان صفحة من صفحات الابداع قد تمت اضافتها الى قديم صفحات الابداع في الوجود ! . وتتالق نجمة جديدة فى سماء تونس

ومجد الحبيب بورقيبة آن كان تلك النجمة الجديدة في سماء تونس

ولست ادرى هل يعرف الحبيب بورقيبة انه اكتشف من جديد - عن طريق حى تجاربه النفسية وعن طريق كفاحه السياسي الجزيل زبدة  السنة الاسلامية فى اخص خصائصها : من تيقظ للواقع وسنن الواقع ومن تجسس على مفاصيل الوجود " للهيمنة عليه ومن حرص على الحق وسنن الحق ومن ايمان بان " الحق " هو العمود الفقرى بالاضافة الى " الطلعة المعنوية " الانسانية فى صدق اندفاعاتها ونخوة تحدياتها ومن ايمان ! بالايمان الذى يقلقل الجبال

فى هذا على كل حال سر استشهاده - دائما - بالاحاديث النبوية و باي القرءان فى خطبه وان ظن البعض انه يتملق بذلك احساس العوام ولكنهم هم الواهمون ! .

وبعد فهل تظنوننى حدثتكم عن الحبيب بورقيبة وعن كفاحه السياسى

وعن نصره المبين ؟

الحقيقة هى انى حدثتكم عن " نموذج حي " محسوس مما لوحت اليه فى غضون المحاضرة عن اقتدار " تونس الجديدة " على ان تذيب فى عقليتها الخصبة المضطرمة الجديدة خصائص الشرق وخصائص الغرب معا فتجمع بين هذه وتلك جمع الروعة وجمع الطرافة !

واني لاومن - فواح الايمان عميقه - بان " تونس الجديدة " لا يمكن لها ان تخلص لماضيها ولقيم ماضيها ولحاضرها ولاشواقه الحاضرة الا اذا ما وفقت الى الاخلاص لما فى نفوس ابنائها الاحياء من كنوز دهنية وكنوز ارادية وكنوز وجدانية هي " راس مالها " الذي لا يبلى وعربون مستقبلها الزاهر

واني لاومن - راسخ الايمان - بان المشكلة التى حاولت استخلاص بعض عناصرها : مشكلة اتصال تونس بالشرق والغرب ، هي مشكلة تربوية فى جوهرها

لذلك ليس يمكن لى فى خاتمة هذا الحديث سوى التلويح تلويحا خاطفا كالبرق الى المسؤولية المرهقة الملقاة على عاتق وزير التربية .

فاصلاح نظمنا التربوية اصلاح الحكمة واصلاح البصر بدقائق التربية وبمهامها هو الذي سيمكن " تونس الجديدة " من العناصر الفاتحة عناصر الاضطلاع باعباء الاستقلال ورشد الاستقلال فى نطاق الاخلاص لانسانيتنا الطريفة !

اشترك في نشرتنا البريدية