- 2 - (*)
وهكذا يسحل لنا شعر ( ابي اليقظان ) المواقف الاولى التى وقفها هذا الشعر من قيام الحزب الحر الدستورى التونسى ، ومدى تعلق الزعماء الجزائريين لمقيمين بتونس بهذا الحزب وبزعمائه خاصة إذا ادركنا أمرين اثنين ان هذا الحزب جمع نخبة من الاصلاحيين ذوى النزعة العربية والاسلامية مما دفع الزعماء الحزائرين ولا سيما ابناء الجنوب الجزائرى من بني ميزاب الى التعلق بالغايات الكبرى والاهداف البعيدة لهذا الحزب والتجاوب مع نزعته المغربية الاسلامية .
ثانيهما التفاف الجزائريين حول شخصية عبد العزيز الثعالبي الذي كان من اصل جزائرى ، الامر الذى حدا بعدد من الجزائريين الى تحمل مسؤوليات هامة فى اللحنة التنفيذية لهذا الحزب ، اضافة إلى ان الثعالبى كان فيما يبدو بعد الحزب للمناضلة عن المغرب العربي بأسره ، وهو ما جعل دعوته تلاقي اهتماما كبيرا فى نفوس الجزائريين الذين كانوا يتعطشون لحركة سياسية متكاتلة تجمع بين زعماء القطرين ، إذا عز أن تجمع بين زعماء الاقطار المغربية الاخرى .
وليس من العجب حتنئد ان نظفر في مقالات وقصائد الشيخ أبي اليقظان كل ما تزخر به من اعجاب وحماس لتونس وشعبيها( 12 ) ، وخاصة الحزب الدستورى وزعيمه الثعالبي . ذلك أن الفضل الاول فى بذر الافكار الثورية.
والتوعية السياسية وتجنيد الشاعر للعمل النضالى السرى والعلنى يعود فى الاساس الى الزعيم الثعالبى الذى مهد لقيام الحزب الدستورى بجمع فصائل من الشباب الزيتونى المتعلم ونظمهم فى سرايا للتدرب على حرب العصابات كما يذكر الشيخ ابو اليقظان فى مذكراته المخطوطة التى تحمل عنوان ( نشأتي) والتى اورد منها الدكتور محمد ناصر فى كتابه عن ( ابى اليقظان وجهاد الكلمة ) هذه الفقرة التى أوردها رغم ما فيها من طول لما تتضمن من الحقائر الطريقة عن الصبغة المغربية لكفاح الرعيل الاول ، وعن فكرة العمل المسلح ضد الاستعمار التى لم تكن مستجدة فى تاريخ النضال الوطني المغربى , وأيضا لتأكيد مكانة زعيم هذه الحركة وهو الشيخ ( عبد العزيز الثعالي ) في نفوس الجزائريين . واسهامه العملي فى تنشئة جيل ( أبى اليقظان ) وبقية الزعماء الآخرين الذين كانوا أعضاء فى اللجنة التنفيذية للحزب الح الدستورى التونسى - تنشئتهم التنشئة الوطنية التى أفادت منها الجزائر والمغرب العربى بصفة عامة فضلا عن تونس .
يقول ابو اليقظان فى التعريف بهذه المنظمة السرية التى أنشأها الثعالبى وضم اليها الجزائريين : كانت الحرب العالمية قائمة قاعدة على سوقها فاننا صادفنا تنشئة تشكيلات سرية ترمي بمجموعها الى اشعال نار الثور فى شمال افريقيا بزعامة عبد العزيز الثعالبي ، وكنا انخرطنا فر تلك التشكيلة بشروط وخطط وقسم لا مجال لذكرها هنا ، وهي ترمي الى التزام المنخرط فيها لانفاذ كل ما تأمره به التشكيلة - وهي سرية طبعا- من قلب نظام الحكم وتخريب المؤسسات وتحمل مسؤولية القتل والاغتيال الى آخر ما يعرفه الثوار ، فيشمل فيها زعماء الاقطار الثلاثة ، لسا المجاهد الكبير سليمان الباروني ، تونس الزعيم عبد العزيز الثعالي ، الحزائر الامير خالد الهاشمى ، المغرب زعماء أظن من بينهم عبد السلام بنونة ، واحمد بن لفريح .
هكذا كانت هذه التشكيلة السرية ناشطة فى عملها لتكوين الخلايا التى اقسمت على المصحف انها تعمل بمبادئ هذه الجمعية ما دامت في الحياة " ( 13 )
ورغم ما أصاب الحزب الدستورى التونسي من التصدع والتشتت بداية من سنه 1925 ، حيث عملت فرنسا على تشتيت عناصره وابعاد الجزائريين منهم مما ذكرت الى الجزائر وايداع التونسيين فى السجن ثم سفر زعمه الثعالبى فى رحله طويلة الى الشرق دامت خمسة عشرة سنة بأكملها ورغم كل ما حدث
فقد ظل الجزائريون الى ما بعد قيام الجناح الجديد للحزب بزعامة الحبيب بورقيبة يشعرون شعورا عميقا بالتعاطف مع الثعالبي كرمز للزعامة المغربية .
ولذا رأينا الصحف الجزائرية تهتز طربا بمجرد عودة الثعالبى الى تونس فكتبت مقالات مطولة تبشر بعودة الروح الى الحياة السياسية المغربية ، واوفدت الاحزاب الجزائرية وفودها من الشعراء لتحية الزعيم العائد فى سنة 1937(14 ) كما حضر الى تونس الشيخ ( عبد الحميد بن باديس ) نفسه رئيس جمعية العلماء المسلمين لنفس الغاية .
وبهذه المناسبة وقف الشاعر ( مفدى زكرياء ) ( ممثل حزب الشعب الجزائري ) يحيى عودة الثعالبي بقصيدة بعوان ( الشمال الافريقي يتحد ) كناية عما كانت تمثلة زعامة الثعالبي من رمز لوحدة المغرب العربى حاثا التونسيين والجزائريين معا على الاحتفال بهذا اليوم العظيم ، واصفا خروج الجموع لاستقبال زعيمها بخروج الجموع يوم عرفات حيث يحتشد الناس افواجا فى المواكب العظيمة :
ايها النازلون فى كنف الله وفودا تتلو الغداة وفود
الميامين من سلالة قحطا ن ، وديدون والكرام جدودا
بين بشرى تكسو البلاد رواء فى نهار غدا لتونس عيدا
ورعيل هناك حول رعيل بات يرجو على الرصيف البريد
فكان الخضم حوض ، وهذا الشعب قد جاء حوضه المورودا
فكان الجموع فى عرفات تتهادى خلف الامام سجودا
وكان السفين ليلة قدر اقبلت تحمل الهدى والخلودا
قد حداها عبد العزيز كما يحدو سليمان في البساط المريدا ( 15 )
ثم يلتفت ممثل حزب الشعب الجزائرى بعد وصف الجموع ، ومظاهر البشرى التى عمت النفوس والقلوب ، مرحبا بالزعيم العائد بعد غياب طويل ، وسياحة سياسية تركت فراغا ولهفة لدى كل الزعماء وخاصة الزعماء الجزائريين فيقول :
مرحبا بالعزيز ينزل من مصر وأهلا ومستقرا سعيدا
نزلا أيها الزعيم كريما وقدما مباركا محمود
سر على الأرض ايها الشيخ هونا وامش فوق التراب مشيا وثيدا
صافحتك البلاد فى نشوة النصر كما صافح العرين الاسود
واحلتك والحشاشات يذكيها لهيب الرجاء زمانا بعيد
وتلقتك بعد خمس وعشر كن عهدا على البلاد شديدا
أمة كنت حولها العين والسمع وكنت الاب الرحيم الودودا ( 16 )
والى جانب المعاني السياسية الواضحة التى تتضمنها القصيدة ، والتأييد المطلق الذي حظى به الثعالبي من قبل الجزائريين ، رغم الخلافات السياسية التى كانت على أشدها آنذاك بين الزعامات القديمة والزعامات الجديدة للحزب الدستورى التونسي ، فانه بدون شك قصيد بديع مؤثر ملئ بالصور الشعرية وباللمحات الفنية ، ما كان لشاعر أن يكتبه او يرتجله اعتباطا لولا ان تكون هناك وشائج خاصة ، ومحبة عميقة تنطلق بها المشاعر دون خشية او تهيب .
ولم يكن موقف ( حزب الشعب الجزائري ) بأقل تأييدا ( 17 ) او حماسا من موقف ( جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ) التى مثلها فى استقبال الثعالبى زعيمها المصلح ( بن باديس ) الذي كانت تربطه بالثعالي صداقة خاصة , وتجاوب يتجاوز مجرد الاحساس بمكانته السياسية الى الشعور بالوشائج الدموية التى كان باديسن ( يباهى بها ويرى من خلالها الثعالبي زعيما جزائريات تونسيا ، للجزائر فى زعامته نصيب تونس منها ولعل للجزائر الفضل ( 18 ) فى أنها اهدت تونس هذه الشخصية التى كانت أجوج ما تكون اليها فى كل مراحل كفاحها الوطني .
حتى أن الشيخ ( ابن باديس ) كان لشدة احساسه بالروابط المتعددة التى تربطه بالثعالي يبيح لنفسه أن يذكره بالاسم المجرد دونما صفات أو القاب :
وهكذا أذكره دون لقب أو صفة فان هذا الاسم لم يبق على ذات مشخصه زحتاج إلى صفاتها والقابها ، بل صار فى اذهان الناس علما على الرجولة والبطولة والزعامة وعلى التفكير والعمل والتضحية ، وعلى الاسلام والشرف والعروبة وعلى وحدة افريقية .
فاذا قلت عبد العزيز الثعالبى فقد قلت هذا كله " ( 19 ) . وعند رجوع ابن باديس الى الجزائر من هذه الزيارة نشرت مجلة ( الشهاب ) صورة له مع الشيخ الثعالبي وقد وشحتها بأبيات شعرية لامير شعراء الجزائر الشيخ ( محمد العيد آل خليفة ) ترمز الى التآخى والى وحدة شمال افريقيا فى شخصيتهما المتحدتين في الخلال والصفات وفي الالفة والاتصال ، وذلك تأكيدا على الروابط الروحية والفكرية التى تجمع بين الزعيمين :
هذا مثال التآخي يا حسنه من مثال
رسم الزعيمين فيه رمز اتحاد الشمال
كلاهما اليوم ركن وموئل للهلال
كلاهما بدرتم كلاهما نجم قال
عاش الزعيمان دهرا في ألفة واتصال
ويسر الله سعيا قاما به للكمال ( 20 )
ان التأييد المطلق الذي لقبه الثعالي وحزبه من طرف الاصلاحيين الجزائريين بين بقى أمانة ودينا فى ضمائر التونسيين من اعضاء الحزب الدستورى القديم فلم ينس هؤلاء هذا الموقف الذي وقفه المثقفون الجزائريون ، وخاصة موقف زعيمهم الروحى ابن باديس مما جعل أمير شعراء تونس يستعيد هذه الوقفة فى المناسبات المختلفة كلما مرت ذكرى ابن باديس او تداعى ذلك التاريخ في الاحتفالات التى درج على اقامتها الجزائريون المقيمون بتونس احياء لذكرى ابن باديس .
وفي احدى هذه الذكريات وهي الذكرى التاسعة لوفاة المرحوم (ابن
باديس ) كتب أمير شعراء تونس ( الشاذلى خزندار ) (21 ) احد اقطاب الحزب الدستورى القديم قصيدة تمجد ( ابن باديس ) وتحيى الاخوة التونسية الجزائرية التى ظلت موصولة طيلة هذه السنوات وكانما بذلك يرد الفضل لذويه ويجيب شاعر الجزائر محمد العيد على قصيدته ( روابط لا تبيد ) التي نشرها بمجلة ( الشهاب ) قبل اثنتى عشرة سنة . وفي هذه القصيدة التى اقتطفت جريدة ( تونس ) بعض ابياتها فقط يقول الشاعر مخلدا مأثر (ابن باديس ) مشيدا بخصاله فى بناء وحدة الشمال الافريقى :
أخت الجزائر تونس الخضراء كلتاهما وهما سيان - سواء
يا هؤلاء وما الدعاء لغيرنا في الذكريات لهؤلاء وفاء
نفح البطولة ما سرى فى امة الا وشعت حولها الاضواء
أخلاق بن باديس في احساسه هم لابن باديس اليد البيضاء
فى كل قلب مغرس فى حقله صدحت على أفنانه الورقاء ( 22 )
ويلتفت الشاعر في قصيدته الى ما ترك ( ابن باديس ) من حافل الاعمال ، وما تزدخر به ضمائر التونسيين من ود واكبار لمواقفه ، فيذكر بها الاجيال الطالعة علها تستنير بمآثر ما خلفت هذه الشخصية الباهرة من ذكريات عطرة فيقول :
يا تاسع الحفلات فى تكريمه أنت السجل ونحن فيك ثناء
لى فيك ما بين الجوائح مجهر عنه انجلت لى الروضة الفبحاء
ما زال فى سمعى وفى نظرى وما عنه انطوت فى المقتني الاحشاء
ولسوف تحتمل العصور حمولنا وبها يسير شهابه الوضاء
فى كل جيل مهيع من نبعه للناس فيه هداية وشفاء ( 23 )
- يتبع -

