الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "الفكر"

تونس فى نظر الشعراء الجزائريين

Share

من المظاهر الهامة التي تحسب في ايجابيات الشعراء الجزائريين المهاجرين  الى تونس ، مظهر الوفاء والعرفان والحفاظ على صلة الرحم ، وتعميق أواصر  القربي ، وكلها تلمس بجلاء فيما كتبه هؤلاء الشعراء عن تونس ، وكفاحها  الوطنى ، وزعمائها ، وعلمائها وأدبائها.

انها صفحة من الصفحات المشرقة التي يجدر نشرها ، والتذكير بها ،  والاشادة باصحابها نظرا لما كان لهم من تجاوب تلقائى مع احداث الوطن الثاني  وطن المعرفة والاقامة ، واعتبارا لاسهامهم سهاما مباشرا وغير مباشر في  الحركة الوطنية التونسية.

يتجلى هذا الوفاء في صور متعددة منها الوفاء للوطن والشعب ، ويتمثل في تعبير هؤلاء الشعراء عن التأييد والمؤازرة المتواصلة للكفاح الذي كان يخوضه الشعب التونسى ، والتجاوب مع الاحداث الوطنية ، والاشادة بزعماء هذا  الكفاح بمختلف اتجاهاتهم دون اعتبار للخلافات والحساسيات الشخصية القائمة بين هؤلاء الزعماء .

كما يتجلى هذا الوفاء في مناصرة هؤلاء الشعراء لكفاح الصحافة التونسية ،  وتكريم رجالها ، ومساندتهم في مواقفهم الوطنية ، نظرا للدور الذي كانت  تقوم به هذه الصحافة في مجال التوعية الشعبية والنضال الوطني اليومي في كل من تونس والجزائر معا .

على ان مظاهر هذا الوفاء لا تقتصر على الاحداث الوطنية والحياة الصحفية ،  بل تبرز في التعلق الواضح بجامع الزيتونة الذى نهل من معينه العلمي هؤلاء الشعراء ، وبعلماء الزيتونة وبشعراء وأدباء تونس بل بتونس بأسرها أرضا وشعبا وطبيعة خلابة ، وعيونا ساحرة .

موقف الشعراء من الحركة الوطنية

من المعلوم ان عددا هاما من المهاجرين الجزائريين الى تونس كانوا التحقوا  منذ العشرينات بصفوف أول حزب وطنى تونسى ، وهو الحزب الحر الدستورى  التونسي (1) الذي تأسس في شهر ماي 1920 بزعامة الشيخ عبد العزيز  التعالى). ومن هؤلاء الجزائريين الشيخ ابراهيم (طفيش) والشيخ صالح بن  یحی) و (ابراهيم بن الحاج عيسى ( أبو اليقظان) ، اضافة الى بعض الجزائريين  الآخرين الذين كانت اقامتهم بتونس تمتد الى فترات أبعد في التاريخ : أمثال  احمد توفيق المدنى) و (عبد الرحمان اليعلاوى) (2) و (الطيب بن عيسى القرواوى) .

على ان اسهام هؤلاء في نشاط هذا الحزب لم يكن اسهاما عابرا ، وانما  وانما كانوا بالاضافة الى عضويتهم الرسمية فى لجانه العليا يقومون بنشاط  حثيث لدعمه بالمال (3) والانصار مما أغاض المستعمر ودفعه الى تشتيت  الجزائريين وإبعاد بعضهم الى المشرق كابعاد الشيخ اطفيش) الى القاهرة في  سنة 1923 وابعاد آخرين الى الجزائر مثلما حدث بالنسبة للزعيمين (احمد  توفيق المدنى) و (عبد الرحمان اليعلاوي) في سنة 1925 بتعلة ان جميعهم  جزائريون وان وجودهم بتونس يشكل خطرا على الوجود الاستعماري نفسه ،  وان القصد من انضمامهم الى الحزب الدستورى التونسى ، هو الانطلاق الى  تأسيس حركة سياسية جزائرية تونسية تتمكن في يوم من الايام من تنسيق  كفاحها وعملياتها المشتركة ضد الوجود الفرنسى في كلا القطرين .

وقد استمرت علاقة الجزائريين بالحزب الحر الدستورى التونسي رغم  ضروب التشتيت والابعاد الجماعى الى ما بعد انقسام هذا الحزب في سنة 1934  الى جناحين : قديم مع عبد العزيز الثعالبي وجديد مع الحبيب بورقيبة ،  فرأينا من ابرز الذين أيدوا الحزب الدستورى الجديد الشاعر محمد العيد  الجباري والقصاص (محمد العريبي) والشاعر محمد الاخضر السائحي).

وقد تمثل تأييد هؤلاء للحزب الجديد ، في الاقبال على الكتابة المتحمسة في  جريدته (العمل التي أنشأها الحزب في سنة 1934 بالاضافة الى مدح زعمائه والتعرض للسجن بسبب هذا التأييد المادى والمعنوى كدخول محمد العيد الجباري  السجن سنوات 1934 - 1939 ومحمد العريبي السجن سنة 1939 مع جملة الزعماء السياسيين الذين تم ايقافهم وابعادهم الى مناطق مختلفة من البلاد من طرف السلطات الاستعمارية .

وما من شك في ان هذه المشاركة السياسية التي تمتد عبر تطور الحزب  الدستورى وتقلباته المختلفة خلال فترة تتراوح على الاقل من سنة 1920  الى قيام الحرب العالمية الثانية سنة 1940 ، تدل دلالة واضحة على مدى ترابط  المثقفين الجزائريين الذين اقاموا بتونس مع زملائهم التونسيين ، وضروب  ما أبدوه من شجاعة وبسالة في شد أزر الحركة الوطنية التونسية التي كانت  ممثلة بصدق طيلة هذه المرحلة في نضال الحزب الحر الدستوري التونسي .

إنه بلا مراء مظهر الوفاء السياسي لتونس وشعبها وزعمائها وقد تجسد هذا  المظهر فيما خلفه هؤلاء الجزائريون من تراث سیاسی و فكرى يتناول القضية  التونسية باعتبارها قضية وطنية قطرية . كما يتناولها في كثير من الاحيان في الاطار المغربي العربي الاسلامي.

ولم يقتصر هذا الوفاء على المقالات السياسية التي كانت تعبر بلسان الساسة وتحلل الاحداث اليومية ، وتهتم بقضايا الساعة ، والتحولات السياسية وانما تجاوز هذا الوفاء ليغمر قلوب الشعراء وتفيض به احاسيسهم في قصائد تؤثل مواقف زعماء هذا الحزب القدامى والجدد ، وتمتدح جهادهم وشجاعتهم  وتعبر بلسان الشعوب المغربية عن مظاهر العرفان لتضحياتهم وبسالتهم وترفدهم بالحماس والنخوة .

على أنه لابد من الملاحظة بأن مديح الزعماء في هذه المراحل الأولى من  الكفاح الوطني يختلف اختلافا اساسيا عما عرف به بعد الاستقلال من ألوان من المديح لها اغراض معلومة .

فالمديح في العشرينات والثلاثينات والاربعينات كان الدافع الاساسي له  الحمية الوطنية لا غير ، وكان جزاء الشاعر منه الاضطهاد والتنكيل من قبل  المستعمر . ولذا فانه يصح اعتبار قصائد المديح التي رافقت تطور الحركة  الوطنية في هذه المرحلة وثائق سياسية وطنية) و شهادات شرف تعبر عن  الشجاعة من طرف الشعراء لانها لم تكن تقصد تملق الزعماء والحصول على  النوال والمنة ، بقدر ما كان الهدف منها شحذ همم هؤلاء الزعماء والتعبير عن توق الشعوب وطموحها الى النضال والتحرر .

لقد كان أبو اليقظان بحكم مشاركته الفعلية في الحركة الوطنية  التونسية ، وتاييده العلني لقيام الحزب الدستورى التونسي اول من عبر  من الشعراء الجزائريين عن ابتهاجه بظهور الحزب الدستورى ، ومناداة هذا  الحزب بقيام نظم دستورية من شأنها أن تخفف من وطاة الحكم المطلق الذي  كانت تمارسه فرنسا على الشعوب المستعمرة ، فكتب من وحى الدعوة  الدستورية قصيدته (الدستور) (4) يحرض القراء على التمسك بالمناداة  بالدستور باعتبار أن الدستور ضمان للعدالة وخطوة اولى في سبيل اقامة حكم منصف :

لو لم يكن فى الكون دستور لما      ظهرت عجائبه لنا وعجاب

هذا هو الدستور والقطب الذي         دارت على أفلاكه الاقطاب

هذا هو الدستور والمغزى الذى          ترمي إلى غاياته الاحزاب

هذا الذي عشقته تونس عندما         يفعت ولم تحفل بما ينتاب

هذا الذي بذلت عليه نفائس           الاموال ، بل شدت اليه ركاب

هذا الذي سجنت لاجل طلابه         العظماء والزعماء والنواب

فأصابهم ما قد أصاب العاملين         المخلصين فسرت الاذناب

فتحملوا الضربات بل لم يثنهم          من أجله التهديد والارهاب (5)

ولم يكتف أبو اليقظان بمجرد التعبير عن تضامنه مع الحزب الدستورى فى هذه القصيدة ، وتأييده لقيام نظام دستورى يفتح الامل واسعا ومتدرجا

أمام الشعوب المغربية الطامحة لفك الحصار عنها ، والحصول على مطالبها  المشروعة بواسطة نظام يكفل لها الطريقة التي تنفذ من خلالها الى هذه المطالب  بل ظل ابو اليقظان لا يكف عن التأكيد في كل قصائده والمجاهرة بتأييد الحزب الدستورى وزعمائه التونسيين والجزائريين على السواء ، من ابراهيم اطفيش الى الثعالبي الى محمد الناصر باي الذي ساند مطالب الحزب الدستورى وكان ظهيرا لزعمائه .

كانت فرحة الشاعر عارمة عندما غادر صديقاه الشيخ صالح بن يحي)  و ( محمد الرياحي ( السجن بعد ايقافهما سنة 1920 بسبب انتمائهما للحزب  الحر الدستورى التونسى ، لذلك كان استقباله لهما استقبال الابطال مما  حمله على ان يصور بأن سجنهما من اجل الدستور كان سجنا لسائر الفضائل  وكان سجنا للنفوس والقلوب وما ذلك منه الا امعانا فى تحدي الاستعمار :

لستم سجنتم أنتم بل انما             سجنت بذلك سائر الافضال

فيسجنكم سجن السلام مع الهنا       والامن والراحات والامال

سجنت بسجنكم القلوب بل النفو       س ، بل العقول فضاق كل مجال

لبست به (الخضراء) ثوب حدادها      وغدت به الآفاق في بلبال (6)

وحين قررت فرنسا نفى الزعيم الشيخ ابراهيم اطفيش من تونس الى  القاهرة ، في سنة 1923 بناء على وشاية تقول بأنه كان ينظم حملات التبرع  بالمال للدستور وبأنه كان يحتقر السلطة الاستعمارية ، كتب الشاعر قصيدته   المعروفة ( نفي النفى اثبات) يوجه فيها اللوم لاولئك الوشاة الذين قاموا  بفعلتهم عن جهل وغباوة ويهنىء فيها الزعيم المنفى الى القاهرة ، لان هذا النفى  من شأنه في نظر الشاعر - ان يقرب بين زعماء المشرق والمغرب ويجمع  قلوبهم ويوحد جهودهم ويقوى سواعدهم كى تتحفز من جديد للمعركة القادمة :

قد أبعدوك فقربوك الى الرجا     ل فنات عطفا منهم وحنانا

قد صغروك فعظموك وأنزلو       ك منزل العظما فقم شكرانا

خفضوك جهلا منهم لكنهم           رفعوا علاك لترفع الاوطانا (7)

ونرى حزنه يعظم في رثائه لمحمد الناصر باى (8) احد البايات ممن عرفوا  بمناصرتهم للدستور ، والوقوف الى جانب زعمائه ، فقد شعر (ابو اليقظان)  بان موت هذا الباى كان فجيعة حقيقية لتونس ، ولكل دستوری بل ان موته  أوهمه بأن يؤدى الى موت تلك المبادىء التي رعاها رغم خلافه مع المستعمرين  في هذا الصدد ولعله لهذا السبب اشتط في البكاء ، ودعا الجميع لان يبكى هذا الملك ( القدوة) في نظره :

اولا يحق لتونس الخضراء       ان تبكيه دمعا مازجته دماء

ولئن بكته فانما تبكى على        وطن تحلق فوقه الارزاء

ولئن بكته فانما تبكى على        الدستور اذ خنققته ذى النكباء

ولئن بكته فانما تبكى على         رغباتها اذ فانها الاصغاء(9)

فجيعة الشاعر وحزنه على وفاة (محمد الناصر بای) ، وأحيانا لومه هذا  الشعب الذي كان يؤازره هذا الباى فأضاع بضياعه مطلبا من أهم المطالب  الذي كان ينشدها ويناضل من اجلها الجميع وهو الدستور ، لم تكن الفجيعة  بسبب فقدان الأمل في الرجال الذين اقاموا الحزب على اساس المطالبة  بالدستور ، ولكنها عواطف الشاعر واخلاصه للمخلصين من الرجال مهما  كان موقعهم من الحكم خصوصا اذا ما كانوا على شاكلة (محمد الناصر باى)  الذي عرف عنه انسياقه وتزكيته لمطالب الدستوريين الشرعية.

حتى اذا أدرك الشاعر ان الحزب الدستورى لم يمت بموت الناصر بای  ولا تأثر بذها به لانه لم يكن من مؤسسيه ولا من الذين تحملوا الاذي في سبيله  ارتفعت معنوياته ، وانعكست في قصائده الاخرى التي مدح بها زعماء الحزب  الذين تابعوا اداء الرسالة ، ومن ضمن هذه القصائد قصيدته التي مدح بها  الشيخ الرئيس أى الشيخ عبد العزيز الثعالبي الذي كان رئيس الحزب الدستورى انذاك.

فبمناسبة اطلاق سراح الثعالبي من السجن بعد قيامة بحملته لتقديم القضية الوطنية للرأى العام الفرنسي وترويج كتابه ( تونس الشهيدة) نظمت لرئيس.

الحزب مواكب استقبال شارك فيها شعراء متعددون من تونس ومن الجزائر ،  وقد صاحب الوفد الجزائرى الذى هنا الثعالبي آنذاك الشاعر ابو اليقظان)  الذي أنشد أمام رئيس الحزب قصيدته التالية التى بدا فيها الشاعر منشرحا  متفائلا ، اذ قارن عودة الزعيم الى أرضه بعودة الربيع الى الثرى والازهار الى الاغصان وهي القصيدة التي مطلعها :

تبسم ثغر الكون واستبشر الدهر      وتاه الزمان الغض بل ضحك العصر

وقرت عيون المجد والفضل والعلا     وغنى لسان العز والوقت مخضر

وهذا الربيع ازدان بالنور وازدهى.     فيانعم ذاك الورد والنور والزهر (10)

وباستعادة تونس لزعيمها يرى الشاعر انها استعادت روحها وعزتها ، فلا  غرو عندئذ أن تقام الاحتفالات بهذه المناسبة وأن يجعل يوم عودته يوما مخلدا على الدهر تحتفل به الاجيال :

بعودته عادت لتونس روحها          فاعجب ببر روحه ذلك البحر

بأوبته آبت لها العزة التي             أتاها لها الاسلام والاسد الغر

و آب به ما قد فقدنا بفقده         فتم نصاب الانس وانجبر الكسر

فأنعم بيوم كان عيدا ونعمة.        على عالم الاسلام فليعش البر

سيجعل عيدا كل عام مقررا         لدى سائر الاجيال أن أنصف الدهر

وما هذه الافراح للـذات انما         لروح بها رمز السعادة والسر

لروح هي الاكسير والروح والغدا       الشخص هو الدستور فليعش الحر

لمجد ، لهمات ، لعلم ، وحكمة         لحرية فى طيها العز والنشر (11)

( يتبع)

اشترك في نشرتنا البريدية