من هذا المكان أشكر تونس الشقيقة التى كرمت مصر فى مطلع القرن العشرين يوم استقبلت مرتين الاستاذ الامام الشيخ محمد عبده واهتزت لمقدمه كما يقول الشيخ محمد الفاضل ابن عاشور (I) ، ( أندية العلم والادب والاصلاح وأقبل على استضافته والترحيب به عظماء البلاد وعلماؤها ... وكانت محاضراته القيمة تأييدا وتقوية لحركة الاصلاحيين وأصبحت أساس العمل لحركة الاصلاح الزيتونى ) .
كرمت تونس مصر وأكرمت الادب المصرى بمدارسته وتعليمه .. وأكرمت الفن المصرى ممثلا فى أم كلثوم التى استقبلتها واكرمت وفادتها وأطلقت اسمها على نهج كبير فيها .
تونس التى جلجلت فى سمائها هذه الهتفة :
اذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر
بيت غدا شعارا لطلاب الحرية فى أوطان العروبة ، وعلامة طريق الحرية التى كتب علينا جميعا فى شرقنا العربى أن ندفع ثمنها دماء زكية وأرواحا أبية .. والذى حدث بالامس فى تونس التى أجارت قضية وأفاءت عليها المكان والحنان ، هز وجداننا فى أوطاننا جميعا فنحن اخوة درب ورفقة عمر :
ونحن فى الشرق والفضحى بنو رحم ونحن فى الجرح والآلام اخوان ..
لا أعزى فأنا صاحبة الجرح .. وأنا مثلكم صاحبة العزاء .. ولكن أحيى تونس وأكبرها .
أشكر تونس الشقيقة لا كما تعود الضيف أن يشكر المضيف الكريم ولكن شكر الكاتب لمجلى من مجالى الادب . فالادب المغربى كما قلت وكتبت فى سالف من الايام ، جزء متميز من الادب العربى كما أن الثقافة المغربية لون متميز فى الثقافة العربية .. فان هذه المنطقة كما يقول الاستاذ القليبى فى بحثه الذى دار حول شؤون الثقافة بتونس بمجلة (( الفكر )) ، ] كان لها فى الماضى ثقافة قائمة الذات ارتبطت فى وقت من الاوقات بالحضارة الاندلسية ، وانها مزيج من مؤثرات حضارية متنوعة لا تجدها متجمعة فى المشرق العربى .
واذا كان من العسير بناء ثقافات ثلاث تختص احداها بالمغرب الادنى : ليبيا وتونس ، والاخرى بالمغرب الاوسط : الجزائر ، والثالثة بالمغرب الاقصى، فانه من السهل بل من المحتم ، العمل على ابراز معالم الحضارة المغربية التى ازدهرت وفرضت غايتها فى نطاق حضارات متوالية .. حضارة تستقى من الحضارة الاسلامية وتلتقى فى الوقت نفسه بحضارة البحر الابيض المتوسط فى تفتح واع خلاق ] .
ومثل هذا قال به الاستاذ محمد مزالى حين حلل فى كتابه ( مواقف ) خصائص الامة التونسية نذكر منها :
الروحانيات : المستمدة من الشرق منذ القرون الاولى والتى لم تكن مجرد امتزاج لغوى فحسب بالعرب والمسلمين ولكن امتزاج روحى مصيرى .
التفاعل مع روح البحر الابيض المتوسط : الذى يحيط بتونس شرقا وشمالا ويجمع التونسيين مع شعوب متجانسة متقاربة وحدت بينها قرون من العيش المشترك ، والمناخ الواحد ، والاحتكاك السلمى تارة والحربى طورا .
الاسلام : دينا وحضارة وتراثا ... سلوكا ونظام حياة ونظرة الى الوجود.
اللغة العربية : واللغة هنا ليست مجرد اصوات وألفاظ بل هى الوطن العقل والاطار الوجدانى والركن الركين للشخصية الوطنية ، والعنصر المتين
للذاتية القومية . وعن طريقها يكون الاتصال بالماضى على الرغم من الحواجز الزمانية والمكانية فهى ضمان الوحدة القومية ، وعنوان الكرامة الفردية والجماعية (2) .
أقول إن الادب المغربى كجزء من الادب العربى القديم نال اهتمام الباحثين فى المشرق والمغرب لاسباب منها سيادة مفهوم الوطن العربى الكبير تحت الخلافة الاسلامية لا سيما فى عهود قوتها وازدهارها ...
وأعان على هذا الاهتمام الرحلة المفتوحة بين المشرق والمغرب . وانعكس هذا الاهتمام فى كتب التراجم والحوليات التى كانت تؤرخ للادباء على الصعيد الاكبر .. أى فى نطاق العالم العربى كاملا .
وأنا هنا أشير الى (( خريدة القصر )) ، (( ريحانة الالباء )) وأمثالهما حتى اذا كانت النهضة الحديثة ، اتسم تدوين تاريخ الادب العربي حتى نهاية القرن التاسع عشر بالشمول والتعميم . فالافغانى معلم قومى بالنسبة للعرب والمسلمين ، ورشيد رضا ومحمد عبده فى مصر ، والالوسى فى العراق ، والكواكبى وشكيب أرسلان وسليمان البستانى فى الشام ، ومحمد بن علي السنوسى فى ليبيا ، وخير الدين فى تونس ، وعبد الحميد بن باديس والامير عبد القادر فى الجزائر .
وقد نجم عن الاستعمار الذى داهم الشرق العربى فى العصر الحديث ، الدعوة الى احياء التاريخ القومى فى كل بلد فى محاولة حفظ الذات فانتشرت المدارس القرآنية والزوايا فى ليبيا ، وفى الجزائر دعا الشيخ عبد الحميد بن باديس الى النهضة القومية عن طريق تفهم الدين تفهما ناضجا متأثرا فى ذلك بالافغانى ومحمد عبده والى احياء اللغة العربية التى حاول الاستعمار الفرنسى أن يقضى عليها حتى ان (( شوطان )) وزير داخلية فرنسا اصدر قرارا فى 8 مارس 1928 بمنع تعليم اللغة العربية فى الجزائر واعتبارها لغة أجنبية !!
حتى المكاتب الاولية التى كانت تنشأ بترخيص من القائد العسكرى كان من شروط منح الرخصة أن يقتصر التدريس على حفظ القرآن لا غير مع عدم التعرض لتفسير آياته .
وقد أعان الشيخ عبد الحميد بن باديس على دعوته هؤلاء الاعلام : الطيب العقبى ، وأحمد توفيق المدنى ، ومحمد البشير الابراهيمى الذين كونوا معه ، (( جمعية العلماء )) سنة 1931 التى اشعلت نار المقاومة على الصعيدين الفكرى والسياسى .
ولكن هذه المقاومة الجاهدة وسط الظروف العاتية كانت كالشمعة التى تقف فى عصف الريح وحلك الليل .
اما تونس والمغرب فقد ساندهما بلا شك ، التعليم الدينى الذى نفح أجواءهما بروحانية حفظت الذات العربية فيهما ... ومع هذا لم ينصف التأريخ الادبى ، المغرب العربى ، الانصاف الواجب له . لقد درس الشابى دراسات متعددة بل اشتد الجدل حوله وان كان الى جانب الشابى شعراء تونسيون آخرون لم يحظوا بما حظى به من دراسة . فهل الشبيبة فى الشرق العربى تعرف الشاذلى خزنه دار ، والشيخ الهادى المدنى ، والصادق مازيغ ، ومنور صماح ؟
هل تعرف أمثال جعفر ماجد ، وعبد العزيز قاسم ، وبن جدو ، واللغمانى، وصمود ، وبن حميده ه ، وأحمد المختار الوزير ؟
إن دراسة شاعر بعينه لا تعفى من تناول الادب المغربى كله بالدرس والتأصيل وان كان العتب هنا يتناول الدارسين ثم أصحاب المادة العلمية الذين لم يجمعوها على السواء ... وفى هذا يقول صاحب كتاب (( النبوغ المغربى )) الاستاذ عبد الله كنون :
[ رأيت منذ نشأتى الاولى اهمال هذا الجزء من بلاد العروبة فى كتب الادب وكتب تاريخ الادب حتى لقد تذكر تونس والجزائر والقيروان وتلمسان فضلا عن قرطبة واشبيلية ولا تذكر فاس ومراكش بحال من الاحوال ] .لقد بحثت ونقبت فوجدت كنوزا عظيمة من أدب لا يقصر فى مادته عن أدب أى قطر من الاقطار العربية الاخرى ، وشخصيات علمية وأدبية لها فى مجال الانتاج والتفكير مقام رفيع ولكنها لم تحط بما هى أهل له من الضوء والبريق.
حتى المستشرقين على دقتهم فى الاستقصاء فاتهم هذا أيضا فالمستشرق كارل بروكلمان فى كتابه ( الآداب العربية ) لم يكن للمغرب فى كتابه نصيب .
لقد حفلت المكتبة العربية كما يقول الاستاذ حنا فاخورى بالكتب تلدها المطابع فى خصب عجيب ، وفى زحمة هذه الثروة الادبية ، لبث المغرب (( مطوى الصفحات ، مجهول الآثار وكأنه بعيد كل البعد عن الحركة الفكرية والفنية )) وما هو كذلك .
هذا الاحساس بالألم ، وهذا الشعور بالغبن الادبى هو الذى صحت عليه الرغبة ، وصحت العزيمة على إبراز معالم الشخصية المغربية . وإن المغرب العربى كما يقول الاستاذ محمد مزالى فى تاريخه القديم وفى تاريخه الاسلامى، لم يشعر بوحدته أو الحاجة الماسة الى تكوين وحدة كشعوره بها فى هذه الحقبة الحديثة الراهنة من تاريخه .
ويقول فى كتابه ( مواقف ) :
[ ليتفلسف المتفلسفون وليحلم الحالمون . فان حقيقة أبدية تبقى هى أن لكل أمة ديمومتها الممتدة عبر القرون ، وحركيتها الذاتية الدفينة فى الاعماق! وإن أى عمل سياسى أو اقتصادى أو اجتماعى أو ثقافى يتناقض مع سنة أمة من الامم لا يمس منها الا السطح ولا يفلح الا فى الظاهر ] .وهنا نادى بتونسة التاريخ ، وتونسة برامج اللغة العربية فى عملية [ وفاء للذات وخلق شباب تونسى مؤمن بمقومات أمته الاساسية : الدين الاسلامى و الحضارة الاسلامية و اللغة العربية والتاريخ القومى ] (3) .
وفى الاربعينات والخمسينات على اثر مولد الاستقلال فى اقطار المغرب العربى ، صاحب هذا الميلاد ادراك متفتح ، امتدت رؤيته الى المقومات الحقيقية للشخصية ، ومن أهمها مسرة التاريخ ، وعطاء الفن فارتفعت الدعوة محقة ، تاريخ الادب وتقسيمه وجمع مادته فى هذه الاقطار وتمت منجزات واعدة فى هذا المجال .
ومن أبرز من قاموا بعملية الاحياء المرحوم حسن حسنى عبد الوهاب والمرحوم الدكتور محمد بن أبى شنب ، والاستاذ عبد الله كنون ، والاديب الليبى على مصطفى المصراتى ، والاديب التونسى الاستاذ محمد مزالى فقـ
دعا الى اعادة النظر فى برامج التعليم (4) محذرا من موال (( التفتح الزائف )) الذى يتردد صداه . ومن مزاحمة الفرنسية للعربية فى المدرسة التونسية أو ما يسميه ( التربص التطبيقى ) أى تعليم المواد : درسا بالعربية ودرسا بالفرنسية ثم انفردت الفرنسية فترة الى الحد الذى أصبح معه مئات المعلمين والمعلمات يجدون صعوبة فى التعليم بالعربية .
إن الثقافة كما يقول فى كتابه ( دراسات ) : (( حضارة ، وعقلية ، وتفكير ، ونظرة الى الكون )) (5) .
وبعض عمله فى حركة الاحياء بعث مجلة (( الفكر )) والمشاركة فى تحرير مجلة (( الندوة )) وفى تصحيحها وطبعها ومد الاسباب لها وان كانت قدر عليها الاحتجاب .
وبعث مجلة (( الفكر )) واستمرارها ليس عملا سهلا فان المتتبع لتاريخ المجلات ( وبصفة خاصة منذ 1881 الى الاستقلال ، لا يكاد يجد مجلة عمرت أكثر من سنتين أو ثلاث سنوات . والمجلات التى عاشت عاما أو عامين تعد على الاصابع . اما التى أصدرت عددا أو عددين أو ثلاثة أعداد ثم احتجبت واختفت الى الابد فتعد بالعشرات . واذا ما قرأنا مثلا ما كتبه محمد البشروش مؤسس (( المباحث )) من شهادات عما كان يشعر به صاحب المجلة من قنوط ويتصدى له من لامبالاة وعقوق ، أو ما ضمنه أبو القاسم الشابى فى بعض رسائله من تذمر نتيجة عدم تشجيع الناس ، وأحيانا الاصدقاء ، إياه عندما كان يجمع الاشتراكات لينشر ديوانه ( أغانى الحياة ) ، أدركنا عمق الهوة التى كنا نتخبط فيها ، وهول المنزلة التى عرفها السابقون ) (6) .
وقامت مجلة (( الفكر )) أدبا ورسالة فقد كان لها دور فى الافساح للعربية فى حياة الشعب والكتاب ، والافصاح عما يريدون ويرغبون من ألوان الأدب .
أعانت مجلة (( الفكر )) من لم تسعفهم المطابع أو الناشرون على طرج عطائهم على صفحاتها فكانت رسالة ، وكانت سبيلا ، وكانت وسيلة تجدي وتؤدي... وكانت كما يقول الاستاذ مزالى همزة وصل بين الماضى والحاضر .
ولشد ما تذكرنى مجلة ((الفكر)) فى تونس ، بمجلة (( الرسالة )) فى مصر حين ولدت سنه 1933 فكانت مدرسة ربت جيلا ، وربطت شعوبا ، ووصلت بلادا ، ووثقت علائق ، ورفعت مشاعل ، وأشاعت معانى ، وعرضت حضارات، وبثت دعوات ، ونهجت سبلا ، وأوضحت مناهج ، وشرعت للبيان وسائل ، ونشرت له رسائل ، ورفعت أعلاما .
وكما عرفت مجلة (( الفكر )) ، العالم العربى بتونس وعطائها الادبى وآدابها ، كانت (( الرسالة )) سفارة متنقلة بين أقطار العروبة لا بل إن السفارات مجتمعة لم تعمل عمل (( الرسالة )) ... واحدة .
لقد سافر الصحفى الكبير الاستاذ على أمين الى الشرق بعد احتجاب (( الرسالة )) وعاد يقول : [ لو أن الحكومة أغلقت سفاراتها فى الشرق وأبقت على (( الرسالة )) لكان خيرا لها وأجدى عليها ] . المجلة الناجحة ليست بالشئ القليل .
وممن باركتهم مجلة (( الفكر )) أبا القاسم الشابى ، ومصطفى خريف واسهمت كما يقول الاستاذ محمد مزالى فى ( بعث كتاب شبان من الطلبة والاساتذة الذين أصبحوا فى الاثناء قصاصين وشعراء معروفين لا فى تونس فحسب ، بل وفى العالم العربى أيضا ... ) (7) .
ومن عطاء تونس الادبى ما كتب البشير خريف فى باب القصة ومصطفى الفارسى ، والتريكى ، ورشاد الحمزاوى ، وعلى البلهوان ، وسويلمى بوجمعه والاديبات نعيمة الصيد ، وبنت البحر ، وفاطمه سليم .
ومن عطائها ما كتب الميدانى بن صالح ، والصادق شرف ، وعز الدين المدنى ، وصالح الجابرى ، ورشيد الذوادى ، والدكتور حبيب الجنحانى ، وعبد الوهاب باكير ، ومحمد السويسى ، والصادق مازيغ ، وعلى الدوعاجى، ومحمد الهادى العامرى .
لا أزعم حصرا فالمآثر التونسية كثيرة .. والحصر قام به الاستاذ حسن حسنى عبد الوهاب واستأدى منه هذا الحصر ، خمسين عاما من عمر ! وكان عنده الشجاعة أن يعترف بالسن ... والمرأة شجاعة نعم الا فى السن .
حسبى أن تكون اشارتى بنانا يومئ لا ذراعا يحيط وحسب المشير عذرا عن الاحاطة ، انتفاء التقصير .
ومن عطاء تونس فى الادب ما كتب المسعدى فى باب المسرحية وفى مقدمة من مسرحيته ( مولد النسيان ) ومسرحية ( السد ) التى يقول عنها أو ، عنه ، الاستاذ مزالى : [ إن المسعدى فى (( السد )) يكاد يكون خلق العربية من جديد من حيث العبارات ومن حيث الصور ] (8) .
والشعراء الجدد فى تونس يمثل شعرهم ثورة اجتماعية على الجمود والرتابة وقيود المرأة فهو كما يقول الاستاذ مزالى فى تحليله: : [ شعر واقعى لا وجود فيه للتكلف البلاغى وحساسية الشرق الاوسط المتغالية ... شعر ناضج يتفق فيه الوحى الشعرى مع شئ من التحليل والوعى الذاتى ولا يحوى هذه النشوة اللفظية .. هذه اللغة الخلاية التى تجعل الشاعر منفصلا تماما عن العالم ] (9).
إن تونس بلد الشاعرين الكبيرين : ابن الهانى والحصرى ، فيها أيضا ملاحم شعبية تسجل كفاحها السياسى ...
وتونس يحمل اسمها ونسبتها شاعر تعلقناه فى مصر ، بقدر عشقه لمصر هو (( بيرم التونسى )) الذى كان شوقى أمير الشعراء يقول : (( لا أخشى على الفصحى الا من بيرم )) لعذوبة شعره بالعامية المصرية التى تشربها واستوعبها لفظا وقالبا وروحا .
ويبدو أن الانتماء بين مصر وتونس غدا وشيجة قربى فالشيخ محمد الخضر حسين وهو تونسى ، رأته مصر جديرا بأعلى مكان ومقام فبوأته مشيخة الازهر شيخا للازهر وإماما .
وعرفت تونس الموسوعة فى الادب والثقافة تلك الموسوعة التى مثلها أستاذنا العقاد فى مصر . ويمثلها فى تونس فى تواضع وأدب جم المرحوم الاستاذ حسن حسنى عبد الوهاب فى مجلده الضخم ( ورقات عن الحضارة العربية بافريقيا التونسية ) (10) .
أنفق عمره فى جمعه وتدوينه وهو تصوف علمى ترتفع به القدوة ، وتعز الأسوة ، ويعيش فى ذاكرة الشعوب ومذخورها ، زادا يشد من عزائمها ، ويعزز ثقتها فى قدراتها وما تستطيع ...
ومن هؤلاء الموسوعيين الاستاذ محمد مزالى فى كتابيه : (( مواقف )) و (( دراسات )) .
حقا إنهما مجموعات من المقالات ولكن الموسوعية عادة تقترن بالمقالة لأنها أعون على النقلة من موضوع الى موضوع دون أن يكون بينهما تشابه .. ومثل هذه الكتب نجدها عند العقاد عشرات ، وعند الاستاذ ابراهيم عبد القادر المازنى فى كتابيه (( قبض الريح )) و (( خيوط العنكبوت )) وعند الرافعى فى كتابه (( وحي القلم )) وعند الدكتور زكى نجيب محمود فى معظم كتبه . وعند الدكتور أحمد أمين فى كتابه (( فيض الخاطر )) وهو عشرة أجزاء .
والاديب محمد مزالى ، موسوعى أيضا فى شخصه واهتماماته . فاهتماماته موزعة بين السياسة بما تولى من مناصبها ، والثقافة بما نهض به من مجلات أبرزها مجلة (( الفكر )) التى نجتمع على عيدهما الفضى ، والادب عضوا مراسلا فى مجمع اللغة العربية بالقاهرة وعضوا فى مجامع اللغة العربية القائمة فى دمشق وبغداد والاردن ، والرياضة عضوا باللجنة الاولمبية التونسية ثم رئيسا لها بل عضوا باللجنة الدولية للروح الرياضية .
وعضوا ( أجنبيا ) بالاكاديمية الفرنسية للرياضة . وهو بهذه الصفات الباقية يستوقف الكتابة والكتاب .
إنه عندى مزالى الاديب أما الوزير أو رئيس الوزراء بلغة السياسة فانى أدع هذا الجانب للمؤرخ فما اخترت يوما ايثار حاكم بسطر حتى فى مصر نفسها وحياتى موصولة بها ...
أكتب أو أتحدث عن الادباء ومنهم مزالى وهو بهذه الصفة ، الأعز على الكتاب وعلى الحياة . لقد فتح القائد المصرى حور محب البلاد وحقق الانتصارات وتولى العرش ومن ورائه امبراطورية تحمل اسمه ولكنه آثر ان يشكل الفنان المصرى تمثاله على هيئة الكاتب المصرى لا الملك أو الامبراطور ، فى وعى حضارى بقيمة الكتابة ومكان الكاتب ، ومكانة الكتاب .
وفى باب عطاء تونس القيمى ، يطول الحديث عن القيروان مدينة ((بيت الحكمة)) الذى نقله الفاطميون الى القاهرة فعز بها ، وعزت به ... وجامع الزيتونة ( أسبق المعاهد التعليمية للعروبة مولدا وأقدمها فى التاريخ عهدا وقد حمل مشعل الثقافة العربية اثنى عشر قرنا ونصف قرن بلا انقطاع وذلك منذ 120 ه - 737 م ) (II) .
يطول الحديث عن هذه الامجاد والشوامخ لولا أن الوقت لا أملكه فى مهرجان يضم صفوة من أهل البلاد العربية جميعا تنتظرهم الاسماع ...
حسبى هذه اللمحات ، تحية لتونس من ضفاف النيل ، وتحية لمجلتها الكبيرة (( الفكر )) فى عيدها الفضى .

