الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "الفكر"

تونس في نظر الشعراء الجزائريين

Share

-  4 - ( * )

موقف الشعراء من الصحافة الوطنية

ومع ذلك فقد حافظ معظمهم على صلاتهم بالصحافة التونسية التى توثقت فى مرحلة اقامتهم بتونس ، وربطوا بينها وبين احداث الجزائر الداخلية بواسطة المراسلات المتواترة التى كانوا يمدون بها هذه الصحف .

وقد لاحظنا ان ( السعيد الزاهري ) ظل على صلة حميمة بجريدة ( النهضة ) التى فتحت له صفحاتها منذ كان تلميذا بالزيتونة فاصبح يوافيها حال عودته بمراسلات تتضمن اخبار الجزائر السياسية والاجتماعية والادبية . وكذلك هى الحال بالنسبة لحمزة بوكوشة الذى ظل وفيا لجريدة ( الوزير ) يخصها بشعره وبكتاباته .

والحقيقة ان هذا النمط من الوفاء كان لا يخلو من أبعاد سياسية ، فدور الصحافة الوطنية لا يختلف عن دور الاحزاب الوطنية فى الاضطلاع بالتبصير والتوعية وشحذ الهمم والدعوة الى المقاومة ، وقد قصد الجزائريون بهذا الربط إحكام الخطة وتوحيد لهجة الخطاب والتوجه السواسي فى كل القطرين عبر الصحافة التونسية التى كانت تعبر الى الجزائر دونما شك ، وتؤثر في جمهور القراء ، وتفتح بصيرتهم على ابعاد واهداف الحركة الوطنية .

ونلمس اهمية الدور الذى لعبته الصحافة التونسية فيما ورد على لسان عدد من شعراء الجزائر الذين كانوا شديدى التأثر والحساسية بما تتعرض له الصحافة التونسية على يد السلطة الاستعمارية بين الفينة والأخرى ،  وكانوا مقدرين كل التقدير خطر المهمة التى تضطلع بها هذه الصحافة منذ ظهور الصحف الوطنية التونسية فى مطلع القرن .

من الصحف التونسية البارزة التى لعبت دورا اساسيا فى التعريف باحداث الحزائر الداخلية وكان لها مراسلون من الداخل ، صحيفة ) المشير ( التى صدرت سنة 1911 وكان مراسلاها من الجزائر علمان بارزان هما ) عمر راسم ) و ( عمر بن قدور( .

هذه الحريدة كانت فيما يبدو توزع فى انحاء مختلفة من الجزائر نفسها ، وكان لها تأثيرها على الرأى العام وكان بعض القراء يعتبرها ندا لمجلة ( المنار ) ( 38 ) مما حمل أحد الادباء المجهولين من ( خنشلة ) ان يكتب قصيدا شعر يا يحيي فيه جريدة ( المشير) ، وينوه باتجاهها الاسلامي وبدعوتها لليقظة والاقبال على العلم :

ألا من لى بذى عقل منير                          يرحب بالمنار وبالمشير

ويحمل سامعيه على التصدى                    لفهم كتابنا صافي الضمير

يعظم شان علم العصر فينا                          ويوقظنا إلى خير كثير ( 39 )

ووفاء للدور الذى لعبته الصحافة التونسية فى الاوساط الجزائرية ومشاركتها فى تبني القضية الجزائرية فان ( أبا اليقظان ) وهو الصحفى القدير لم يفته الالماع الى ذلك والاشادة بوضوح بهذا الدور ، معددا هذه الصحف التونسية الوطنية باسمائها الصريحة منذ مطلع القرن الى العشرينات عند الكتابة عن هذه الصحف وكان الغرض من امتداح هذه الصحف هو حمل الجزائريين على ترسم خطى التونسيين فى اصدار صحف وطنية تدافع عن الوطن وتكون لسانة وصوته وضميره الواعى .

وامعانا فى توضيح القصد فقد رأينا الشيخ ( ابا اليقظان ) يعنون احدى هذه القصائد بعنوان مطول يشرح المضمون والغرض السياسي والاجتماعي الذي يهدف اليه : ( الصحافة مرقاة الحياة ، ومرآة الحياة)  ( 40 ). وبعد ان يستهل الشاعر قصيدته بتبيان دور الصحافة فى حياة الشعوب الراقية والمتقدمة ، نراه

بهئ الصحافة التونسية التى عادت بعد احتجاب معربا لها عن الوفاء ، مشيدا بمختلف الادوار التى قامت بها فى نهضة المغرب عموما مستفزا حمية الجزائريين كي يقوموا باصدار صحف مماثلة :

وصحافة الخضراء اذ برزت لنا    بعد احتجاب عمره سنوات

يا شمس تونس ان اصابك كسفهم        فلقد أصابت شمسنا ظلمات

لو لم يغب في السجن يوسف ما غدا    ملكا تؤدى عنده السجدات

افلا يكون مسليا لك ما نرى     اذ منك دبت في الشعوب حياة(41 )

وهكذا نرى الشاعر يمثل احتجاب الصحافة عن الصدور بالليل الطويل الممتد ، وبالظلام الذي يصيب العقول والديار على السواء ، لانه أكثر القوم تعلقا بهذه الصحافة واكثرهم باحساسا مسؤولية الصحافى الوطني ,

فهذه التهنئة بعودة الصحف التونسية الى الظهور لم تصدر جزافا ولا لمجرد المجاملة ، ولكنها تهنئة من القلب من صحافي عريق الى مجموع الصحافة التونسية والشعب التونسي بأسره الذى عاش فى ظلام دامس طوال تسع سنوات ، احتجبت خلالها الصحافة من سنة 1911إلى سنة 1920 بسبب حوادث مقبرة الزلاج التى اندلعت فى سنة 1911(42 ) والتي جملت الرقابة الاستعمارية على اصدار قانون بتعطيل الصحف الوطنية بلا استثناء .

ففي هذا الاطار التاريخي تأخذ هذه التهيئة ابعادها العميقة من الوفاء والاخلاص والشعور المسؤول ، وهي أساسا ليست تهنئة للصحف العائدة بقدر ما هي تهنئة للشعبين التونسى والجزائرى معا ، وتعريفا واسعا بهذه الصحف جميعا وبدورها الذي قامت به ودورها المنتظر :

فمن  (الصواب  ) (43) اصاب كل مفكر                                                   كبد الصواب ولم تصبه رماة

وأشار للدستور قول ( مشيرنا ) ( 44 )                                          و ( وزيره( 45 ) كانت به نفحات

وبدت ( بمرشد امة)  ( 46 ) الدستور آ                                                       يات البراعة فاعتلت همات

وغدا منبر با ( المنير ) ( 47 ) زماننا                                                       لما بدت من افقه لمعات

وأفادنا ( العصر الجديد ) ( 48 ) بما به                                                       افكارنا وقلوبنا تقتات

يا تونس الخضراء ( زهرة) ( 49)  عصرها                                   فلقد بدت من فجرك ( 50 ) النسمات

هذا قليل من حظو                                                                  ظك اذ عملت وكان منك ثبات (51 )

وبقلب حزين مفعم بالحسرة يلتفت الشاعر الى وطنه ناقما فى حب ، مستنهضا فى حمية :

أما البلاد الراقدات فحظها           الحرمان والخسران والويلات

مثل (  الجزائر )  مقتل الاحساس مجزرة الحياة فحظها الحسرات ( 52 )

وهكذا نرى الشاعر يشيد بالصحف العائدة الى الصدور ، وبالصحف التى ظهرت بعد رفع قانون الرقابة . وبحكم معايشة الشاعر ( أبى اليقظان ) لهذه الصحف ووجوده فى تونس فى هذه الفترة ومساهمته بالكتابة فى جريدة ( المنير ) خاصة فاننا لا نستغرب منه هذا الحرص على العودة ولا ذلك الوفاء السخى المتصل ، ذلك ان قضية صلة الصحافة التونسية بالشعب بالجزائرى نلمسها من خلال القصائد الشعرية التى وردت من داخل الجزائر وبالذات من جنوب الجزائر على هذه الصحف مدعمة لاتجاهها الوطني ، ونزعتها فى مناهضة المستعمر .

فقد تلقت بالمناسبة نفسها جريدة ( العصر الجديد ) التى كانت تصدر بمدينة ( صفاقس )  تهنئة من امير شعراء الجزائر الشيخ ( محمد العيد ) الذي كان ما يزال فى تلك الفترة تلميذا ( ببسكرة) (53 ) اذ يبدو ان الشاعر التلميذ كان قد اطلع على هذه الجريدة واعجب بمنهجها الوطني ، فما كان منه الا ان صاغ قصيدة تلقتها منه الجريدة ونشرتها بمقدمة تقول : ( وردت علينا القصيدة الإدبية من أخينا الفاضل الكاتب البارع ببسكرة بناء منه على ظنه الجميل بنا ، وهذا نصها : )

صففاقس نلت العز مني لك البشرى    بعصر جديد فانزعن اعصرا اخرى

هنيئا لقد وافى السرور واقبلت           عليك سعود العصر تمنحك الشكرا

هنيئا مريئا للمهيري (54 ) وعصره       لقد شيد البنيان في روضة زهرا (55 )

والشاعر لا يهنئ الجريدة ولا صاحبها لمجرد التهنئة ولكنه يهنئ فى الواقع منهج الجريدة ، وخطتها الاصلاحية لايقاظ النوام ، وارشاد عميان البصيرة كما يقول الشاعر والدفاع عن الشعب والتصدى لاعداء هذا الوطن . ومن ثمة فتهنئة الجريدة  تخفي وراءها ابعادا سياسية ، تتجاوز الخصوصيات الى خدمة الترابط المصيرى واللحمة ووحدة الشعبين :

لقد ايقظ النيام ( 56 )  حيث بروزه    وقد نشر الاصلاح من عدله نشرا

وأرشد عميان البصيرة هاربا       من الكذب والبهتان للسنة الغرا

لقد جبر المكسور بعد انكساره      وعالجة كيا وكان به أدرى

لقد بلغ المقصود من كل راغب     وشاع لدى الاصقاع بالهمة الكبرى

على الوطن يسعى السعى من غير سمعة        على الوطن يهدى النفس والمسلك التبرا ( 57 )

ان نفس الافكار المحرضة على حرية القول ، وعلى الدعوة الى ان تنهض الصحافة بواحبها كاملا تجاه الشعوب المغربية وخاصة تونس والجزائر ،  تتردد فى معظم ما كتب الجزائريون المهاجرون من قصائد تتناول دور الصحافة فى المناسبات التى تقتضى تهنئة جريدة من هذه الجرائد او ابداء الاسف على احتجابها .

فالجرائد في نظر ) ابى اليقظان ( و ) محمد العيد ( و ) السعيد الزاهري ( و ) حمزة بوكوشة (  دورها واحد هو الاستنهاض واداء الواجب الوطني كاملا غير منقوص والتصدى فى شجاعة لمظاهر الظلم والارهاب وكبت الحرية وكل صحيفة تقوم بهذا الواجب وتؤديه على الوجه المرغوب لا تستأهل التحية فقط ولكنها تستحق المؤازرة والتأييد والمساندة .

ولذا فعندما تعرضت جريدة ) النهضة ( الى حملة مغرضة من قبل بعض الصحف التونسية الاخرى رآى الشاعر محمد السعيد الزاهرى من واجبه الوقوف الى جانب الجريدة التى فتحت له صدرها ورعته وتبنت افكاره وفاء منه لمبادىء الجريدة وحفاظا على الصلات القائمة بينها وبين الجزائريين :

حييت من ( نهضة )  بالشعب ناهضة    الى المكارم لا ينتابك الفشل

لا تسأمي في ابتغاء المعليات سرى          فالسعى يكفى اذا ما نابه الملل

ولتصبرى  مع ما تلقين من تعب             فالصبر أعصم ان تستوعر السبل

جدى بشعبك ان الشعب امسى على        امثالك اليوم بعد الله يتكل

فواصلى  السير فى اعلائه ابدا         حتى يبيت لهام الشهب ينتعل (58 )

ولعل أكثر هؤلاء الشعراء وفاء للجريدة التى رعته وبرت بمواهبه الشاعر ( حمزة بوكوشة )  الذي نجده يلتزم الكتابة فى جريدة ( الوزير )  فقط سواء ابان اقامته للدراسة بتونس او عند عودته الى الجزائر ، وقد توثقت هذه الصلة  بين الشاعر واسرة التحرير من مجرد اعتباره كاتبا وشاعرا جزائريا يحرر بعض الخطرات من حين لآخر الى صداقة توثقت عراها بينه وبين مدير الجريدة الشيخ ( الطيب بن عيسى ) الجزائرى الاصل ، وبين الشاعر التونسي ( محمود بورقيبة) ( 59 )  الذي كان يشرف على تحرير الاركان الادبية بنفس الجريدة .

وبسبب هذه العلاقة الوطيدة ، ظل حمزة بوكوشة محافظا على المناسبات التى تدعوه لان يهنئ جريدته من حين لآخر فى ذكرياتها المختلفة ، ففى  الذكرى الخامسة عشرة لصدور ( الوزير )  كتب الشاعر قصيدة ضمنها تقديره للجريدة وصاحبها ( الطيب بن عيسى )  وشاعرها بورقيبة :

روض الوزير تحية       يا أيها الروض النضير

لله فأرسك الابي           ( الطيب ) الشهم الخبير

قتل الصعاب بهمة              لا تعرف - الدهر - الفتور

لم يثنه عن عزمه                 نبح الكلاب ولا الزئير

ولرب يوم قددها            ك الاحتجاب ولا نصير

فبدوت من بين السحا ب         وتلك آيات البدور ( 60 )

وقد واصل بوكوشة وفاءه للجريدة فى شخص صاحبها ( الطيب بن عيسى ) الذي يرى فيه مثل الوطني الذي كرس ربع قرن من حياته في خدمة الصحافة منذ تأسيسه جريدة ( المشير ) فى سنة 1911 الى اصدار ( الوزير) ،  لا يني مكافحا صامدا ساعيا لنشر الثقافة والافكار الوطنية مؤازرا كل وطني ،  مناوئا كل دجال مارق امثال رجال الطرق والزوايا ، والمشائخ الجهلة :

ربع قرن قضيته فى الصحافه          دائبا ساعيا لنشر الثقافه

لم تؤيد - مدى الحياة - خؤونا              غادرا بالبلاد أو ذا خرافه

يدعى العلم والتصوف حتى             يكسب الفلس أو يروم اختطافه

ظنه الجاهلون شيخا تقيا                  وهو من يحتسي كؤوس السلافه

وما ان حلت الذكرى الثامنة عشرة للجريدة ، حتى ادرك الشاعر بصورة اعمق ما كان يقوم به ( الوزير ) من دور وطني ، فكانت تهنئته للجريدة بهذه المناسبة تختلف عن التهنئة السابقة ، ذلك انه اصبح يرى بوضوح وهو فى الجزائر التى كانت بحاجة الى صحف وطنية مدى اهمية هذه الجريدة فى الدفاع عن تونس ، والشمال الافريقي والعروبة باسرها ، فراى ان الواجب يقضى بان يحث الجريدة على التمادى فى نفس النهج الوطني :

سر فى سبيلك يا ( وزير )          وانثر لنا الدر النضير

ناصر بلادك والعرو          بة والالاه لك نصير

وابعث سناءك في ( الشمال )  فانه بك مستنير(61 )

( يتبع )

اشترك في نشرتنا البريدية