- 5 - ( * )
عرفان بالجميل للزيتونة :
والى جانب وفاء الشعراء الجزائريين المهاجرين الى الحركة الوطنية التونسية ، وتجاربهم مع الصحافة الوطنية ، والتعبير عن مشاعر العرفان للصحف التى تبنت محاولاتهم ، وفسحت المجال لقصائدهم ومقالاتهم فاننا نلمس مظهرا آخر من مظاهر الوفاء يتمثل فى اكرام المعهد الزيتونى الذى نهلوا من معارفه واكرام العلماء الذين تتلمذوا اليهم .
فهذا الشاعر ( محمد الصديق بن عريوة ) بمجرد تخرجه من الزيتونة ، وإزماعه العودة الى الجزائر يبادر بكتابة قصيدة يبعث بها الى جريدة ( النهضة ) ( يحيى فيها الكلية الزيتونية وشيوخ العلم واهل الادب ) تعبيرا عن العرفان لهذه الكلية وللمشائخ الذين تتلمذ اليهم ، مستهلا قصيده بمصافحة تونس الخضراء وتحية اهلها ، تحية الصب العاشق الولهان الذى يحمل بين جنبيه حنينا دافعا :
أصافح تونس الخضرا اهتماما واودع اهلها ابدا سلاما
فكم من عاشق يصبو لحسنا تعلله وتمنحه ابتساما
وكم من مؤثر رشف العقار يراها عذبة تشفى السقاما
وكم من مدلج فى داج ليل سعى لينيط بالصدر الوساما
ونحن نحن للخضراء شوقا فدع يا عاذلى فيها الملاما ( 62 )
وبعد تحية تونس وأهلها ، والكشف عن هذا التعلق بالوطن الذى أوى الشاعر وفتح له باب المعرفة مشرعا ، يزجى الشاعر تحية خالصة للكلية التى زاول بها تعلمه مذكرا بفضل الزيتونة على الجزائر ، داعيا الى تواصل هذه العلاقة مقرا لها بالمكانة التى تحتلها فى نفسه وفى نفس كل جزائرى :
فيا كلية العرفان دومى سبيلا للهدى واحمى الاناما
تروم بلادنا منك العلوم فلبي صوتها تخطو ( ؟ ) أماما
ففيك مناهل الخيرات طرا فجودى بالمنى وارعى الذماما
رشفت لبانها من حسن حظ ونحن شبيبة نبغى قواما
أقول مودعا فيها كراما بحسن تحية زادت ختاما ( 63 )
ما من شك فى ان الشاعر كان يعبر بلسان كل الطلبة الجزائريين الذين تخرجوا من الزيتونة فهو واحد من اولئك الذين امتلاوا عرفانا لهذه الكلية ومشائخها ، مثله مثل جميع الجزائريين الذين ظلوا على علاقة حميمة بمشائخهم الذين تاثروا بهم وبدروسهم .
لذلك فلا غرابة ان تلتهب مشاعر هؤلاء كلما اصاب الزيتونة مكروه او رزئت بفقد علم من اعلامها مثلما حدث بالنسبة لوفاة العلامة الشيخ ( محمد النخلى ) ( 64 ) الذى كان احد ابرز علماء الزيتونة ممن تتلمذ عليه الكثير من الطلبة الجزائريين : فقد هز حادث وفاته شاعرين مرموقين هما ( عبد السلام القسنطينى ) و ( محمد السعيد الزاهرى ) فكتبا مرثيتين نشرتهما جريدة ( النهضة ) تعبيرا عن وفائهما لهذا العلم البارز .
رآى ( عبد السلام القسطنطينى ) فى فقد النخلى فجيعة شخصية له فآثر توجيه العزاء لنفسه وبعث التصبر فى قلبه الجزع الملتاع .
الله اكبر هذا الحادث الجلل فليس للصبر معه لا مرئ جلل
رمت المحال اذا كلفتنى جلدا لمثله وبصبرى قد جرى المثل
ما كنت أحسب أن الصبر افقده ولا التأثر يعرونى ولا الفشل
وكم أمر لنا الدهر الممض وكم أوهى فما كان عن جلدى له حول
إنا الى الله أودى النخلي العلم واظلمت بعده نحو العلى السبل (65)
أما (الزهرى) فقد كان قصيده الرائع فى رثاء النخلى يلمس شغاف القلوب ، فهو مرثية للاسلام بأسره ، ومرثية للعلم ود لو يفديه بالنفس كما يأمل أن يفديه كل تلاميذه الذين عرفوا فضله :
اليوم ظل العلم بعد (محمد) فى حيرة لم يدر نهج صوابه
لا ماجد يحمى حماه وماله شهم يخفف عنه من أوصابه
يبكى عليه وانما يبكى أخا شمم الى أوج العلاء سمابه
يا ليت لو طلبت منيته الذى ترضاه منا فى فداء طلابه
فهو الجدير بأن يكون فداؤه كل الورى من واضح أو نابه ( 66)
وفى وصف بديع آخذ بمجامع القلوب باعث للاسى الغائض يصف الشاعر الموكب الذى رافق تشييع جنازة الفقيد ، الجموع التى ران عليها الحزن وكانها تخال يوم الحساب قد حان ، والنعش الذى حمله الابرار وليتهم أسلموه الى القلوب تحمله ، والشمس التى تامل لو انها هوت من أفقها , ونور الصباح الذى كان يتمنى لو ان الفقيد كفن بضبابه . فيقول :
جمعت لماتمه العباد وكلهم أضحى يظن اليوم يوم حسابه
يا يوم سار الشيخ يحمل نعشه جمع من الابرار فوق رقابه
لو أسلموه الى القلوب مشت به لو أسلموه لدمعهم لجرى به
والشمس تأمل لو هوت من أفقها تمشى على هون وراء ركابه
وبود نور الصبح لو كان الفقيــد مكفنا ببروده وثيابه
والبدر يخفق قلبه يهفو إلى أن يصحب الاستاذ تحت ترابه
فيريهم كيف الحديث وفهمه حقا ، وينشر طى ما فى كتابه
لو حنطوه بنشره اغناهم عن طيب كافور ، وطيب صلابه
صدق هذه المرثية وقيمتها الشعرية والفنية لا تشير فقط الى وفاء عادى يحمله تلميذ نحو استاذه ولكنها مرثية للعلم والمعرفة ، ومرثيه للرجل العالم الذى عرف عنه اسهامه الجرئ فى نشر الاصلاح والتحريض على مناهضة الاستعمار ، والدعوة الى وحدة الامة الاسلامية . فلا غرو ان يكتب عنه شاعر مصلح مثله ، تواق لان يترسم خطاه هذا الرثاء الذى يجسم عظمة الخطب ، خطب التونسيين والجزائريين معا فى وفاء استاذ هو استاذ كل المصلحين الجزائريين وعلى رأسهم الشيخ (ابن باديس) .
روابط اخاء ومودة على ان من مظاهر هذا الوفاء تلك الوشيحة الخاصة التى نلمسها فى علاقات الشعراء بينهم تاثرا وتعاطفا وتجاوبا فى الغاية والهدف ، فقد كان معظم الشعراء الجزائرين على علاقة حميمة بشعراء تونس علاقة تتجاوز مجرد اللقاء على الموهبة والهواية والفن الى المحبة ، والشعور بالاخوة والوفاق . نلمس ذلك فى الروابط التى ظلت تجمع بين ( محمود بورقيبة ) و ( حمزة بوكوشة) طيلة سنوات وفى تبادلهما الصور (67) والقصائد فى مختلف
المناسبات وفى الزيارات التى كان يقوم بها ( حمزة بوكوشة ) للقاء صديقه الوفى الدائم . كما نلمس هذه العلاقة فى الصداقة الوطيدة التى كانت تربط بين الشاعرين محمد المرزوقى ( 68) ومحمد الاخضر السائحى وفى علاقة مفدى زكرياء باكثر الشعراء التونسيين .
وقد اظهر هؤلاء الشعراء جميعا تاثرا عميقا واكتووا بلوعة حقيقية بوفاة الشاعر ابى القاسم الشابى شاعر تونس الاكبر ورائد الوطنية وكتب معظمهم فى رثائه اشعارا تقطر اسى ولوعة وظلوا يوالون رثاءه بين ذكرى واخرى كما ظلوا مستجيبين لكل حدث يلم بالاسرة الادبية .
ففى الذكرى الثالثة لوفاة الشابى وقف محمد الاخضر السائحى فى المهرجان الذى اقيم بهذه المناسبة ليعبر بلسان كل الشعراء الجزائريين ويحمل لوعتهم الى المثقفين التونسيين وليندب ليالى الانس التى تولت مع ذهاب الشاعر وليجدد صرخة الشابى فى امته يدعوها للنهوض وطلب العلياء :
تولت ليالى الانس يا نفس فاصرخى وجودى بفانى الدمع يا عينى العبرا
لقد مات من احيا بشعره أمة فذوبى اسى للهول يا كبدى الحرا
لتبكيك آداب حميت ذمارها وجددت تاليها وكنت لها النصرا
وتندبك العلياء والشرق كله وهل في البكا جدوى لمن سكن القبرا (69)
ويختتم السائحى رثاءه بتوجيه نداء جار للشاعر الفقيد عله يفيق من رقدته ويأخذ بيد امته الى العليا مثلما كان فى سالف عهده :
فقم انه لم يبق فى الكون راقد ونادي الى العلياء يا أمة الخضرا
واذا كان السائحى قد رآى فى هذه المناسبة فرصة سانحة ليهز الركود ، ويذكر الجمع الذى التأم بهذه المناسبة يذكره بدعوة الشابى وبمعانى شعره وبوطنيته فان الشاعر ( مفدى زكرياء ) اهتبل مناسبة احياء الذكرى الثامنة عشر لوفاة الشابى ، لا ليشكوه حال وطنه الذى يعيش مخاض ثورة وعلى وشك القيام بحرب مسلحة ولكن ليرفع اليه تقريرا عن حالة الشعر والشعراء الذين
تردوا فى التكسب بالشعر والمتاجرة بالعواطف والاشجان فخانوا رسالة الشابى :
لهفى على الشعر أضحى عند بعضهم بضاعة مالها عز ولا شان
هذا يتاجر بالاشعار محترفا وذاك غايته بالشعر نيشان
هذى الدعارة فى الاداب رائجة بناتها اليوم أشعار والحان
ترى الميوعة والاسفاف يجمعها بخسة الروح تقطيع واوزان
فأصبح الشعر خنثى مثل قائله لا الشعر شعر ، ولا الفنان فنان
وكل شعب غدا بالشعر مرتزقا فحظه من حياة العز خسران (70)
وبعد بث الشكوى المريرة مما تردى اليه الشعر من اسفاف ومتاجرة يتوجه مفدى بالخطاب المباشر لشاعر الخلد ، يدعوه لصرف النطر عن هذا الرهط من الشعراء فقد عوض عن صداقتهم والعيش معهم بنعيم مخلد :
يا شاعر الخلد دعهم فى غوايتهم وخالد الشعر ذرهم حيثما كانوا
وعش ابا القاسم المحمود بينهم حرا تحفك أرواح وريحان
عوضت بالخلد خيرا من صداقتهم كفاك بالخلد اصحاب وأخدان (71)
وتواصلا لهذه السنة الحميدة من الوفاء لتونس وشعرائها ونضالاتها نجد الشاعر صالح خرفى يستعيد بمناسبة احياء ذكريات الشابى أجواء النضال الوطنى الذى دعا اليه الشاعر ، يستلهم تلك السفوح والوديان وشعاب الجبال التى هام فيها الشاعر ، ونفخ فيها من نفثات صدره المؤلم ليناجى من وحيها شاعر الوطنية ، يبلغه الرسالة التى كان فى شوق اليها ، وهى أن يرى تونس والمغرب العربى باسره وقد استعاد شخصيته وتحرر من الاستعمار مثلما أمل :
عاشق الشم ، هل أتاك بأن (الاطلس )الفرد عاصف بالعوادى
والسفوح الخضراء ضرجها الدم سخيا على الربا والوهاد
ان صخرا آواه ظلك يا نسر تردى على رؤوس الاعادى
أفق ضاق عن جناحك أمسى يتمطى لراية من جهاد ( 72)
فى تؤدة وانفساح خيال نرى الشاعر يرسم كل الاجواء التى عاش فيها الشابى حالما بذلك اليوم ، الذى تحقق يوم النصر والمجد والنور :
ان نصرا به أشدت ( أبا القا سم ) نصر بذكرك اليوم شاد
ورؤى المجد تملأ العين ، يا من همت فيها بذهنك الوقاد
مسفر فجر( تونس ) عاشق الفجر ، تناغيه بالضنى والسهاد
عشيت أعين عن الفجر نورا وتعشقته رؤى فى السواد ( 73)
ان اخلاص الشعراء الجزائريين الذين درسوا بتونس للعلاقات الحميمة التى ربطتهم بالشعراء المعاصرين لهم ، او بشعراء تونس السابقين عنهم لتضفى على تلك الصلات المتعددة والوشائج المترابطة بعدا أوثق واعمق مما تركته علاقات الكفاح المشترك اذ طالما عكست الخلافات مثلما لاحظنا ذلك فى الانقسامات التى جدت فى الحزب الدستورى التونسى فى سنة I934 والتى ادت الى احداث جفوة واضحة بين التونسيين ورفاقهم القدامى من الجزائريين بينما ظلت الثقافة والفكر والادب عامل توحيد ولحمة وحافظت طوال اكثر من نصف قرن على تلكم الامشاج الرائعة بفضل وفاء متبادل وعرفان اولئك الطلبة والشعراء والمناضلين الذين نهلوا من فيض ( الزيتونية ) المعارف العلمية وفيض النضال .
وفاء لتونس أرضا وشعبا
فلا غرو حينئذ ان يتجسم هذا العرفان وذلك الوفاء فى حب خالص وود عميق لا للزيتونة فقط ، ولا للاندية والاحزاب الوطنية فحسب ولا للصحافة ورجالها وحدهما ولكنه حب لتونس أرضا وشعبا ، حب العاشق الولهان وحب الابن البار ، و ( حب الروابط التى لا تبيد ) على حد تعبير الشاعر ( محمد العيد آل خليفة ) .
فهذا الشاعر أبو اليقظان وقد جمع بعض الادباء فى مجلس للمساجلة وارتجال الادب وكان الموضوع تونس وفضلها ، فأنشأ يعدد خصال هذا البلد الشقيق :
(تونس ) تؤنس من قد أمها قصد الصلاح
فهى مستشفى لداء الجهل والضر المزاح
ينزل الضيف بها سقما و يغدو فى الصحاح
فبها يذهب منا الجهل ادراج الرياح
نعمت الام كستنا نوب مجد ووشاح
أبهجتنا : عطرت ذكرانا بالمسك الفواح (74)
وحين عاد ( حمزة بكوشة ) الى الجزائر أحس بلواعج الشوق مبرحا الى الوطن الذى قضى به زهرة شبابه مع خلان الدراسة ، وزملاء الصحافة فهزه الحنين الى تونس ، حنين من لا يصطبر على الفراق الابدى ، حنين العائد ذات يوم ولا بد الى الوطن الثانى :
يا ( تونس الخضراء ) اليك تحية الصب الودود
لم يخل رسمك من فؤا دى لحظة طول الوجود
فلانت ان شط النوى منى كما حبل الوريد
هب طال عنك تغربى لا بد من يوم أعود (75)
والشاعر قبل أن يظهر هذا الحنين والوفاء ويكشف عنهما ، طالما كان دعا حال عودته الى الجزائر - الشبيبة وكل الجزائريين بأن يزوروا أرض تونس ليشاهدوا جمالها الساحر وشواطئها الزاخرة ، ويشنفوا السمع بضروب الفنون والنغم ، . وأهم من كل ذلك كله أن يقفوا وقفة الاجلال والمهابة أمام معلمها الخالد ( جامع الزيتونة ) :
زر أرض تونس واسبح فى شواطيها وحى عمرا تقضى فى مغانيها
وقلب الطرف فى أرجائها سحـرا وشنف السمع من انغام حاديها
ومن أغانى الغوانى فى مسارحها ما ( معبد ) فى قديم العصر يحكيها
وقف بروض النهى والدين حارسه ( زيتونة ) بزلال العلم يرويها
تزهو الكمالات فى أرجاء ساحتها رمز الفضيلة يبدو فى أعاليها (76)
أما الشاعر ( مفدى زكريا ) الذى ربطته بتونس ، روابط متعددة ظلت موصولة ومتجددة مع كل الاجيال وعبر مختلف التقلبات فقد اخلص لهذا القطر الشقيق ولزعمائه القدامى منهم والجدد اخلاصا لا حد له جعله فى بعض الاحيان يوقف شعره فى مدحهم ( 77) .
ونظرا لهذه الروابط الخاصة ، فقد كتب الشاعر مفدى قصائد متعددة فى المناسبات الوطنية التونسية ، أبان من خلال بعضها عن تلك المشاعر الخاصة والحب والوفاء الذى يكنه لتونس ، موطن تعلمه وذكرياته وصبواته وشبابه المتولى :
بلاد بها للحر أهل وجيرة وتونس للاحرار ملجؤها رحب
بلاد ، بها قضيت عصر شبيبتى تراوحنى فيها المدارس والكتب
وتنعشنى فيها قلوب ذكية ويسعدنى فيها الاخلاء والصحب
صبوت بها حينا من الدهر عابثا وأى فتى فى أرض تونس لا يصبو
وما أنا الا شاعر شفه الهوى فهام فلا لوم على ولا عتب ( 78)
على ان هذا الوفاء هو الذى جعل شعراء الجزائر ممن درسوا بتونس تهزهم فرحة استقلال هذا القطر الذى عاشوا فيه وتأثروا بكل احداثه فكانت مشاركتهم الشعب التونسى فرحة هذه المناسبة تعادل ما يشعر به افراد الاسرة الواحدة التى تعيش حدثا سعيدا رغم ما كان عليه وضع بلادهم فى حربها ضد الاستعمار انذاك فقد وجد الشاعر ( صالح خرفى ) فى هذه المناسبة فرصة للاعراب باسم جميع شعراء الجزائر عن الوفاء الخالص والتهنئة الحارة لتونس بهذا العيد :
تهنيك تونس فرحة الاعياد ذكرى انطلاقك من قيود العادى
تهنيك افراح لبست بانسها شوب الهنا ونزعت ثوب الحداد
عيد تفنن في مظاهر حسنه وسما ، فكان طليعة الاعياد
لم تكتحل فيه الجفون بغفوة فكأنها فى ليلة الميلاد
والشعب يرقصه الحبور فرائح يهتز للعيد السعيد وغاد (79)
والحقيقة ان مظاهر الوفاء والحب والتكريم التى ابداها المثقفون الجزائريون المهاجرون نحو تونس تتعدد دون ـصر ، وهى مظاهر تتجاوز ابداء العواطف والمشاعر المجردة الى التضحية بالنفس والمال والمشاركة الفعلية فى الضراء ، فقد دخل الجزائريون السجون التونسية عديد المرات بسبب القضية التونسية وساهموا فى انشاء وتعضيد الاحزاب السياسية التونسية ، وكانوا فى مقدمة من عرضوا صدورهم للرصاص واموالهم للتلف وعائلاتهم للضياع كما كانوا مؤازرين لنضال الصحافة الوطنية التونسية بالفكر وبالحماس اضافة الى وفاء سخى نحو علماء تونس وأدباء تونس وأرض تونس ، وفى مقدمة ذلك جميعا الجامعه الزيتونية صاحبة الشأن والفضل فى وصل هذه الرابطة وجعلها عروة وثقى لا تنفصم مع الايام .
ان مظاهر هذا الوفاء اسهمت دونما شك فى شد عرى اللحمة بين الشعبين وبين القطرين ، وكان لها الفضل فى جعل الكفاح المشترك ضد المستعمر الواحد كفاحا عنيدا مستميتا نتيجة التجاوب الحاصل بين المناضلين التونسيين والمناضلين الجزائريين الذين كانوا باتصال دائم ، منذ ان شرع عمر بن قدور ينشر مقالاته السياسية والوطنية بتونس سنة I9II الى ان تتلمذ الشيخ ( عبد الحميد بن باديس ) بتونس سنوات ( 1912-1908 ) على الاصلاحيين الزيتونيين الى البعثات الميزابية ودورها السياسى والوطنى الفعال فى التمازج والتلاحم بالنخبة التونسية منذ سنة 1906 الى الاجيال التى مثلها على التوالى ( احمد توفيق المدني ) و ( العيد الجبارى ) فى جناحى الحزب الدستورى سنتى 1934،1920 الى مؤتمرات طلبة شمال افريقيا المسلمين خلال السنوات 1933-1932 .
كل هذه الحلقات المتصلة من الترابط المستمر بين المثقفين فى كلا القطرين هى التى جعلت هذا الوفاء يتخذ طابع الديمومة وقوة الحب الحقيقى وهى خلة تذكر بفخر للشعر الجزائرى الذى عبر عنها وسجلها فى كل المراحل .

