الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

تونس في نظر الشعراء الجزائريين

Share

- 3 - (*)    ومثلما كان لهذا الجيل الباني وقفاته المشهودة فى الاشادة بزعماء تونس واحزابها الوطنية ، ومشاركته الايجابية فى العمل السياسي والتضامن مع الاحداث التى عاشتها تونس وحملت بعضهم الى السجن تارة والى الابعاد  والتشريد تارة اخرى فان هذه الروابط ظلت موصولة مع الجيل الثاني الذي شاهد انقسام  ( الحزب الحر الدستورى التونسي ) وعاش التحولات السياسية اللاحقة الى الاصوات الجديدة من زعماء الحزب الذي برز بقيادة جديدة على  رأسها ( الحبيب بورقيبة )  و  ( الطاهر صفر ) و ( محمود الماطرى ) وغيرهم .

وبمجرد أن أسس الحزب الجديد جريدته ( العمل ) فى سنه 1934 كان اول المنضمين لاسرة تحرير هذه الجريدة ثلة من المثقفين والمناضلين الجزائريين من ابرزهم الشاعران : ( محمد العيد الجبارى ) الذي كان شاعر الحزب الجديد بدون منازع وزعيم الشبيبة الدستورية ( 24 ) ، و ( محمد الاخضر السائحي ) الذى نشر بهذه الجريدة اهم قصائده الوطنية التى كتب بعضها فى مدح زعماء هذا الحزب .

من المعلوم ان ( لمحمد العيد الجبارى ) فيضا غزيرا من الاشعار الوطنية التى نشر بعضها بجريدة ( العمل ) ، وكتب بعضها الآخر في المنافى والسجون المختلفة التى تردد عليها ، وقد جمع الشاعر هذه القصائد في ديوان لديه الا أن والدته أقدمت على حرق اشعاره الاولى خوفا من السلطات الاستعمارية وهو

ما أشار اليه الشاعر فى حسرة فى مقدمة ديوان ( اللهيب )  التى كتبها في 26 اكتوبر 1940 وأودعه لدى الشيخ ( زين العابدين السنوسي ) ليرى النور بعد ذلك فى سنة 1974 .

وفى هذه المقدمة يشير الى هذا الحادث بقوله : ( قد كانت نكبتنا السياسية قاضية على مجهوداتنا الادبية اذ وقع القاء القبض علينا للمرة السابعة فى اليوم السابع من آخر شهر سنة 1939 من قبل السلطة المحلية الافرنسية بتونس .

فكان ذلك مدعاة لوالدتنا أن القت بنتاجنا الى النار واللهيب من دون عطف على بنات الاديب ، وجملة ما القى به الى النار خمسة آلاف بيت من الاشعار وهكذا حال السعير ، وضغط المستبد الكبير دون مأمل الاديب ومناه وما تشاؤون الا ان شاء الله ، مالك الكون ذو الجلال ، الباعث في نفس المنكوب الصبر على الاهوال ) (25) .

وبذا فان ديوان ( اللهيب )  وبعض القصائد القليلة المنشورة في كتابه ( الفرائد فى العلم والادب والاجتماع ) الذي نشر سنة 1936 هي الحصيلة الشعرية التى نجت من المحرقة ، ولكنها مع ذلك حصيلة تقدم لنا صورة من نضال الشاعر الذى لم يكتب الشعر فى غير الموضوعات السياسية والاجتماعية التى لها علاقة بنقد السلطات الاستعمارية من قريب او بعيد .

وفي هذه القصائد القليلة نلمس الصلة الوثقى بين الشاعر وبين الحزب الدستورى الذى انتمى اليه ، واصبح من قياداته المرموقة ، كما نلمس فى هذه الأشعار وطنيه فائرة ومشاعر فياضة وحماسا متقدا سيما إذا علمنا بأن الشاعر كان من اوائل الذين عملوا على صوغ الاناشيد الوطنية الحماسية لتعبئة الشباب والجماهير ، وجعلها تتجاوب مع اهداف الحزب الحديد وآماله .

ومن فضائل هذا الشاعر وفاؤه للزعماء الجدد الذين يضطلعون بمسؤولية قيادة الحزب وعلى رأسهم ( الحبيب بورقيبة )  الذي كان مدحه انذاك مغامرة غير مأمونة العواقب ، ومع ذلك فقد تجرأ ( العيد الجبارى )  على أن يهدى باكورة مؤلفاته ( الفرائد . . )الى هذا الزعيم الشاب قائلا : " الى من لاقى ما لاقيت ، وقاسى ما قاسيت ، الى من عرفته ثابتا على مبدئه فلا تزعزع ليالي النوائب عراه . . . الى الليث الضرغام والزعيم المقدام الاستاذ سيدي الحبيب بورقيبة ، اقدم هذه الرسالة كعلامة على صدق دائم واخلاص ابدى " . وقد اردف الشاعر هذا الاهداء بتوشيح كتابه بصورة الحبيب بورقيب وكتابة أول قصيدة عن كفاحه وجهاده عنون لها باسم ( الاستاذ الحبيب بورقيبة ) ووشى بها الصفحة الاولى من كتاب ( الفرائد ) مع مقدمة عرف بها بالزعيم  الممدوح  وخصاله ، وذلك بمناسبة زيارة الزعيم بورقيبة الى باريس للدفاع ( عن هذا الشعب المنكوب ، وعن حقه المغصوب ) كما يقول الجبارى .

وفي هذه القصيدة نرى الشاعر يبدى الاعجاب بخصال زعيم حزبه ، ويؤكد على مدى الترابط بين هذا الزعيم والشعب ، معبرا عن التبرم والانزعاج من طول هذا الظلام الذي لم تستبن له نهاية بعد :

كفى الشعب ما لاقاه من أعظم القهر    وما هو قد يلقى من الغدر والمكر

فانه شعب فاضـل نسـل فاضـل            وما كل من يأبي الرضوخ سوى حر

فسر يازعيم الشعب عنه مدافعا            لتبعد عنه ساير الضر والشر

فأنت وليد الشعب والشعب سالفا         أبي الصمت ان ابعدت للمهمه القفر

فسر يا رسول الشعب للبحر خارقا          كما موسى خرقا سار فى عاصف النهر

فانت حبيب الشعب في كل موقف         وانت حبيب الشعب فى الحل والسير

وان لـهـذا الشـعـب حــــر وانـه             ليهزأ بالنيران والعسكر المجر  ( 26)

انه لمن الصعوبة بمكان الالمام بكل جوانب العلاقة التى نشأت بين هذا الشاعر الجزائرى المهاجر وبين الحركة الوطنية التونسية الجديدة الممثلة فى ( الحزب الحر الدستورى الجديد ) اذ لم يكن انخراط ( العيد الجباري ) فى هذا الحزب انخراطا عاديا ولكنه كان قد كرس كل جهاده فى خدمة هذا الحزب . . . تشهد بذلك كتاباته التى ملات جريدة ( العمل ) منذ نشاتها خلال سنه 1934 ،

والمرات الكثيرة وعددها تسع مرات دخل فيها السجون والمعتقلات ، اضافة الى اضطلاعه بمهمة تكوين الشبيبة داخل الحزب الدستورى وهى مهمة لا يمكن ان يعهد بها حزب عريق منظم الا لمن يحتل مكانا مرموقا فى عضويته ، وما شهادة زعماء تلك الفترة ( 27 )  وتكريم الدولة التونسية له بعد وفاته ( 28) الا بعض الوفاء لهذا الشاب الجزائرى المهاجر الذي اودى فى الثلاثينات من عمره ولسان حاله يقول :

اذا مت مسجونا فلا تك ناسيا      نضالى وقل يا رب فارحم شهيدنا

فما أمة أحيت جهاد رجالها         وعزتها الا مـؤملهـا دنا ( 29 )

وخلافا لهذه الشخصية الوطنية الفذة فان مشاركة الشاعر ( محمد الاخضر السائحى ) لم تتعد فى الحقيقة الاسهام ببعض القصائد الشعرية التى نشرت بجريدة ( العمل ) الدستورية سنة 1938 ، وقد ضمن احداها اعجابه البالغ بشخصية زعيم الحزب ( الحبيب بورقيبة )  والاعراب له عن تأييد الشبيبة لخطته فى الكفاح ونضاله ضد الاستعمار مبررا هذا المديح باخلاص هذا الزعيم للأوطان المغربية ومبادلة هذه الاوطان زعيمها الحب والعرفان والنصرة :

يا شعلة فى هوى الاوطان تتقد           لله فى حبــك الاوطان ما تجد

سر فى الطريق فأذن الدهر صاغية      وما عليك من الاعداء ان جحدوا

سر فى الطريق وروح الله تكلؤكم        لا تخشى منتقدا قد جاء ينتقد

فاننا لا نحيد الدهر عن خطط              أفنيت فيها ربيع العمر تجتهد ( 30 )

ولم يقصر الشاعر السائحي مديحه فى هذه الفترة على زعيم الحزب الدستورى الجديد وحده ، ولكنه موقف واحد من بين المواقف الاخرى التى وقفها مؤيدا لنضال الشعب التونسي بأسره خاصة عندما تندلع الاحداث وتدلهم الامور ، وتسيل دماء أبناء الشعب فى المصادمات التى كانت تحصل بين السلطة الاستعمارية وبين الشعب .

ففي شهر فيفري  1938 قرر عمال ميناء بنزرت الاضراب فما كان من السلطات الاستعمارية الا أن أذنت باطلاق النار على المضربين ، فاستشهد الكثير من العمال ، وكانت هذه الحادثة ايذانا بمرحلة الدم ، ومن وحي هذه الحادثة ( كتب الاخضر السائحي ) يساند كفاح الاشقاء من ابناء تونس منددا بمن اسماهم ( اعداء العدالة ) موجها النصيحة إلى هؤلاء بأن لا يغتروا بصمت الشعوب ، فوراء هذا الصمت ثورة متأججة وضرام وشيك الاندلاع :

الا ألقوا عصا الطغيان ألقوا        فشعب محمد لا يسترق

فلا يغرركم منه سكوت               ولين فى مواقفه ورفق

فان وراء هذا النطق صمت          وان وراء ذات الصمت ( نطق ) (31 )

فليس من العدالة بين قوم            وقوم اخوة فى القطر فرق  ( 32 )

يشير فى البيت الاخير الى أسباب اندلاع الاضراب وهو تعمد السلطات احداث فوارق مشطة فى الحقوق بين عمال ميناء بنزرت وبين عمال موانئ اخرى تعميقا للخلاف والشقاق بين أبناء القطر الواحد .

ورغم عودة السائحي الى وطنه وانقطاع صلته اليومية بها يجرى من احداث فى تونس فانه ظل يتابع على البعاد اخبار القطر الشقيق ويوالى الصحافة التونسية ( 33 ) بقصائده المختلفة التى نشرتها مجلة ( الاسبوع ) طيلة سنتى 1948-1949 وقد ترددت هذه القصائد بين معالجة الموضوعات الاجتماعية والذاتية والقضايا الوطنية .

وعندما كان يتناهى اليه خبر من الاخبار الفاجعة التى تمس بتونس ، كان لا يتوانى عن مؤاساة الشعب الذى عاش بينه ردحا من الزمن وعايش مشكلاته

وأحبة من صميم القلب مثلما حدث فى موت باى تونس الوطني ( محمد المنصف باى ) ( 34 ) الذى توفى فى نفس الفترة الذى فقد فيها العالم الاسلامي مصلحا وزعيما بارزا هو محمد على جناح مؤسس دولة الباكستان الحديثة ، فما ان بلغه النعي وهو ( بباتنة ) حتى ذرف  ( دمعة حارة على فقيدى تونس والباكستان ) ، أرسل بها الى جريدة ( الاسبوع ) جامعا بين الحدثين وبين اللوعتين فى قصيد مؤثر :

أى طود وأي مجد أطاحا      من نعي اليوم منصفا وجناحا

هز بالصدمة القلوب والقى      فى مغاني محمد أتراحا

وأضاف الاحزان للهم فيها       وأفاض الدموع والارواحا

جلل الحزن كالظلام ربوعا       حينما غيبا وعم البطاحا ( 35 )

لقد تمنى الشاعر لشدة الاسي والحزن ان يكون هزارا له ذلك الصوت الذي يستطيع ان ينشر الخير شرقا وغربا ، ويملأ الارض نواحا بسبب غياب علمين وفقد عظيمين دفعة واحدة خسر بموتهما العالم الاسلامي خسارة جسيمة :

ليت ، لى كالهزار لحنا جميلا          أملأ الارض يوم غابا نواحا

أندب ( المنصف ) العشي وأبكى      منقذ الهند العبقرى صباحا

يا جناحين للشمالين هيضا              وأشمان من ربي الشرق طاحا

يا وفيان لم يخيسا بعهد                 وأبيان لم يناما ارتياحا

لا ارى - اذ نعيش فى الحزن دهرا     أسفا عنكما- علينا جناحا (36 )

ان هذه الصلات الزاخرة بين الحركة الوطنية التونسية وبين الشعراء الجزائريين عملت دونما شك على وصل الكفاحين ، واطلعت الشعبين هنا

وهناك على مدى اللحمة القائمة والموصولة بين النضالين ( 37 )  واحدثت قنوات متعددة وعميقة للاتصال بين احزاب القطرين وبين الصحف الوطنية وبين الحركات الاصلاحية وبين المعاهد العلمية .

وما قيام هؤلاء المناضلين والشعراء والكتاب بالانخراط فى الاحزاب التونسية وتحمل المسؤوليات فى صلبها ومشاركة الوطنيين التونسيين السجن والاعتقال وصنوف التنكيل الا دليل على ما يتحلى به هؤلاء من رجولة وشهامة واحساس عميق بالمسؤولية .

واذا كان هذا النفر القليل من الجزائريين المقيمين بتونس قد تمكن بسبب ظروفه الخاصة من الاسهام المباشر فى النضال الوطني التونسى ، وتزكيته بالتأييد والحماس والكتابة فان الاغلبية العظمى من الناشئة المهاجرة الذين أتموا تعليمهم بتونس وتأثروا بقيام الحزب الحر الدستورى ومنهجه المغربي الاسلامي ، بادروا حال عودتهم الى الجزائر برفع عقيرتهم والمناداة بتكتيل جهود المصلحين وتكوين الخلايا والتجمعات والاحزاب واصدار الصحف الوطنية .

( يتبع )

اشترك في نشرتنا البريدية