صلصلت الريح فجأة وعبثت بالامواج والزورق الصغير . كانت المدينة قد غابت عن ناظريه . أطبقت السماء وثار البحر وأزبد فتكسر الزورق .
فتح عينيه فاذا هو ملقى على شاطئ ، يقتات من جسمه العياء ويأكل من أمعائه الجوع ويشرب من دمه العطش . مدت السماء لسانها تلحس بقايا العاصفة فتوردت وجنات الصخور .
لم يغادر مياه البحر بل ظلت الامواج المتكسرة تجلد نصفه الاسفل ، تطفو به وتجره الى الداخل . حاول أن يرمى بنفسه على الصخرة ، فاذا يداه مكبلتان واذا صوت يزعق ، عرف فيه صوت البحر :
ستظل عالقا بالبر ، هاريا من السمك الذى ينهش أطراف أصابعك ، وستبقى حيا كالميت ، يسد مسمعيك نعيق الغربان ، تهوى مناقيرها على صدرك ... وقهقهت الامواج : ها ها ها ...
سرح المساء أصابعه السوداء العريضة ثم مد يده المتجمدة على الصخور العارية .
أحس بالحيتان تنهش قدميه فدلته نهشاتها على صغر حجمها . وفكر طويلا بين الشعور والغفلة : لا بد أن تكون صغيرة . ثم أحس كالهاجس يهتف من أعماقه : أما ثارت الصخور . فرجعت شفتاه اليابستان : لا شئ الا السماء تسود وتصفر فى شحوب على صفحة البحر الفسيح . تنهد كاليائس المستسلم : لم تبق من البحر الا آثار قديمة . ستبكى علي ، وسيمتص أبنائى حلمتها الحزينة ...
حاول أن يغير اتجاه تفكيره ، فاستتوقفته صور المدينة ، متكئة الابواب على الشاطى . فهتف لنفسه :
تلك الابواب لو تلامسها يداى لو تقبلها شفتاى ، لأموت من الحنين ... أواه لو يعتقنى البحر ، فأعود لأسمع سنفونية القرى تموت فى الأفق الجمرى ، ولانشد مع الرعاة ومع زبال القرية ، يمسح النوم عن عينيه فى الصباح ..
وطنى يا أعمق من مرايا ومن ألف تحية ، مد أطراف ثوبك ولننس الخرافة ، لنصعد الجبل ولنحمل الصخرة معا أقوى من ألف سيزيف . ولعلنى أستفيق يوما فأعود لأحشو مخدة الرخام بأحلامى ولأحرق أوراق الفرار ، جوازات الغربة والعويل ، لأحرق الأوراق على شرفات المنازل . فالمرأة ان كانت لا تغازل فما فائدة النهود ، ما ابتسامة الورود ؟
لعل البحر يعتقنى يا وطنى فأقطع الجبال والصحارى واجتاز السدود الى حديقة الحياة . وسأقفز على سياجه الحديد ، بقايا إنسان ، سأمشى اليها وأقطف من تفاحها المسحور ثم أعود لوطنى الظمأن بالعصير ...
أواه لو عدت لأرقص بين عائلتى الفقيرة ولتسلق جدران الزقاق ، فاضم بين ذراعى أختى الصغيرة ولأنشد بلا انقطاع ...
ها هى القلاع تسافر فى البحار بلا رجوع وها هى تونس لى ، انا ذلك الشئ الحقير ، أنا خرافة البحر والمساء أواه لو يعتقنى البحر لننقرن على الدفوف ولننشدن مع الضيوف : عما يبحث العمي فى السماء .
وكالصبى اذا استفاق على البكاء ، لفه الليل ودثره المساء البارد الأخرس ، يسير على الشاطئ ، جلالة الحداد فى خطاه وبين أوراق الفرار .

