الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "المنهل"

تيه ونور، لمشيل موسى سنراحة - شعر طلق - حجم صغير - 90 صفحة، طبع على مطبعة كرم بالقدس

Share

صدر قبل مطلع هذا العام بقليل كتاب : " تيه ونور " ، وهو يحتوى على اربع واربعين قصيدة من الشعر الطلق ؛ وقد اهداه مؤلفه مقدما احساساته العميقة ، وعواطفه الجياشة للمهدى لهن ، وهذا الكتاب هو باكورة شاعريته الخصبة

عرفت صديقى الاخ ميشيل منذ زمن قريب عن طريق الرياضة فى الظهران المنطقة الصناعية الكبيرة ، فرغبت فى صداقته بعد ان جمعت بيننا صلة الادب وروح الرياضة . كنت اراه رزينا عن بعد ، يعيش مع نفسه ، معتزلا ، يلهو فى فردوسه الخاص حتى بت احيانا الهو معه ! ولما كانت للصداقة حرمة مقدسة ، وواجب ووفاء ، رأيت لزاما على ، وقد قرأت كتابه وتحسست شعوره ، وتقربت اليه ان اقدمه الى القراء فى الخارج عموما ، والذين فى الظهران خصوصا ، وهم لا يعرفون عنه الا القليل ، لانه لم يسبق له ذكر من قبل ، وثم لانه كان معتكفا يتمخض بالكتاب حتى حبل فخرج من عزلته ، حاملا مولوده الى النور . .

المتصفح للكتاب يجد نفسه امام مشاهد مختلفة من الوصف ، وتيارات من العواطف والاحساسات الملتهبة .

حينا ينصت الى حنينه الدافئ في سكون : وهو يناجي طبيعة وطنه وزهرها ونسيمها ويتمزج بها ، فتشعر برقة عاطفته وصدق انفعالاته ؛ لانها مستوحاة من الطبيعة ذاتها وقد اعطاها من قلبه وصبغها بدمه فأجاد . . وهذا خير مثال نطلقه على اجادة الفن الاصيل . . وقد قال بيرون : ) الفن هو مزيج من الانسان والطبيعة ( .

وحينا يقف امام تحد صارخ ووطنية عارمة لاهبة ، فهو مازال فتى يتدفق حيوية ونشاطا ، وانسانا واقعيا ، قبل كل شيء : يحب ويكره ، يشقى ويسعد ، يثور ويهدأ . . ومما يجذب انتباه القارئ اليه بصورة خاصة وطنيته الرائعة ، وثورته الحادة على القيود والسدود مهددا ، ومتوعدا .

واذا تأملنا قصائده : العاطفية امثال : امي ، اليك وطنى ، تسامح رقيق ، سؤال حبيب ، ابى ، همسة ، رأينا كلامها سهلا حلو المذاق موسيقى النغم ،

واليك جزءا من قصيدة " امي " :

نور حياتى فى الوجود

اله

أوجد الوجود

ثم ام

سهرت الليالي على حياتي

نبراس الهدى والسلام

يهدينى الى خير سبيل

يشع من قلب حنون

من قلب أمي الكبير

أمي

ام الحنان

والعطف والسلام

وطهارة الوجدان

امي

اما من الناحية الوطنية فيتكلم بلغة الحديد ، ويقف خطيبا يقذف الحمم ، ويوقظ الهمم ، ويؤجج النقمة فى الصدور ، وهو فرد من امة كبيرة ؛ شردها الاستعمار البغيض

وعضها الزمن بنابه ، فيقول " لمن يسمع " :

حطم السدود

اكسر القيود

لا تعش سجينا

لا تكن من العبيد

كفى نيرا كفى استعباد

ويبلغ سمت وطنيته الرائعة ورجولته الفائقة فى تحديه الصعاب والنوائب فيقول ان قصيدة "تحدي " وهو المؤمن بكفاحه ، المخلص فى وطنيته ، الموقن ، لا بد للقيد ان ينكسر :

اعصفي يا صعاب

أمطرى الآلام والعذاب

واسقني العلقم المركز

وسممى الجسم بوخز النبال

انك لن تؤثرى على الرجال

ثم يقول :

اعصفي يا صعاب

شددي ، سددي الضربات

أظلمي كيفما شئت شبابي

إنني لن اهاب

إنني سأصل الى المراد . .

فهو عنيد جبار يشق طريقه الى الروابي رغم ما تكتنفه من صعوبات ، بهمة لا تكل ، وعزم لا يفل . . دائب الحركة ، رابط الجأش ، لا يرهب الموت فى سبيل تحقيق هدفه الأعلى . . فهو كذلك عزيز النفس ابيها ، محافظ على كرامتها لا يرضى

أن يلوثها بأية شائبة مهما كان الثمن غاليا ، شأن كل حر كريم ، يؤثر المنية على الدنية فاستمع إليه يقول فى قصيدة " عزة":

انا لا اقبل الاهانه

لا ورب القيامه

انا لست ممن تحسبون

يقبل خبز العبوديه

يخضع خوفا من المنية

ثم لابد من الاشارة الى نزعته الانسانية التي فطر عليها منذ الصغر ، فهو يحب البشرية جمعاء ، ويدافع عنها ما استطاع ، ويكره الحرب والفساد ، ويتمنى ان تسود الطمأنينة والصلاح ، واليك قطعة صغيرة من قصيدة " ابى " :

علمنى الحب ابى

حب الانسان

والوطن الثمين

والانسانية

والحق والحرية

ابى

الانسان

كما انه يكره المتكبرين الذين يشمخون بأنوفهم فى الهواء ، وقد تناسوا او نسوا وهم فى غمرة من جهلهم ، انهم من التراب واليه راجعون!

أخي ! لا ترحم من يتكبر

دسه ولا تتحسر

فلا تترك الحيوان بانفه يتعظم

اقض عليه لانه داء

وقل معي : الله اكبر

وبعد ذلك يتمنى الشاعر فى : ) دنيا ( حياة تخلو من الاستعباد والعبودية والمكر والدهاء ؛ عالم تسوده الفضيلة والحرية ويرفرف عليه لواء الاخلاص والاخاء والحق فيقول :

اذا عشت والطفل يرضع الحرية مع الحليب

وينشأ خيرا للقريب والبعيد

ويغرد لحن الأخاء ويكون مثاله

ويخلص وفاء لمجتمع انسانى بأعماله

اكون قد عشت فى دنيا حياة

اذا عشت والحق يعلو الجميع

وفى سبيله يجاهد الكبير والصغير

وليس انسان نبراسه الباطل والدليل

فالحرية والحق اجتمعا خير سبيل

اكون قد عشت فى دنيا حياة

وقبل ان انتهى من هذه الدراسة وقد توصلت الى هذه المرحلة أود ان اشير الى بعض قصائده التشاؤمية ذوات الحيرة الواسعة التى كادت تطغى على وطنيته وتحديه الرائعين وهي : ) امل ضائع ( . . ) من انا ( . . ) الانطلاق بالاحتراق ( . . وثم ملاحظة جديرة بالعناية ، وهى انه فى بعض قصائده الوطنية يبلغ ذروة تحليقه

الشعرى Climax ثم لا يلبث ان يسف Anriclimax فتتلاشى الانعكاسات . ويذهب رونق التحليق الشعرى . كما فى قصيدة ) عزة (

اما اشارتي الاخيرة فهى استعماله بعض الجمل العامية مثل . . " ان فكري يعمل لحسابك " ص 9 " . . " مع ان له سابق اختبار " " ص 35 " . . " مع انى احمل خارطة " 37" و اخلع رقبته ص 51"

ومهما يكن من هذه الملاحظات الطفيفة فأنى اعتبر كتابه خطوة جيدة لشاعرية متحررة تريد الانطلاق . وآمل ان تتلوها خطوات اخرى اوسع واشد ؛ وهو ما زال الفتى الغض الاهاب ، الجديد الشباب .

الظهران

اشترك في نشرتنا البريدية