الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

ثرثرة أغسطس

Share

الى الاستاذ محمد مزالى رجل فكر وتربية وصاحب هذه الدعوة : (( فلنلائم برامج التعليم والثقافة اذن حتى تعم الروح العلمية كافة أصناف الشعب وتستأصل الشعوذة وتزول العقلية الخرافية وتتركز ارادة الحياة والبقاء فى أجيالنا الصاعدة . . إذا أردنا أن نخرج من التخلف حقا ونساهم فى بناء حضارة )) الفكر عدد 5 فيفرى 1973 )

كنت متيقنا عندما استيقظت صباح هذا اليوم ووجدت نفسى على سرير أبيض وأمامى ممرضة بيضاء والى جانبى طاولة ليل فوقها قارورة ماء صافية أننى فى مستشفى للامراض العصبية . تحسست وجهى وبطنى ورأسى وأطرافى ، فكل هذه الجهات المسؤولة تعلن عن سلامة أجهزتها ولكنى رغم ذلك أشعر أننى مريض .

- 1 مكرر  -

فعلا ان هذا الرجل الذى دخل مستشفى الامراض العصبية لا يبدو عليه شئ من علامات المرض ، لكنه جاء الى هنا بنفسه تحمله قدماه ، فقد أقر منذ أيام أنه مريض ولا بد من الاتصال بطبيب مختص . وعندما جلس الى الطبيب أجاب : - الاسم فلان بن فلان - العمر ثلاثون سنة - المهنة : أستاذ تعليم ثانوى

- الاقدمية : ثمانى سنوات - الحالات العرضية : لا شئ لكنى مريض

لم يتعجب الطبيب بل ربت على كتفيه قائلا : حالتك عادية جدا ، تمر بنا مثلها فى السنة حالات عديدة ، ستقيم الليلة معنا ولا تخش أمرا خطيرا . وهكذا استيقظ هذا الصباح وعندما أقبل الطبيب دعاه أن يتحدث وطلب له قهوة وقدم له سيقارة مبسمة .

حاولت أن أنسى اللحظة التى أنا فيها لاعود بذاكرتى وألملم شيئا من ماضى القريب بالرغم من الالم الذى يصيب أعصابى ، وسرعان ما ضحكت رغم هذا الالم ورغم الطبيب الذى يجلس أمامى كأنه ينتظر لغزا ليكشف علتى .

ضحكت ، فقد تذكرت أننى رجل يحمل تحت ابطه كتبا ومحفظة وفى جيبه أقلاما ملونة ويدخل كل يوم قاعة ليخرج منها الى أخرى .

كانت هذه الادوات لعبتى المفضلة عندما كنت طفلا صغيرا أجرى حافى القدمين بين السواقى وعلى الزجاج المكسر فى دروب الغابة وكنت أجمع كواغظ وشظايا زجاج وعصيا ، من الكواغظ أصنع كتبا وكراسات ومن شظايا الزجاج والعصى أصنع أقلاما وتلاميذ ، وكنت أتكلم وأصرخ وأضرب بقدمى على الارض لان تلامذتى رغم ذلك لا يصغون الى . كان أبى فلاحا ، ورغم ذلك كنت أريد أن أكون مثل خالى ، أحمل أدوات وكتبا وأقف أمام صبية لالقى درس الصباح أو المساء . على اللعنة لو لم ألعب لعبة المدرس والتلاميذ . . ؟  كان على أن ألعب مع الحمار والعنزة التى كنت أحملها الى راعى المدينة فى موسم الصيف ليلقحها تيس صلب تتسرب منه رائحة الجنس والشهوة . أو أن ألعب لعبة المشعوذ الذى يدخل أسرنا بدون حساب ليعلق حجابا ويسرقنا مالنا . كان على . .

سامحك الله يا والدى ، كنت تقول لى دائما : - يا ولدى كن رجلا ، اقرأ ، تعلم ، فأنا لا أعرف من أمر الدنيا شيئا . سامحك الله ، فقد كنت تعرف أشياء كثيرة ، وكنت رغم بساطتك أكثر عمقا ، كنت تريدنى موظفا حكوميا أو معلما يضع فى جيبه قلما ويحمل مجموعة

أوراق وكراسات حتى تفتخر أمام أصدقائك : ابن فلاح يصبح موظفا حكوميا . شئت أن اكون مدرسا ، سامحك الله .

أدخل قاعة ، أفتح كتابا ، أتكلم ، ألهث ، أعرق أتحدث عن الحداد ، عن المرأة ، عن الحداد والمرأة والمجتمع .

- سيدى ، لقد كان الحداد كافرا . - لا يا ولدى ، الحداد كما كان جد جده مسلما . - سيدى ، أنا أقول أن الحداد كان كافرا . هكذا قال رجال فى المسجد

- يا ولدى ، الحداد كان رجلا عاقلا ، كان رجلا مناضلا . ظلمه فى عصره وغير عصره أرباب المساجد سامحهم الله .

- سيدى أنا أقول ان كتابه من وضع الراهب سلام . هكذا قال لنا الاستاذ ف عندما اجتمع بنا فى المقهى وقال ان فى قريته شيخا ، رجل علم وتقوى شاهد على هذا والاستاذ ق أستاذ أدب مثلك .

وأضرب كفا على كف ، يا خسارتى ، بناء يضع جسرا حجرا حجرا وقطعة حديد فوق أخرى بعرق جبينه ثم تنزل صاعقة فتنسف كل شئ . وأخرج من القسم صفر اليدين ، لماذا أنا والحداد سيظل كافرا وملحدا ودجالا ؟ سامحك الله يا أبى ، لو جعلتني فلاحا أحمل المسحاة وأقلب الارض ويعفر وجهى التراب لكن الارض ستحس بنبضة قلبى وعضلاتى . .

لماذا أدخل قاعة الاساتذة ، الاشرب كاس شاى أو قهوة محمصة أم لأقف وحدى أمام النافذة التى تطل على حديقة المعهد كلما دق جرس الساعة العاشرة أو الرابعة ، أسأل نفسى كلما دق الجرس وأقف على عتبة باب قاعة الاساتذة . . هؤلاء الاساتذة ماذا يصنعون بالتحديد ، يلبس أغلبهم بدلا من طراز أقل من اللائق أو أحسن وبعضهم يلبس لحى كثة تختلف طولا وعرضا باختلاف دلالتها الفكرية .

- 3 مكرر -

حقا ان هذه القاعة التى يصفها هذا الرجل فلان بن فلان وهو فى حجرة للامراض العصبية صورة مصغرة للعالم الحديث . ففى ركن يجلس المتعاقدون (( يتشفطون )) كؤوس الشاى بطريقة عصرية وينظرون الى غيرهم من المدرسين كأنهم أساتذة من الصنف الثالث كالعالم الذى ينتمون اليه . وفى الركن المقابل يجلس اصحاب اللحى ذوو الاصالة المفقودة . وفى الركن الثالث يجتمع النساء وأرباب الرياضة هذه هى قاعة الاساتذة كما عرفها هذا الرجل الذى يبدو أنه أصيب (( بنزلة عصبية )) لكنه أهمل الركن الرابع وهو ركن يجمع بين تحريفى تقليدى وتحريفى حديث وماوى ويسارى متطرف . لكن اجتماعهم قلما يطول وفى أغلب الاحيان يظل الركن فارغا لانهم لا يتفقون . حقا ان هذا الرجل يذكر كل شئ عن قاعة الاساتذة ، ويذكر الحصار الموجود بين هذه الاركان الاربعة ويذكر أنه كان يقف وحيدا خارج الحصار .

ما لهذا العالم يضيق ويحاصر ، كان على أن أجلس امام مدير المعهد بكل احترام ، لكن على قبل كل شئ أن أضحك بدورى من هذه الكلمة ، فقد تكرر معنى الاحترام كثيرا .

- سيدى لماذا تدرسنا أبا نواس ، هذا رجل كافر وفاسق وملحد ، هذه جناية علينا يا سيدى .

- يا ولدى ، أبو نواس لم يكن كافرا فأهل عصره لم يكفروه فما بالك بنا الآن .

- سيدى ، آن لنا تكفيره . - طيب أحترم رأيك ، لكن قبل ذلك يجب أن نفهم هذا الشاعر .

ويسكت التلميذ لان رأيه محترم وان كان خاطئا ويضحك التلاميذ لان أستاذهم جبان يبحث عن الطرق السهلة للخروج من المآزق . قلت آن لى أن أجلس باحترام واسأل السيد المدير :

- سيدى المدير مع احترامى لتقييمك لست راضيا بهذا الصنف ، اننى صاحب أقدمية وتجربة وأنت تعلم مواظبتى وانتظامى . .

أجابنى السيد المدير باحترام . . - أعلم أننا لا نعطى الاعداد من اجل المواظبة والانتظام . - وماذا تريد اذن ؟ - أنشطة أخرى . . - تقدمنا بمحاضرة عن الغزل ورفضتها - لسنا فى حاجة الى غزل عمر أو الى خمرة أبى نواس ، ثم بلغنى أنك لا تكفر أبا نواس فى دروسك .

- 4 مكرر -

ان هذا الرجل الذى يتحدث تعلم شيئا هاما عندما كان تلميذا فما زال يذكر ليلة أرق عاشها عندما تحصل على عدد ردىء وصاح فيه أستاذه :

- ما هذا التعصب ، ما هذه الفوضى ، ألا تعرف الموضوعية ، اتنتقل الى الجامعة وأنت قاصر عن التفكير العلمى !

وظلت العلمية والموضوعية مركبا بحريا يريد اللحاق به وعندما بلغ الجامعة علم أن أساتذه على حق ، فلا معرفة بدون علم ولا علم بدون موضوعية .

وعندما يخرج من الفصل وقد تصبب جبينه عرقا ويقف الى المشرب يطلب قهوة الساعة العاشرة يسأل نفسه ، هل البلد فى حاجة الى شهائد جامعية او الى أساتذة وعندما يصبح أستاذ الرياضيات يلقى درسا فى الادب :

- تدرسون الحداد ؟ - نعم يا سيدى . - انه رجل تافه ، من ذوى الافكار المستوردة

- كيف ، سيدى ، أستاذ العربية قال انه ابن هذه التربة التونسية الطيبة ، انه رجل فكر قدم للوطن عملا اجتماعيا جليلا .

- أستاذكم جاهل .

عندها يتساءل أيضا لماذا لا نأتى بجلاس المقاهى وأرباب المساجد ليقفوا أمام التلاميذ فى دروس الصباح والمساء .

أما آن لهذا الرجل الذى توترت أعصابه أن يسكت ولو قليلا ريثما يرتب أفكاره وينسقها . ان حرارة اغسطس تثير الاعصاب فكيف يسكت من تتوتر أعصابه دهرا .

عندما أترك المعهد مساء وقبل العودة الى منزلى أجد نفسى أمام اختيارين ، اما ان ألزم البيت أضع فيه ما أشاء وأتحمل بشئ من الضيق لازمة زملائى : (( هذا رجل انتهى يجب ترتيبه ضمن الوثائق القديمة )) أو أن أمر بالمقهى أجلس ساعة قد تطول مع الزملاء . ولما كنت دائما متوتر الاعصاب كنت أمر بالمقهى لاغير الاتجاه نحو البيت ، كان اذن لا بد من المقهى :

- ذهبت ديمقراطية التعليم - البرامج متأخرة غير مستجيبة لمتطلبات التلاميذ والعصر - يجب مكافحة سياسة الانتقاء . - كيف ؟ - يجب انجاح أكثر عدد - كيف ؟ - يجب تفخيم الاعداد - والمستوى ؟

- لا يهم المستوى . . يجب أن يأكل جميعهم الخبز . - والوطن ؟

- 5 مكرر -

وتزداد أعصابه توترا . ان هذا الرجل فلان بن فلان يشعر حقا أننا نبحث عن أنفسنا وما شك يوما فى صدق زملائه لكن تفكيرنا على هذا النحو وان كان صادقا فهو خاطئ . وعندما سكت هذا الرجل قال الطبيب : كفى . هذه ثرثرة أغسطس بعدها ستهدا قليلا لكن حتى لا تزورنى من جديد أنصحك أن تعيد حياتك ، ابحث عن مهنة أخرى فلتكن فلاحا أو حدادا وحتى ماسح أحذية ونادلا فى مقهى ، لم لا ؟

م - ب ( أوت 1977 )

قابس

اشترك في نشرتنا البريدية