نظرت الى التلاميذ فى سخط وصحت فيهم : أن اسكتوا ، فخيم صمت نسبي فى قاعة المراجعة وعدت الى نفسك . .
تبسمت فى سخرية : - لقد انتهى امرى .
قلتها وقد شعرت بقتامة الحياة ، ، ومرارة الواقع ، انك تعمل قيما بهذا المعهد منذ بداية السنة . . وأقسمت أن نواصل دراستك بالجامعة التى دخلتها منذ وقت بعيد . . . كنت تنوى أن تنجح وتتخرج بشهائد عليا . . ولكن هيهات ، ، ، لقد فشلت فى امتحانات كثيرة رغم مجهوداتك التى أضنتك . . وأتعبت عينيك وأرهقت أعصابك .
ولكن هل تدرى لماذا فشلت ؟ انك تعرف السبب وتحاول أن تهرب من الحقيقة .
كنت تريد أن تتميز على أقرانك فى الدراسة فتطالع كل الكتب التى لها صلة بالبرامج الرسمية وأساتذتك لا يريدون منك الا أن ترد لهم بضاعتهم . . .
وكنت تفسر الدروس على هواك وحسب ميولك السياسية . . وأساتذتك يتضايقون من تفسيراتك التى تتجاوز ما عودوك عليه . .
مالك والسياسة ؟ . ألم يعلمك أساتذنك بأن تتركها جانبا وتتفرغ كليا الى دروسك .
كنت تعتقد أن الوعى بكل ما يحيط بك يزيدك قدرة على فهم الحياة . . . والجامعة . . . والاساتذة . . . ولكنك أخطأت السبيل . . .
تذكر رميلك الذى كنت تعتبره حمارا لانه لا يشاركك المناقشات السياسية . . ويرفض أن يفهم شيئا خارج دروسك . . لقد أنهى دراسته بالجامعة . . والتحق بوظيفة عالية. . وهو الآن يعد رسالة لنيل شهادة الدكتوراه . .
أمرك عجيب . . ! انك ما زلت تعتبره حمارا لا يفهم الحياة . . . هه . ! ماذا فعلت بفهمك العميق للحياة . ؟ وبماذا أفادتك السياسة ؟ ! .
عاد التشويش مرة أخرى يقلق راحتك ، فجلت ببصرك فى كل الوجوه . . وخاف بعض التلاميذ إثارة غضبك فتلهوا بكتبهم وكراساتهم محاولين ايهامك بأنهم يراجعون دروسهم فى صمت .
كنت نريد أن تصرخ فيهم . . أن تطرد بعضهم . . ولكنك تراجعت . . وكتمت غيظك . . وعدت الى نفسك .
تلاطمت الافكار فى رأسك . . واصطرعت التأملات فى مخيلتك . . وأسلمت نفسك الى لا شئ .
كانت أمامك ورقة بيضاء . .قربتها اليك وخططت عليها بالاحرف الغليظة : " أنا قيم " .
قيم و . . . طالب . . . لا يساويان . . . نجاحا ! ما معنى " قيم " ؟
هل . . . ربما . . . ولكن . . . شددت على الورقة فى عنف ومزقتها . . وألقيت بالقلم بعيدا . . وكأنه المتسبب فى قلقك . . .
إنك ضعيف ! ضعيف ! لاحظت تلميذا يرمقك بنظرات حائرة . . . أو هكذا خيل اليك . .
ولا تعرف لماذا قفز الى ذهنك أمر هذا التلميذ . . وقلت فى نفسك : - هل يصبح هذا الذى يرمقك فى حيرة صاحب شأن عظيم ؟
ثم هممت بالتحدث اليه الا أنك تراجعت . . . أنت دائما تتراجع . . . إنك ضعيف . . ضعيف . . وقلت فى صوت يكاد يكون مسموعا : - أنا قيم !
قيم ! من قام يقوم قيامة . . قام بحراسة قاعة المراجعة . . ويقوم فعل مضارع لا يفيد القيم فى شئ . . والقيامة هى مصدر من قام . . وهى مصدر للقلق . . والقيامة هى البعث من جديد . . صحيح أنها البعث من جديد . . ففى هذا المعهد قيامة عامة داخلية . . وقيامة عامة خارجية . . وأنت قيم . . فان كنت تريد معاقبة تلميذ فابعث به الى القيم العام . . أى الى حضرة القيامة العامة . . فسيعود اليك وقد بعث من جديد .
إن القيم العام لا يرحم . . وفى قيامته العامة الحساب والعقاب . . . وألح عليك أمر آخر : - هل يمكنك أن تصبح قيما عاما ؟ .
وتقاذفتك أفكار غريبة . . . تمنيت لو رحلت الى أوربا . . أو الى بلاد النفط . . وانضممت إلى عمالنا بالخارج . . ثم تعود . . ومعك شقراء جميلة . . فتنسى ابنة خالك التى أحببتها . . تعود ومعك سيارة . . ورصيد من الدولارات أو الريالات . .
لماذا ظهرت فى رأسك هذه الافكار ؟ لكنك لا تستطيع أن تجيب . . إنك خسرت العمر كله فى الدراسة . . ولم تتحصل على شئ . . الفشل يلاحقك دوما . . .
صديقك . . ذاك الذى هجر التعليم منذ سنوات عديدة . . وانتقدته لانه رفض أن يواصل التحصيل . . هو اليوم غني . . يملك سيارة . . عفوا يملك السيارات . . والفيلا . . ويدير تجارة رابحة . . وفى مكتبه سكرتيرة جميلة . . وتجرى وراءه النساء . .
أين أنت من كل هذا . . ! ؟ فهل حقق التعليم لك شيئا ؟ الثروة ؟ أنت قيم . . ولن تكون صاحب ثروة . .
الشهائد ؟ لقد خرجت من الجامعة بخفي حنين ! خسرت كل " الخراطيش " . .
وها أنك تحاول العودة الى الجامعة برخصة خاصة قد يرفضها المسؤول . . ولا يمنحها لك لانك مزعج . . أفكارك السياسية تجعل الادارة ترتاب من أمرك . . .
فى معنى كلمة " قيم " هناك أشياء أخرى لا تذكرها . . .
تقول : هذا كتاب قيم . . . هل فهمت ؟ ! اذن فأنت رجل قيم . . يعنى أن لك " قيمة " ولكن القيم فاقد للقيمة فى حقيقة الامر . . والقيم من أصل " قيم " . . ربما . . فأنت لست متخصصا فى النحو . . ولا فى الصرف ، على كل ربما اهتديت الى ذلك بالبديهة .
" قيم " فعل يفيد التهذيب والتثقيف . . اذن فأنت كقيم تقوم بدور فعال فى المعهد . . تهذب التلاميذ وتثقفهم . .
ولكن ما العمل ؟ وقد قال لك مدير المعهد يوما :
- ممنوع على القيم مخالطة التلاميذ .
قالها بالفرنسية وواصل :
- دورك الضرب على أيدى العابثين . . . اذن أنت شرطى فى المعهد . . تطبق القوانين وكفى . . . والمعهد لا يسير حسب رأى المدير الا اذا استتب الامن . . فانت حافظ قيم للامن . . . والقيم العام حافظ عام للامن ، والتلاميذ . . . رعايا . .
ولكنك قيم وكفى ! .
وتستفيق من دورانك حول نفسك وتجد أنك فى حاجة أكيدة الى التدخين . . كنت تشعر بآلام مبرحة فى دماغك . . وكنت تحس بضربات متواصلة رتيبة على صدغيك . . ففركت عينيك وحركت رأسك المتعب . .
رأسك المثقل بالهموم والحيرة . . ثم أدخلت يدك الى جيبك لتخرج سجارة . . وتضعها فى فمك . . وتأخذ عود الثقاب من الوقيدة . . ولكنك تتذكر شيئا :
" ممنوع التدخين فى قاعة المراجعة " . هكذا قال المدير . .
كنت تظن بادىء الامر أن التدخين ممنوع على التلاميذ فقط . . ولكنك دهشت عندما علمت أن التدخين ممنوع على القيمين أيضا . .
عجيب هذا الامر . . . ولكنك فى الحقيقة لا تتعجب كثيرا من أقوال المدير وتصرفاته . . فهو لم يسمع بعد أن العبودية زالت من زمان . .
إن السيد المدير " استعمارى " من الصنف الاول . . . وهو يرفض الى حد الآن حقوق الانسان ، وقد قال لك مرة : أنا معجب بهتلر . . !
أردت أن تتحدى قرارات السيد المدير المحترم أعزه الله . . لانك مقتنع بأن أمره لاغيا . . وأشعلت عود الثقاب بكل ارتياح . . . وقربته الى طرف السجارة ولكن الجرس تدخل ليحسم النزاع بينك وبين قرار المدير . . فأفشل عليك متعة تحديك لقرارات السيد المحترم . . .
شعرت بالفشل . . فشل . . فشل ! وتبسمت فى سخرية . . . وأخذت أدباشك التى كانت مبعثرة فوق المكتب وخرجت بدون أن تأمر التلاميذ بالخروج . .
أنت رجل لا تحب الاوامر . . خرجت وأنت تفكر فى هذا الفشل الذى التصق بك الى الأبد . . .
