هذا اليوم استيقظت مع العصافير ، بعد بائعى الصحف . وكنت وانا استنشق نسمات الشتاء الباردة ، واسير عبر رمادية الصبح ، وانظر الى الناس المبكرين الى اعمالهم . . استعرض طرق التصرف فى وجودى
- أعمال ادارية رتيبة ليس لها اى معنى يتصل بحياتى النفسية العميقة . . - تسليات صغيرة تتخللها ابتسامات بلهاء آلية . . - اتصالات سطحية بالآخر . - وجوه ليس فيها أية علائم للتساؤل الاكبر . - افواه لا تنطق الا بالتافه العادى من القول . - حركات ، اضطراب ، ذهاب ومجىء ، ارهاق بدون جدوى - فرحات قصيرة عابرة . . - احزان مباغتة ، وافكار مجنونة متمردة . - أحاديث لا تدور على اى محور ولا تخضع لاية منطقية ولا حماس صادق انها الخواء والتكرار وجدب الخيال
. . . ثم ينتهى النهار ، ويعود كل " سيزيف " الى قاعدة انطلاقه كما يعود الفدائى من مناطق الاحتلال . وفي ظلام الليل ووحدة النفس ، تبدأ حرب جديدة . . فتتراقص فى الذهن ازمات اعادة النظر والتعريف ومحاولات حصاد المعنى ، ويعود الخيال الى الماضى محاولا وزنه وتقييمه ، ثم يمضى العقل مع الخواطر ساعيا لضبط تحاليل واضحة عن طبيعة الوجود ، ويلهث القلب وراء السرابات والفراديس الشعرية التى تشيد وتهدم فى دقائق وثوان . ثم ينفذ الوعى الى السراديب الغيبية ، فتبدو الحياة فى تركيباتها الخلوية اللزجة ، وتنتصب الاشياء - امام العين الداخلية - فى تكويناتها الذرية
العجيبة ، فتكاد الاذن تسمع ذبذبات الكهارب ، والبصر يدرك الصفات المتنوعة ضمن المورثات
وللحظات ، تزاح اغشية الظاهر ، فتتساقط الاقنعة وينشأ الدوار وتتيه النفس عبر سدم المجردات انطلاقا من قواعد بيوفيزيائية ، ثم تنتصب الروح فى مواجهة اساسية امام المحرك الاول
وبدون انذار ، تندفع حالات الليل وتدور فى شطحات مجنونة صاخبة ، ويسيطر منطق الموت ويستولى على كل السلط الداخلية ، ويفرض الجسد محدوديته . وبقدر ما كانت نبضات القلب علامات للحياة ، بقدر ما تصب خطوات للموت . . . وتختلط الواردات والغرائز بعضها ببعض وتتما . اصواتها وكانها اصوات سكارى ما بعد منتصف الليل . . ثم تنعم الجاذبيا الواقعية ، وتنهار مختلف الاحلاف الوقتية المبرمة ضرورة مع مختلف جبهات الواقع ، وتفسخ كل الهدنات مع كل الحتميات القاهرة وتتعرى النفس من كل أثواب التنكر وتلقى بكل اسلحتها وترقص رقصات الرفض والحنية والانحراف والبراءة والحق الاول . . . فتبرز الميول المحرمة والغرائز الحفي وتنزع براقعها الاخلاقية وتكشف الاعماق بكل خاماتها ورواسبها وصلف وحنينها الى الحياة الطليقة ونرجسيها المستعصى علاجها عن كل ما قدمت آداب السماء من أناجيل وصيدليات الارض من أدوية . . وتبدو سعة الهو التى تفصل الفرد المستيقظ ، عن حضارات الكبت والتعاليم والاوامر والضمائر الصناعية . فينطلق التمرد ويصرخ الاحتجاج على كل ما تحتويه هاته الادغال من مواد مبيدة لكل فراشات الشعر ، ويصحبه نداء خفي للنجدة :
هذا الزورق الضائع بدون بوصلة ولا اسلام ، يوشك ان يبتلعه محيط الفراغ ، يوشك ان يحطمه الوعى الاضافى المتجاوز لاكثر ما تفرضه ضرورة العيش . . . هذا الصرصار المتشرد فى شتاء التاريخ ، تكاد تسحقه اتعاب التمثيل والغاز المطلق . . .
ترى . . من يسمع . . واين توجد ادارة عقلنة الحياة . . . ومن عنده فلسفة مجدية ٠٠٠ ؟
- الكتب : ليس فى امكانها الا تقديم قوالب لفظية لا تتضمن الا اطلال معان واصداء اصوات قديمة . . وانها كبيروت العنكبوت وقصور الرمال ومساحيق التجميل
- الناس : انهم محشوون تبنا ونوايا حسنة فى حالة تأجيل دائم ولا ينطوون على اى " عالم اكبر " . . وانهم كمشاريع السكارى ، وبطاقة الولادة هى حجة حياتهم الوحيدة
- الذات " انا " : ما زال فى قبضات نقط استفهام اساسية ، ولم يبدأ الجد بالنسبة له وما زال فى حالة قوة . . وانه تافه على طريقته ، والمشكل انه من فئة الصراصير ويعيش بين قرى النمل وقبائل العنكبوت . انهم يقضون ايامهم فى بناء قصور الورق على سفوح البراكين ، و يريد ان تتحول الحياة الى اعراس وحفلات ومسيرات اخوية آمنة .
. وبعد ٠٠ أما آن الوقت لصراصير العالم أن تتحد ٠٠٠ ؟
ثم يعود الصمت الخانق ، وتزداد الظلمات كثافة ، ويتمدد الغار الافلاطونى ويتمط ، ولا تبدو أية معالم ترشد الى غار حراء . على ان الاشكال الاساسى لا ينحصر فى العثور على آثار مرور الله ، انما يتحدد فى عدم التناسب الفادح . بين الكم والمعنى . . فهذا الانسان قد جهز بمعدات حيوية وعقلية بالغة الروعة ، ولكنه ، ها هو قد اسندت له مهام جمع الطوابع البريدية والاصداف الخاوية . .
وليست الماساة فى الاستهداف للموت ، انما فى الاستهداف له رفقة العقل . . . ايها الجسد . . هل كانت وسيلة تكريمي الكبرى ، او اهانتى الكبرى . . ؟
يا هيكل الطين . . انك محرك زائل لا يتلاءم مع رغبتى فى القدرة والدوام وسوف لن اعترف بانك " انا " . - فمن انا ، اذن . . . واين بطاقة تعريفي ٢٠٠ - وما هذا العبث . . اين المعنى والرشد . . . ؟ - وما هؤلاء الاطفال . . . اين الانسان . . . ؟ ثم ينام الصرصار بعسر وخوف وتمرد وعذاب لا يبالى به هذا الشتا الثقيل .

