لقد منيت بهزيمة ما . . وكان زادى من الصبر قليلا وفكرى بالمظلمة مشغولا واستسلمت للثرثرة . بت طول الليل مسهدة أرعى انفاس النائمين من حولى مقرفصة فى فراشى ، أشد قلبى من الألم ، أشد رأسى من القلق ، أحملق فى الظلماء ، وأرى فيها كل الالوان القزحية تتشاكل وتتراقص لا لتكون أشكالا تسر الناظرين بل عفاريت فاغرة أفواهها متلولبة بعضها حول بعض يقدح من عيونها الشرر تتقدم نحوى تتقدم ، تتقدم ، راقصة على أنغام الزنوج المتحمسين لتحيط بى لتطوق جسمى كالحبال اللينة ملساء تدغدغنى ، تحب أن تضحكنى ، ولكن الضحك ثمنه باهظ جدا لا أقوى عليه وانا فاشلة ،
وتسئمنى جلسة القرفصاء هذه وأحب ان أرهب الثعابين فأتمدد على ظهرى وأمد يدى لزر النور الباهت الذى يؤنسنى عادة عندما أقلق فى الأثلاث الأخيرة من الليل ، وأتحسس مصحفى الصغير . . أتصفحه اقرأ منه آيات بينات فاذا البرد والسلام ينزلان على قلبى وطعم العسل المصفى يتريق فى فمى واذا النور الحقيقى يملأ مقلتى ، واذا الثعابين والشياطين والانس والجن وسوء الظن ، والفشل ، والقلق ، يحترق منه ما يحترق ويتبخر منه ما بتبخر . . وجاءنى النوم يسعى برجليه طالبا ودى بعد أن عز على مقدمه ، وأفقت مقتنعة شبعانة بما نلت من غذاء الكرى ، ولكنني وجدت آثار الملح حول عينى ، فى أعالى وجنتى : لعلى بكيت . . بكيت وأنا فى المنام حتى ابتلت مخدتى . . حتى اغتسل وجهى . . حتى فاضت الانهار والوديان وابتلعت ما اعترضها فى طريقها ، وضحكت الارض من بعدها وفجرت زرعها ووردها . . حتى أشرق الشروق وغمرتنا سيول الضوء المحرورة من شمس أوائل الصيف .
لاول مرة منذ مدة طويلة أرتدى ثيابى على عجل وأجعد شعرى كما اتفق وأنسى الالوان أمسحق بها وجهى لأوارى حزنى العميق وأنسى النظر فى مرآة الصوان والتلولب حول نفسى مرات ومرات .
لقد قررت أن أهيم على وجهى يوما كاملا بلا هدف ولا غاية .
هل أعبر الطريق الغاصة بالعجلات والمحركات والارجل والضجيج والمآرب أم أتوقف لأفكر وأتذكر .
خير لى من كل ذلك أن أقف لحظة أمام هذه الواجهة وأتظاهر بالبهجة لجمال ألوان هذا القماش الذى قد أقتنيه لأغلف المقعد العتيق الذى اشتريته من سوق الاثاث العتيق ونويت أن أبهرجه من الظاهر ليجلب اليه الناظرين والجالسين فيمدحون تغليفه ويطرون جلسته المريحة وهم لا يدرون البشاعة التى هو عليها والزمن العتيق الذى صنع فيه . . خير لى ان أفكر لأتعلم كيف أحيا من أن أعبر الطريق وأنا هيمانة وقد تدهسنى العجلات والارجل وأفقد الحياة . . أنتم لا تعرفون كم أعشق الحياة رغم كل ما فيها ، كم أتشبث بها ، لا لشئ إلا لانها تأتينى كل يوم بالجديد . ولو قلت هذا لاحدى صديقات الطفولة لفغرت فاها وبحلقت عينيها ودقت صدرها وقالت :
- أنت تتشبثين بالحياة ؟ عجبا أتذكرين عندما كنت تلميذة شاعرة وكان لك صديق يطلب آداب العرب فى احدى جامعات المشرق وكنتما تتراسلان بالشعر ، وذات مرة كتب لك أحدهم يقول : " أسليك يا آنسة أخونا ابتلعه الحوت فى اليم " وعشت أياما مضربة عن الكلام وعن الطعام وقررت يوما أن تلتحقى بالرفيق الاعلى لتواصلى دراسة الآداب مع الاخ الذى ابتلعه الحوت .
وحاورت نفسك وجادلت عزرائيل حول أسلوب لطيف ظريف تنتقلين به الى العالم الآخر . . أتذكرين يا صاحبتى عندما وقفت على منصة القسم فى فترة ما بين الدروس لتقولى لكل الزميلات : سكوتا وإنصاتا ، ولما حصل السكوت والانصات بكيت وودعت وأوصيت ، وضج القسم بالتصفيق لبراعتك فى التمثيل ولنجاح النكتة وقد تعودنا منك كل طريف وكل مثير . ولما غدا الغد نظرنا فاذا مقعدك خال ، وديونك خالصة ووصاياك كثيرة فتطرق الينا الشك وتململنا على نار الانتظار وكثرت بيننا الهمهمات وتراشقنا بالاوراق الصغيرة المطوية فى غفلة من الاستاذ وكان يقول لنا من حين لآخر : هل فهمتن ما قاله أبو هريرة ؟ فنجيب : نعم يا أستاذ . . أبو هريرة رجل عظيم له هرة جميلة أميرة الهررة بلا شك ، فيطرق على المكتب ويواصل : إذا نقرر هذا فلننتقل الى المسألة الموالية .
وما إن رن جرس الخروج حتى هجمنا على باب المدرسة فارات كمن شب فيهن حريق ولم ترجعنا للنظام حتى صفارة القيم وهو يتوعد المتهمجات
بالحجز والتضييق وركضنا عبر الطريق كاللبؤات الهائجة الفارة من أقفاصها نكاد نرمى بمحفظاتنا الثقيلة على الرصيف لانها تعطل جرينا ووصلنا لاهثات الى بيتك وقررنا خلع الباب إن لم يفتح لنا . وكان بعضنا يبكى خوفا من أن يكون الوقت قد فات ، وبعضنا يعبر عن حزنه بالضحك الهستيرى ، وبعضنا صامت يفكر في حيل الانقاذ وفتحت لنا خادمتكم الباب فهجمنا عليها وصعدنا المدرج على جثتها حتى أغمى عليها من الفزع إذ ظنت ان الجيوش الفرنسية تطاردنا وتهاجم المنزل لتزعج من فيه ، وعلى فراشك وجدناك تغطين فى نوم عميق وبجانبك علبة اسبرين فارغة وكأس من الماء فصرخنا وولولنا وهززناك هزة أفاقتك من موتتك الصغيرة .
تذكرت إحدى هاتيك الصديقات فسقت رجلى الى دارها لأجدد معها العهد القديم ولأعتذر لها عن الاحتجاب الذي دام مدة أنجبت فيها عشرا من البنين والبنات ، أنجبتهم بكامل إرادتها وهى فى كامل وعيها ، وأدركت بذلك أملها . فعندما كنا صبايا نسهر فى ليالى القمر بحديقة المبيت نناجى الطبيعة وتتكىء إحدانا على الاخرى تسكر نا النسمة الطرية والزقزقة الموسيقية العذبة وحفيف الاوراق المتمايلة فى أجمات الشجر . . كنا نحكى عن المستقبل ونزفر من أعماقنا :
- " آه يا ربى متى ننجح فى امتحاناتنا ونغادر هذا السجن الى الدنيا الفسيحة فنتوظف ونعيش كما نحب ونشتهى وندخل الحياة من بابها الكبير " .
وكانت هى تقول : - " آه يا ربى متى أخرج من هذا السجن ناجحة أو غير ناجحة لأتزوج وأنجب عشرا من البنين والبنات يملؤون على الدنيا ، ويأخذون كل وقتى ، ويريحوننى من الكتب والامتحانات ونشدان المعالى " .
وكنا نضحك لكلامها الغريب ونداعبها : - ولماذا عشرة فقط فليكونوا عشرين . - لا شك أنك ستؤلفين منهم فرقة موسيقية للعزف والانشاد فى المواسم والأعياد .
- أو طابورا من الجيش . . الاحتياطى يصلح للاسعاف والانقاذ فى الحوادث الطارئة " .
ويبدو الغضب فى رنات صوتها : - انتن لا تفرقن بين الجد والهزل . . اسم الله على أولادى . . احفظهم يا ربى من عيون الاشرار والابرار والمؤمنين والكفار .
- هيا يا أم العشرة ، فالقيمة تصفق . أحيانا يعجبنى فى الزمن طوله وتحقيقه لأمانى الناس . كان فألى فى الحياة - وأنا دون العاشرة من عمرى - أن أصبح معلمة ، كنت أجمع كل الوسائد الموجودة فى الدار وأصففها على الفراش واحدة بجانب واحدة ، وأمسك بيمينى مسطرة وبيسارى كتابا ثم اشرع فى شرح الدرس متوهمة أننى معلمة والوسائد تلميذاتى وأعطى لكل واحدة منهن اسما خاصا وألقنهن دروسا فى الاخلاق وحسن الاستقامة والنظافة وآداب الحوار :
- " أنت يا كاميليا اختارى كلماتك . . واعرفى كيف تخاطبين الناس بما يفهمون " . - " وانت يا شهرزاد استظهرى محفوظتك بصوت عال وبالقاء بديع . . لا أريدك ببغاء . . أريدك ممثلة بارعة ، وأديبة ذكية . . إن ذلك ينفعك فى الحياة " .
- " أما أنت ، يا قر نفلة ، فقد آن أوان تأديبك ؛ لأنك تشوشين أثناء حصة الحساب " . وأهوى على الوسادة بالضرب المبرح ، ويعلو صراخى المزدوج فتسرع أمي الى إنقاذ الوسادة المسكينة من بين يدى قبل أن أفتتها .
- " أو هكذا تفعل المعلمات الطيبات يا سلام . . كما حقق الزمن آمالى ووخط الشيب رأسى قبل الاوان فى الصراع من أجل تربية الاجيال حقق الزمن لصاحبتنا أمنيتها ، وأنجبت البنين العشرة الذين كانت تحلم بهم .
طرقت الباب على غير ميعاد وكنت موقنة أننى سأجد صاحبتى فى الدار وهل تستطيع أم العشرة أن تغادر المنزل ؟ وكنت موقنة أيضا أننى سأقضى معها أقصر ما يمكن من الوقت ؛ فضجيج الاطفال ومزاج الامهات الولودات لا طاقة
لى بتحملهما . دخلت فتعانقنا حتى كدنا لا ننفصل لولا هجوم الاطفال المباغت وقيامهم حولى بمظاهرة لطيفة من التصفيق والطرب :
- " ستى جاتنا . . ستى جاتنا . . عالسلامة ستى . . عالسلامة ستى "
وقضيت ربع ساعة فى تقبيل الاطفال وملاطفتهم والتعرف على أسمائهم والتنويه بجمالهم وأدبهم وتوزيع الحلوى عليهم .
وبكلمة لطيفة وإشارة خفيفة أمرت الأم أولادها بأن ينصرفوا الى ما كانوا فيه ؛ فانصرفوا كل الى شغله فى هدوء وألعابهم المسلية هى مشاغل بيتهم ومساعدة أمهم ، ففيهم من يرتب الاوانى ، وفيهم من يقشر الجلبان ، أو يطوى الثياب ، وفيهم من يمسح البلور وينضد الكراسى ، وفيهم من يقضى الحوائج من البقال القريب . . يا سلام وأمهم تبسم لهم وتشجعهم وتخاطبهم بألقاب التدليل وتوزع عليهم كلمات الحنان والغزل والاعجاب . كنت أتوقع أن اسمع من حين لآخر صرخة هذا أو شكوى هذه أو أن أرى ملاكمة بين هذين أو مناقشة حادة بين هاتين . . لكننى لم اسمع شيئا . . لم يتكسر أمامى إناء . . لم تضطر الأم الى الاعتذار عن أية هفوة أو أى تصرف عصبى كنت أتوقعه .
ووجدت نفسى مع صاحبتى فى المطبخ أقشر البطاطا بينما اشتغلت هى بتنظيف السمك وتفويحه لتضعه فى الفرن . . وكنا نشتغل باعداد الطعام ونحن نتذاكر الحكايات ونتبادل الضحكات .
وحضر زوج صديقتى وكنت أراه لاول مرة ، طويل القامة ، عريض المنكبين ، باسم الثغر ، جم اللطف والمجاملة ، وبعد أن رحب بى الى درجة أخجلتنى جلس على كرسى واهتم بتقبيل أولاده العشرة الذين اصطفوا فى شبه صف منظم ليقدموا له تحياتهم ويسألوه قضاء حاجاتهم ويقدموا بين يديه مشاكلهم يلتمسون حلها .
وفى تلك الاثناء عادت صاحبتى الى المطبخ لتتم إعداد السلاطة وتنظيف الغلال وبدأت البنيات الكبيرات فى إعداد المائدة والتردد بين المطبخ وغرفة الطعام حالبات إناء أو عائدات باناء وأبت الدجاجة التى تكتوى بالنار فى مرقة الجلبان أن تنضج سريعا فاضطرت صاحبتى الى الابطاء علينا بالطعام .
أردت أن أملأ الفراغ بالتحدث مع زوج صديقى فى شؤون التربية والتعليم ، والادب والادباء والمعارك القائمة فى صحفنا حول أشكال القصص ومضامينها والشعر المسمى فى غير العمودى والحر والأصالة والتفتح .
وكان محدثى يبتسم من طرف خفى ثم يحول الحديث الى تقدم الصناعات التقليدية فى بلادنا وجمال النقش على الخشب ، وتأثيث الادارات والملايين التى يكسبها من ذلك ، والاصلاحات الجوهرية التى أدخلها على منزله المؤجر فالمهم عنده أن يعيش مع أولاده وزوجته عيشة محترمة هنية . ومن جديد أحول الحوار الى مواضيع الامتحانات ومستوى الطلبة والتلاميذ ، ويحول محدثى الدفة الى المسامير والخشب والبلور والعملة والصفققات ، وأنقذتنا صاحبتى من الاخذ والرد والحوار الغريب بأن أعلنت ان الطعام قد حضر ودعتنا الى المائدة . وفى لهجة من المرح والمفاجأة طلب الرجل من زوجته أن تفهمنى بأنه أمى لا يعرف الكتابة والقراءة ، وكدت أفغر فمى عجبا وتسمرت عيناى برسم مطرز على القماش تطريزا بديعا حاكت عليه احدى الفنانات بابرتها راعيا يعزف على مزمار من قصب ، وحوله شياهه البيضاء ترعى العشب ، والسماء زرقاء لماعة ، وطيورها مزوقة الالوان سكرانة . وتذكرت صاحبتى وهى تقول منذ سنين :
- " لا يهمني فى الرجل مقدار العلم الذى يحويه رأسه ، ولا مقدار الفلسفة التى تكيف حياته ، ولا مقدار الجدل الذى ينتصر فيه . المهم عندى أن يكون مملوء رجولة ، ولطفا ، وإنسانية ، وأن يكون قد تخرج من مدرسة الحياة ، وأن يحترمنى في حب ، وأن يهبنى عشرة أطفال ، وينفق علينا بسعة .
يا عجبا كم يظلم الناس الزمن ويرمونه بالتهم . . وها أنذى أراه يدلل صاحبتى ويستجيب لكل رغباتها .
وفى حين كان الرجل مكبا على صحنه يلتهم ما فيه كنت وصاحبتى نتبادل الغمزات ، ونخطط لموضوعنا بأعيننا . . وبدأنا نلف وندور حول الرجل ونطوقه بحبال التأثر والاقتناع حتى امتلأ إيمانا بالقضية ونطق فى عز القيلولة :
- " هيا بنا الى السيارة . . سآخذكما الى قريبى المثقف الكبير فهو يقدر على فهم هذه الامور وكان النسيم هفهافا طريا . . وصوت نعمة فى أغنية
" عجبوني عينيه خضر " سحريا أسطوريا عميقا ، والنيران فى داخلى تتأجج ولسانى يجف فى حلقى شيئا فشيئا حتى خفت ان لا أجده عندما أحتاج اليه .
ولكننى وجدته وجادلت به . وكان السيد الاعلى على درجة من التواضع لم أكن أتخيلها فيه ، وبالتى هى أحسن أفهمنا ما أشكل علينا .
لقد نزل السلام حقا على قلبى واحترقت الثعابين أمام عينى بسحر من البيان والحق ، وما حدث بالامس نسيته اليوم ، وما يحدث اليوم سأنساه غدا .
