الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "الفكر"

ثقافتنا بين الشرق والغرب

Share

الثقافة  كالنهر الجارى ، ينبوعها الحياة ، ومروضها العقل ومغذيها المجتمع ، تكون احيانا صافية نقية عند بزوغ فجرها واول نشاتها ، لم تاخذ من غيرها الا القدر اليسير الذى لا يعكر صفوها ولا يدخل

عليها خلطا ، وكذلك كانت الثقافة العربية في الجاهلية وصدر الاسلام ، وهي ثقافة - وان كانت ضيقة الآفاق فقيرة التجارب البشرية الكبرى ، معلوماتها نزيرة لارقة فيها ولا تمحيص - ما زالت بعيدة عن التشعب الغزير والأبحاث الواسعة العميقة ؛ ثقافة كاملة رغم ذلك مرآة لجيلها العربى ، تغلب عليها البداوة ، نفسها قصير قوى ، سليمة حية ، اصولها ثابتة واضحة ، وميزاتها بينة جلية ؛ الطبع قوامها وعمادها واعظم خصلة فيها فقد نبذت الكلفة نبذا وابتعدت عن التصنع والزخرف .

وأوجدت الثقافة العربية منذ البداية أداة عجيبة كاملة صالحة للتعبير عن مظاهرها وخفاياها ، ثرية غنية بكثرة الالفاظ وتنوع القوالب ، مرنة دقيقة وقوية متينة فى آن واحد . فكانت اللغة العربية لفرط حيويتها ومقدرتها على هضم الالفاظ الاعجمية وتعريبها ، من اللغات القليلة التى يمر بها الدهر وتتوالى عليها القرون وهي فى زهرتها الاولى رشاقة وخفة ، وشبابا وحيوية .

تدفقت الثقافة العربية من عين ثرة ماؤها صاف غزير وسرعان ما اتسع النهر المتولد عنها اثر الفتوحات الاسلامية ، واخذت الجداول

والانهار الكبيرة تصب فيه صبا حاملة معها تراث الشعوب ومدنيات الامم الغابرة والثقافات السابقة . والاعجب ان النهر العربى اقتبل تلك الثروات الطائلة من غير ان يغير مجراه او يبدل جوهره وطبعه بل لونها بلونه ووهبها من روحه فامتزجت به وامتزج بها ، فخرجت الثقافة الكاملة : الثقافة العربية الاسلامية التى نعرف بها عند ذكر بعض اسماء رجالها المثاليين كبشار وابن المقفع . وكالجاحظ وابي حيان التوحيدى ، وبديع الزمان وابن سينا والغزالى فى مشرق الشمس وكابن رشد وابن حزم وابن خفاجة وابن زيدون وابن خلدون فى مغربها

ونجد من بين اعظم هؤلاء الرجال العربى والفارسى والتركى والروسى  والبربرى والاسبانى وغيرهم وانهم لم يعبروا عن شخصيتهم الفردية فقط بل عبروا ايضا عن امزجة شعوبهم وخصائصها وسلوكها عن قصد احيانا وعن غير شعور احيانا اخرى ، ولكنهم اتخذوا العربية - والعربية وحدها - كاداة تعبير ؛ وقد هاجم الكثير منهم العرب والثقافة العربية وسعوا في الحط منهم ومنها ؛ وشتموا العرب بلغة العرب بعد ان اتقنوها وحفظوها وعرفوا خفاياها ودقتها وجمالها فكانوا احسن مثال لمن تعرب لسانه وروحه وتشرب الثقافة العربية الخالصة حتى اختلطت بنفوسهم اختلاط الماء بالماء . وتصدى الجاحظ منذ اكثر من الف عام للرد عليهم فى " البيان والتبيين " فابرز ميزات العرب وثقافتهم .

 واخذت الثقافات تدخل العربية على طريق الترجمة وعلى طريق الجماعة والشعوب التى اسلمت وعلى طريق التبادل التجارى ايضا . فكان اتصال العرب وثيقا بالصين والهند والترك والفرس والروم والفرنج اتصال حرب او اتصال سلم ، فربطوا هكذا بين اجزاء البشرية شرقيها وغربيها ، ونقلوا فلسفة يونان وعلومها وحكمة الهند وتفكيرها وفتن فارس وتزويقها وصناعات الصين واتقانها ، فتراكمت لديهم المعلومات وتشعبت المعارف والفنون وتعددت طرق البحث والتنقيب ، وكان السبل اختلطت فى اول الامر وتعكر ماء النهر وصعب هضم ذلك الغذاء لتنوعه وكثرته . ولكن النفس العربية لا تعيش الا في الوضوح ولا تزدهر الا مع البيان ، تغلبت على الغموض فخلصت الاصول من الفروع المشتبكة ، واخذ كل علم استقلاله فى موضوعه وطرق البحث الصالحة به ، وتجلى شيئا فشيئا ما بين العلوم من ارتباط ؛ وفتحت آفاق جديدة واحدثت علوم لم تكن ، كالجبر وعلم المجتمع مثلا

واصبح من العسير على رجل واحد ان يتقن العلوم كلها ؛ واختص العلماء كل فى علمه او فنه .

وكانت الثقافة العربية احسن مثال للثقافة البشرية الكاملة . والمثقف ليس من يتقن علما من العلوم حتى يصير مرجعا فيه بل العلوم هنا تصبح وسيلة لاغاية ؛ اذ غاية الغايات هي الانسان نفسه ؛ الانسان بعقله وعواطفه ، وذوقه وارادته . فكل ما يعين على تربيته وتهذيب غرائزه واكمال ذاتيته وابراز شخصيته من علوم وآداب وفنون محبب مرغوب فيه ، وقد كتب ابن المقفع فى " الادب الكبير " صفحة خالدة شرح فيها معنى ما نسميه اليوم ثقافة وسماه العرب ادبا ، فالثقافة عنده انماء الغريزة وتقويتها وتاديبها وتقويمها من غير اخراجها عن طبعها وجبلتها . والثقافة هى اولا وقبل كل شئ تثقيف العقل : والعقل كالغريزة من الغرائز ؛ وهو علم بالضروريات العقلية وادراك لنفسه ولما تاتى به الحواس .

فالثقافة الحق تزيد العقل صقلا ونصوعا وتصيره حادا فى تمييزه عميقا فى ادراكه . ولكن الثقافة لا تقتصر على العقل بل تشمل الانسان كله فتفعل فى عواطفه وشهواته وذوقه فعلها في عقله ، فالثقافة لا توجد فى الانسان ما ليس فيه ، بل مهمتها ان تهذبه وتقويه وتنميه ؛ فلنستمع الى الغزالي يحدثنا عن الذوق : " فانظر الى ذوق الشعر كيف يختص به قوم من الناس ، وهو نوع ادراك ، ويحرم منه بعضهم حتى لا تتميز عندهم الالحان الموزونة من الرجفة . وانظر كيف عظمت قوة الذوق فى آخرين حتى استخرجوا منها الموسيقى والاغاني وصنوف الدستانات التى منها المحزن ومنها المطرب ، ومنها المنوم ، ومنها المبكى ، ومنها المجنن ، ومنها القاتل ، ومنها الموجب للغشى ، وانما تقوى هذه الاثار فيمن له اصل الذوق . واما العاطل عن خاصية الذوق ، فانه يشارك فى سماع الصوت ، وتضعف فيه هذه الآثار ، وهو يتعجب من صاحب الوجد والغشى

وكل ما يفسد الذوق ويدخل على العقل الغموض والاعوجاج ويخرج بالانسان عن طبعه وجبلته لا يمكن ان يسمى ثقافة وتثقيفا بل عماية وتضليلا .

وهنا ايضا يمكن ان ناخذ من الثقافة العربية الاسلامية مثالا ،

فبعد ان اتسعت وتعمقت والتصقت بالطبع البشرى التصاق الظل بصاحبه . وانغرست عروقها فى الحياة فازدهرت واينعت وكثرت فروعها وانبسقت واتت بالثمرات الطيبات ، وبعد عصر الابتكار والتجدد ، اخذت تقطع ما بينها وبين الحياة من صلة وثيقة وتبتعد عن الطبع ، وعوضت المعلومات المجموعة  العلوم المتدفقة والاشكال والقوالب الطبيعية والغريزة ، فشملها الذبول شيئا فشيئا ، وتسرب اليها الجمود رويدا ، واكتنفها التكلف والصنعة ؛ وباتت الثقافة زخرفا .

تحدثت دائما عن الثقافة العربية الاسلامية اذ لا يمكن ان نفرق بين اللفظين ، نعم اعتنق الاسلام شعوب من غير العرب واتخذوه دينا واستمدوا منه تقاليد وعادات واخلاقا ، ولكن الثقافة الاسلامية عربية متاصلة فى العروبة ممتزجة بها امتزاجا كليا ؛ القرآن عربي وتفاسير القران عربية وكتب الاحاديث عربية ، وكتب الفقه عربية ، وفقه السنة وفقه الشيعة سيان فى ذلك . فمن العبث محاولة التفريق والتجزئة والتقسيم ، والجسم واحد والروح واحدة . نعم دخل الإسلام الفرس والترك والهنود وغيرهم وبقيت الثقافة الاسلامية عربية ، ففكر وكتب الفارابى التركى ، وابن سينا والغزالى الفارسيان ، وابن الرومى وابن خلدون المغربى وابن رشد الاندلسي . باللغة العربية الاسلامية .

وان تلك الثقافة المثالية فى انسانيتها يشملها ضرب من الوحدة وان اتسعت رقعتها حتى شملت القسم الاكبر من المعمورة من حدود الصين الى قلب اروبا ؛ ولم يكن تنوعها وتشعبها وغزارة موادها وكثرة ابتكاراتها فى جميع الميادين وتناقض اجزائها احيانا من عوامل التفرقة بينها والتباين بين المثقفين فى مختلف اقطارها بل زادها كل ذلك غنى وثروة وخلق فيها تيارات فكرية ودينية وفنية تربط بين الكل وتقرب بين الافراد رغم المسافات البعيدة ، فابو على القالي البغدادى صاحب " الامالي يصبح استاذ فى الاندلس ؛ ويدخلها ايضا تلميذ ابى اسحاق الموصلي كالفاتح ليعلمها الغناء والاناقة البغدادية ؛ ويخرج ابن عربى المغربى الاندلسي وبعده بقرون ابو الحسن الشاذلى من المغرب ليكونا اساتذة المشرق فى التصوف ، ولا يشعر واحد منهم انه غادر العالم العربى الاسلامى وانه حل بقوم غير قومه ، ويرد الغزالي في " تهافت الفلاسفة " على الفارابى وابن سينا فى شرق فياتى الاندلسي المغربي ابن رشد ليرد بدوره على الغزالى فى " تهافت التهافت ويبتكر اهل

الأندلس الموشحات وينجب فيها المشارقة كما نبغ فيها المغاربة من قبلهم . وهذا كله لا يمنع الثقافة العربية الاسلامية من ميزات تمتاز بها فى كل قطر كما تمتاز جهة الهمامة او صفاقس او سوسة او بنزرت بميزات تفردها عن غيرها وليس معنى ذلك ان الوحدة الجامعة بينها مفقودة

ومن البدهى ان اعظم رابطة فى الثقافة الاسلامية هى اللغة العربية ولكنها ليست الرابطة الوحيدة ، فموقع العالم العربي جعله الرابطة الطبيعية بين الشرق والغرب ، وهو الى الغرب اقرب . وان الثقافة العربية وان اتصلت بالشرق الاقصى من صين وهند الا انها من ثقافات البحر الابيض المتوسط ولذا نجد الروابط بينها وبين ما تولد على شواطىء ذلك البحر من مدنيات سابقة امتن مما يظن . وليست تلك الروابط ناشئة  عن مجرد نقل عنها او ترجمة منها واتصال بها ، بل هي ناتجة اولا وبالذات عن طبيعة هذا البحر وميزاته . واولها العقل ومن قال عقلا قال وضوحا وبيانا ؛ فالابتعاد عن الغموض وعن الظلام بانواعه اصل من الاصول يولد النظام فى الافكار والدقة فى البحث ، والبيان فى التعبير . ولو سألنا قدماء العرب عن ابرز ميزة فيهم وفي لغتهم لقالوا البيان

ومن ميزاتهم ايضا الاتزان - وهو لا يخلو من عظمة واجلال - والاتزان اقتصاد في الحركات وفي الالفاظ ، وتناسق بين الاجزاء ، وكان قول يونان : - الانسان ميزان الاشياء - يصدق عليهم وعلى ثقافتهم كما صدق من قبل على يونان . فالعظمة عندهم لا تتولد عن تضخم هائل فى الاجرام والهياكل بل عن نظامها واتمام بعضها  ببعض والتناسب بينها .

فالمقاييس في العالم الاسلامي القديم متشابهة موحدة ، مقاييس العقل ومقاييس الاخلاق ومقاييس الفن والجمال .

والثقافة العربية فى عصرنا الحديث تسعى جاهدة للتخلص مما  الصقته بها القرون من ادراك وكبلتها به من اشكال وقوالب فارقتها الحياة منذ اجيال ؛ وقد فارقت الجمود وانغمست من جديد فى تيارات حية تتدافعها . مدت يدها الى تراثها البشرى الكبير واخذت تزيح عنه النقاب وتنشر كنوزه متعجبة من ثرائه مكتشفة خفاياه مستغربة من التماثل - فى عمق واتساع - بينه وبين المدنية الغربية الحاضرة وما زالت في أول امرها وبدء عملها فى هذا الميدان . ومدت اليد الاخرى الى الثقافة الغربية تكشف عن تشعبها وغناها وجمالها وتغترف من علمها الغزير ومحدثاتها المتجددة .

فمستقبل الثقافة فى تونس لم ينتظر راى بعضنا لتظهر اتجاهاته وهو مرتبط ارتباطا كليا بمستقبل الثقافة فى الشرق العربي ، وهي اليوم تعيش عصر انتقال تكثر فيه التيارات المتناقضة وتعكره الاضطرابات وعدم الاستقرار.

هل فى  امكان النخبة المفكرة اختيار اتجاه معين ، وادخال شئ من النظام على ما اعتراه من فوضى ؟ وليست المعركة بين القديم والحديث كما ظن الكثير ، او بين الجمود والحركة ، لان الحياة عندما اخذت تدب في ثقافتنا العربية كفيلة بتكسير الاشكال البالية وقطع القيود وتحطيم السدود

وعلى كل فالتعليم يلعب دورا هاما فى توجيه الثقافة واعداد مستقبلها ، بطرق التدريس ومحتويات برامجه . ويتفق عقلاء العالم العربي في ان الثقافة العربية ليست بعض القواعد النحوية والصرفية والبلاغية مشفعة بنصوص شعرية ونثرية يحفظها التلميذ عن ظهر قلب ويكررها فى المناسبات وفي غير المناسبات احيانا . بل الثقافة العربية كل حي تشمل تاريخا يربط اجزاءها وتفكيرا ومذاهب فلسفية ودينية وعلوما تولدت عنها العلوم العصرية ، وشعرا ونثرا عبرا عن الانسان في قوالب فنية تهذب الذوق وتؤدب العقل ، فتدريس الثقافة العربية يتطلب من الاساتذة جهودا مستمرة لان البحث العصرى والتمحيص العلمي لم يشملا الا القليل منها ، فهى ما زالت كالبحر الواسع العميق الذي لم يعرف منه الا بعض سواحله فعلى الاساتذة ان يخوضوا غماره وان يصلوا قدر المستطاع الى اعماقه ، ويبذل كثير من اخواننا فى الشرق اعمارهم في ذلك حتى سموا بعضهم كالاستاذ احمد امين رحمه الله رهبان الثقافة العربية

وان الثقافة الغربية ضرورية لنا ، فستكون كاللقاح تجدد به الاشحار فتاتى باطيب الثمرات ؛ وهى لقاح العقل والذوق ، واكبر ميزة لهذه الثقافة تقدم العلوم الرياضية وتطبيقها . وعلى تلك العلوم وما انتجته من اختراعات تطبيقية اقيمت النهضة الاقتصادية والتقدم الاجتماعى ، فعنايتنا بها ستحتل المكان الاول ان اردنا الالتحاق بقافلة الامم الراقية ، وليس فيها ما ينافى ثقافتنا العربية بل ستعززها وتركزها على اسس ثابتة ولكن للثقافة الغربية ميزات اخرى لا يمكن ان تغفل ؛ فهي انسانية شاملة خاصة فى عصرنا الحاضر وقد امتزجت المدنيات ببعضها واقتربت المسافات بينها ، واصبحت الصين والهند واميركا تشارك فيها بعلمائها ومفكريها وشعرائها . فالثقافة تتجه نحو الوحدة في ثرائها وتنوعها وتشعبها ، والعالم اصبح يسير نحو الوحدة الثقافية بخطى اسرع من سيره نحو الوحدة السياسية ويمكن لتونس ان تلعب دورها الثقافي فى العالم العربى وفي العالم كله ، وربما يكون اعظم من نطاق ترابها الضيق

اشترك في نشرتنا البريدية