- ١٢٦٣ - أحجام البرد قديما وحديثا
قرأت في هذه الايام من أنباء المطر النازل بغزارة في مناطق شتى من البلاد المجاورة وما حولها ، ان بردا عظيم الحجم قد تساقط فى بعض الجهات ، وان منه ما يبلغ وزنه ( الكيلو ) !! او أقل أو أكثر . وتضرعت الى الله تعالى ان يشملنا برحمته ويعيذنا من نقمته . . ويلهمنا الرشد والهداية والتوفيق ، والعمل بما يحبه ويرضاه .
ثم قرأت في كتاب : ( مآثر الانافة - في معالم الخلافة ) . . فى الجزء الاول منه - وهو من تأليف احمد بن عبدالله القلقشندى . . المتوفى سنة ٨٢١ ه . ما نصه : (( وفى سنة عشر وأربعمائة سقط بالعراق برد كبار وزن البردة رطلان ، فأقل ، وأصغرها بقدر البيضة ) . وكان ذلك فى عصر الخليفة القادر بالله العباسى اهــ
قلت : وقد كنت سمعت من سماحة رئيس القضاة الشيخ عبد الله بن سليمان ابن بليهد - رحمه - منذ اكثر من أربعين سنة ان ما يسقط فى الشمال - أحيانا - بردا اذا أصاب رأس البعير حطمه أو ( فشفشه ) أو شدخه كفانا الله الاسواء ،
وحمانا من كل بلاء . . ولا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم .
- ١٢٦٤ - معنى (( المصارعه )) فى الاسلام
روى الامام البخارى ( في الادب المفرد ) - تحت عنوان ( باب الغضب ) ما نصه ( ١٣١٧ . . ( حدثنا اسماعيل قال : حدثنى مالك عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ليس الشديد بالصرعة انما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ) . اهـ .
قال الشارح : (( الصرعة - بضم الصاد وفتح الراء - الذى يصرع الناس كثيرا بقوته . . والتاء للمبالغة فى الصفة .
وبسكون الراء عكسه أى من يصرعه غيره كثيرا . . والمقصود ان المستحق لهذا الاسم هو الذى يملك نفسه فيصرعها عما تدعوه اليه من هواها . ولا يمنع اطلاقه على الذى يغلب الناس ايضا . . لكن الذى يغلب نفسه على هواها أحق أن يسمى بهذا .
وعن أنس رضى الله عنه : ان النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم يصطرعون ، فقال : ما هذا ؟ قالوا فلان ما صارع احدا الا صرعه . قال : ( أفلا أدلكم على من هو أشد منه ، رجل كلمه رجل ، فكظم غيظه ، فغلبه وغلب شيطانه ، وغلب شيطان صاحبه ) . اهـ
قلت : ولا حاجة بعد ذلك الى التعليق . . الا الاشارة إلى أن المصارعة كانت مما عرفه أهل الصدر الاول فى الاسلام وكان له من
الشباب هواة مبرزون . . ولكنه بعيد عن العنف والايلام و ( العفاشة ) المنكرة . . والا لأنكره ونهى عنه سيد ولد آدم صلوات الله وسلامة عليه وعلى آله واصحابه وسلم .
- ١٢٦٥ - ( النش - والاننش )
قرأت في ( الادب المفرد ) هذا الحديث الشريف ( ١٦٥ ) :
(( حدثنا مسدد قال : حدثنا أبو عوانة ، عن عمر بن ابي سلمة ، عن أبيه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إذا سرق المملوك بعه ولو بنش )) اهـ .
قال الشارح : ( النش ) نصف وقية والوقية أربعون درهما . اهـ
قلت : وبهذا تكون الكلمة صحيحة فصيحة الا انها مما لا يستعمل في أوزاننا الان . وتذكرت بها ما يعرف الآن ب ( الانش ) وهو على ما أظن من المقاييس الغربية لا العربية وليس هو من الاوزان ، ولعل علامتنا الكبير ( أبا نبيه ) أمد الله في حياته يسعف القراء في ( النش والانش ) معا بما يعرفنا بهما تعريفا ، ان شاء الله ( * )
- ١٢٦٦ - بئر عجلان بالطائف
لا يجهل اكثرنا موقع بئر عجلان ( بقروة ) الطائف . . وكيف كان ماؤها من العذوبة والخفة ، بحيث تنافس ( بئر عروة ) بالمدينة المنورة ، وبئر ( الجعرانة ) بمكة . وما كان احد من المصطافين ذوى اليسار يشرب وأهله الا منها . . فهى النمير السلسال . . وتسلسبيل المشتار ، أما بعد أن احاطت بها المنازل والمساكن ، وتسربت اليها من جوانبها المياه الماجنة ، او الآسنة فقد تبدلت حالها ، منذ أكثر من ثلاثين سنة ، وقل الواردون اليها . .
وكنت معنيا بمعرفة من تنسب اليه . . ومن ابتناها وأسسها ومتى كان ذلك ؟ وأخيرا ترجح عندى . . ( ان لم يكن لدى أهل العلم ما يناقض ذلك بنص تاريخي صريح ) - ان الذى حفرها وبناها لا ينبغي أن يكون الا الشريف عجلان بن رميثة في منتصف القرن الثامن الهجرى . . حيث كان آنئذ أميرا على مكة المكرمة . . وقرأت عنه في ( مآثر الاناقة ) انه كان جاريا على سنن العدل والتجافي عن أموال الرعية والتعرض للمجاورين )) . . فما من عجلان آخر سواه في هذه الحقبة وما بعدها من نستطيع أن نعزو ذلك اليه والله أعلم .
- ١٢٦٧ - ما هى السبعة أو السبع ؟
بشامة بن الغزير قد تخرج عليه ابن اخته زهير بن أبى سلمى ، وكان مقعدا
ذا مال كثير ولا ولد له ، فأورث أهله ماله - وجاءه زهير يسترشد ، فقال له : (( والله يا ابن اختى لقد قسمت لك افضل ذلك وأجزله . فقال زهير : وما هو ؟ قال : ( شعرى ورثتنيه ) قال بشامة هذا :
لمن الديار عفون بالجزع
بالدوم بين بحار فالشرع
درست وقد بقيت على حجج
بعد الانيس عفونـهــــــــــا ( سبع )
الا بقايا خيمة درست
دارت قواعدها على الربع
قلت : وأنا اقرا هذه الابيات ، وهى تنعي من اتى عليهم الجدب بعد الاخصاب ، هل لهذه ( السبع ) علاقة بما كان يردده الصغار ابان الطفولة . . دون وعي أو ادراك . . أمام اخواننا أهل الحجاز من غامد وزهران قبل خمسين عاما تقريبا اذ يصرخون في وجوههم ( سبعة ) فينزعون منها جدا . . فهى كما تدل الأبيات ( كالسبع العجاف ) . . ذات محل واجحاف ، وكأنهم يتشاءمون منها - ويتطيرون أم ان لهم فيها دليلا غير هذا ؟ - والى أن نجد ما هو الصحيح فان أجزم بانها لا تخرج عن هذا المعنى ، فهو من دواعي التبرم والامتعاض ، وسقى الله السراة أهلها من سحائب فضله ورحمته واحسانه .
- ١٢٦٨ - انده عليه !
يستعمل اخواننا أهل مصر هذه الكلمة : ( انده عليه ) بمعنى أدعه ، أو ناده ، من المناداة ، وهى في اللغة ، ( نده ، ندها ) الرجل . صوت ، والرجل زجره وطرده بالصباح والابل ساقها مجتمعة .
وقرأت بيتا لمطلع قصيدة لأبى محمد اليزيدى جاء فيه :
قلت : ونفسي جم تأوهها
تصبو الى أهلها ، واندهها
ويعنى بهذا النده : الزجر ، ويكون التداول صحيحا ، باسم المدعو ، في حالة الاستدعاء والنداء ، من حيث ( التصويت ) اليه . . وهي كلمة لا تستعمل الا في البلاد المصرية فقط .
- ١٢٦٩ - من شعراء الطائف
( يزيد بن ضبة الثقفى ) - شاعر عربي من أبناء الطائف عاصر الوليد بن يزيد وهشام بن عبد الملك - وله معهما قصص معروفة - أوردها (( صاحب الاغاني )) وعنه :
(( قال أبو حاتم فى خبره خاصته : وحدثنى غسان بن عبد الله بن عبدالوهاب الثقفى عن جماعة من مشايخ الطائفيين وعلمائهم . . قالوا : قال يزيد بن ضبة ألف قصيدة ، فاقتسمتها العرب وانتحلتها . . فدخلت فى أشعارها " اهـ .
قلت : ومن ذلك نستفيد أن الطائف
كانت ابان ذلك العهد . . عامرة بالمشايخ والعلماء ، وان شاعرا واحدا من أهلها كانت له ألف قصيدة ، وان السطو الادبى كان قديما الى هذه الدرجة . . وما كان الراوى لذلك الا ممن يبنى روايته على المشاهدة أو النقل من أفواه الرجال .
- ١٢٧٠ - ( أشكل - قديما وحديثا )
يجتمع الصديقان - أو الصديقتان - فيتبادلون عبارات الشوق والترحيب فيقول أحدهما للآخر : ( والله انك أوحشتنى ) . . فيرد عليه : (( وأنت اشكل )) ويقصد بذلك ان شوقه اليه أكثر منه .
قلت : وما كانت في الاصل الا من (( المشاكلة )) أو التشاكل بمعنى (( المشابهة )) لا (( الأكثر )) . . وهي بهذا المدلول صحيحة في الاستعمال ايضا اذ يكون الرد : (( وبى من الشوق اليك مثل ما لديك )) . أو ما يشابهه غير أنها ولا ريب انما يقصد بها الزيادة ، لا المماثلة من قبيل : (( واذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها )) . . والاحسن خير من الحسن . . على أن للكلمة معانى اخرى ، منها (( الاشكال )) . . ومنها الاستحسان . .
قال الشاعر (( ابن الضحاك )) :
وقد أشكل العيش في يومنا
فيا حبذا عيشنا المشكل
ويعني بذلك جمال الطقس ، و ( تقصير يوم الدجن ) . . بدليل مطلع قصيدته :
ألست ترى ديمة تهطل
وهذا صباحك مستقبل
- ١٢٧١ - ركب النميرى
أروع ما يروى من الشعر العربى القديم قصيدة الشاعر الغزل الثقفى المشهور محمد بن عبد الله بن نمير . . تلك التالية التى أولها :
تضوع مسكا ( بطن نعمان ) إذ مشت
به زينب فى نسوة عطرات
واذ يقول فيها :
تهادين ما بين المحصب منى
وأقبلن لا شعثا ، ولا غبرات
أعان الذى فوق السموات عرشه
مواشى بالبطحاء . . مؤتجرات
مررن بفخ ثم رحن عشية
يلبين للرحمن معتمرات
يخبئن أطراف البنان من التقى
ويخرجن نصف الليل معتجرات
تقسمن لبي يوم نعمان اننى
رأيت فؤادى عارم النظرات
جلون وجوها لم تلحها سمائم
حرور ، ولم يسفعن بالسبرات
الى أن يقول :
ولما رأت ركب النميرى راعها
وكن من ان يلقينه حذرات
فأدنين حتى جاوز الركب هونها
حجابا من القسم والحبرات
قل أبو زيد : فبلغت القصبدة عبد الملك ابن مروان فكتب الى الحجاج : قد بلغنى
قول الخبيث في زينب - وهى أخت الحجاج - فاله عنه واعرض عن ذكره ، فانك ان أدنيته أو عاتبته أطمعته ، وان عاقبته صدقته .
فلما هرب النميرى من الحجاج الى عبد الملك أو استجار به استنشده قصيدته حتى بلغ : ولما رأت ركب النميرى أعرضت .
قال له عبد الملك : وما كان ركبك يا نميرى ؟ قال : أربعة أحمرة لى كنت أجلب عليها القطران ، وثلاثة أحمرة صحبتى تحمل البعر ، فضحك عبد الملك حتى استغرب ضحكا . . ثم قال : لقد عظمت أمرك وأمر ركبك ! . وكتب له الى الحجاج ان لا سبيل له عليه . . الخ . . )) اهـ .
قلت : وأتذكر أننى قرأت مرة رواية أخرى فى جوابه عن ركبه اذ قال :
كنت ( أنا وغلامى وحمارى ) . . وقد أدركنا قبل خمسين سنة هذه الحمر صاعدة هابطة بين مكة والطائف عن طريق ( كرى ) والهدة تحمل الركاب والفواكه . وتكاد تنعم في زماننا هذا خاصة بعد أن طأطأ الطود رأسه وتعبد ، وتسلفت وتمهد ، وسلكته السيارات وأراح الله منه ذوات الآذان الطويلة . . والهامات الصغيرة . . والحلوس الوثيرة . . وقد امتطاها الخير الزركلى في أول رحلة له الى الحجاز ثم الى الطائف . .
وما أجمل ما قال النميرى في بيته :
يخبئن أطراف البنان من التقى
ويخرجن نصف الليل معتجرات

