وما أحسبها الا من باب الاقتضــاب . . أو الاختصار وقد بغى الحاضرة في الحجاز على الغين فحذفوها رغم أنفها . . وحتى كلمة ( يبغي ) لا ينطقونها بفتح الياء وكسر الغين . . كما يجب أن تكون بل يكسرون الياء ويفتحون الغين فيقولون ( يبغي ) ويستوى في ذلـــــك أهل المــــــدر والرجـــــــال والنســــــاء . . ولــــــو ذهــــــب أحدهم ينطقها فصيحة . . لكان محـــــل الغرابة والزراية . . الا أن يكون في وســط تعود على الفصيح والصحيح . . وما أحسن أن تعود الى أصلها هى وأمثالها في بلاد العرب قاطبة . .
ولها أخت أخرى هي ( بدي ) وصحتهــا ( بودي ) ويسعها ما وسع (( ليش )) و (( ايش )) .
- ١٣١٢ - اليتيمة الاولى
روى صاحب الاغــــــانى : أن الأصمعى : فضل قصيدة سويد بن أبى كاهل العينية - التى مطلعها :
بسطت رابعة الحبل لنــا
فوصلنا الحبل منها ما اتسع
وقال : كانت العرب تفضلها وتقدمهـــــا وتعدها من حكمها ثم قال : حدثنى عيسـى
ابن عمر انها كانت في الجاهليـــــة تسمى (( اليتيمة )) اهـ .
* * * قلت : اذن تكون هـــذه العينيـــــة هى (( اليتيمة الاولى )) ثم تتلوها (( اليتيمة )) الاخرى الدالية المشهورة . . والتى زعموا أن كثيرا من الشعراء يدعيها . . واستـقر الرأى على أنها للشاعر ( دوقلــــة المنبجي ) ومطلعها :
( هل بالطلول لسائل رد )
ومنها :
أن تتهمى فتهــــامة وطنى
أو تنجدى يكن الهوى نجـــــد (*)
ولا يستغربن القارىء الكريم أن قصيدة سويد المشار اليها كانت مما يعنى بحفظــه وتحفيظه الاساتذة والتلامذة في مدارســـــنا هى وأمثالها في الصفوف المتميزة منذ أكثر من ٥٠ عاما خلت ، وما أجدرها أن تستظهر مع كل شعر جيد ولا سيما لامية أبى طالب ولامية العرب ولامية الطغرائي وما هو مــن قبيلهن مما يهيئ للناشئ ملكة البيان وما توصى به من مكارم الاخلاق .
وأول مرة سمعت ( عينية ) سويد كانت منذ نحو من ٥٥ سنة من فضيلة العلامــــة قاضى مكة المكرمة الشيخ أحمد بن عبد الله القارى رحمه الله ، وكان من الافذاذ فقهــا وعلما وأدبا وأخلاقا ، ومن خريجى المدرسة العريقة ( الصولتية ) أحسن الله جزاء منشئها وأخلافه البررة الكرام .
- ١٣١٣ - العتابي . . والمأمون
قال جعفر بن المفضل ، قال لى أبى : ( رأيت العتابى جالسا بين يدى المأمون وقد أسن . . فلما أراد القيام قام المأمون فأخذ بيده ، واعتمد الشيخ على المـــــأمون ،
فما زال ينهضه رويدا رويدا حتى أقلــــــا فنهض ، فعجبت من ذلك ، وقلـت لبعض الخدم : ما أسوأ أدب هذا الشيخ ! فمـــــن هو ؟ قال : العتابى ) اهـ .
* * * قلت : ها كان المنكر لهذا الخلق الكريم من المأمون الا من المتغطرسين ، فقد نفس على العتابى أن يحتفل به ( الخليفة ) ويكرمــــه ويقيمه ويعينه على النهوض .
وانى بهذه المناسبة لأذكر أنى شهـدت طويل العمر المفدى ( فيصل بن عبد العزيز ) حفظه الله ، وهو من هو جلالة قدر وعــلو مقام يقيم الاشياخ اذا استأذنوه بيديــه ، كما فعل المأمون ولا يدعهم حتى يستووا قياما على أقدامهم . وما زاده ذلك عنـــــد الناس الا جلالا واكبارا وليس الباعث على ذلك الا ابتغاء الأجر والمئوبة باكـــرام ذوى السن من أهل العلم والفضل خاصـــــة . . وذلك كله من مكارم الأخلاق . . وأين منها الأكثرون حتى انهم بذلك ليجــــــــــدون في صدورهم حرجا وضيقا وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء .
- ١٣١٤ - اذن هى (( الرادار ))
روى (( ابن رسته )) في كتابه (( الاعلاق النفيسة )) - المجلد السابع - وقد أكرمنى باهدائه الي ، فضيلة أستاذنا الجليــــــــل الشيخ عبد القدوس الانصارى ، تحـــــت عنوان : (( من عجائب الارض )) ما نصـــه : (( قال عبدالله بن عمرو بن العاص : عجائب الدنيا أربع : مرآة كانت معلقة بمنـــــــارة
الاسكندرية . . فكان الجالس يجلس تحتها ويرى من بالقسطنطينية وبينهمـــــا عرض البحر )) وو . . اهـ .
قلت : هذا نص صريح . . ننقله عــــــن مؤرخ عربى قديم . . وهو دليل على أن ما يسمى في عصرنا هذا (( بالرادار )) لم يكن محدثا أنفا الآن وغربيا ، بل له أصل شرقي قديم . . حتى لو أن بالرواية مبالغــــة أو تجاوزا . . وداخلنا الشك في صحتها كمــا رويت . . فلا أقل من أن تكون الفـــــــكرة الرادارية )) قد ســـبــق المشارقة اليهــــا بالاسلوب المستطاع آنئذ . . ثم تقدم بها العلم والتطوير حتى بلغت المستوى العصرى الراهن . . ( وكم في الزوايا من خبايا ) .
- ١٣١٥ - الدار . . غير الدار
نص اللغويون على : ( أن الدارة أخص من الدار ، اذ الدار تطلق على الناحيــــــــة والمدينة . . وأما الدارة فلا تطلق الا عــلى المسكن الخاص ) قال أمية بن أبى الصلت :
له داع بمــــــكة مشمعل
وآخر فوق دارته ينــادى
* * * قلت : فهل نستطيع أن نطلق على البيوت الخاصة ، ما ينطبق عليها لغة . . وهــو (( الدارة )) ؟ برغم أن عنترة قد تجوز فقال في معلقته :
يا دار عبلة بالجـــــــــواء تكلمى
وعمي صباحا دار عبلة واسلمي
ولعله انما أراد بدار عبلة ، حيها و حلتها وأهلها وعشيرتها ، دون أن يقصد ( دارتها ) الخاصة وذلك على قاعدة ( من أجل عــــين تكرم مدينة )
- ١٣١٦ - جازان . . لا جيزان ______________________ وأصلها (( جاء وزان )) ____________________
من مقال رائع ماتع ، جامع مانع ، نشرته مجلة ( قافلة الزيت ) الغراء بعدد رجـــــب سنة ١٣٩١ تحت عنوان ( جازان على عتبة فجر جديد ) للاستاذ سليمان نصرالله . . قرأت ما نصه :
(( . . . ومن الجدير بالذكر أن اســــــم جازان قد أصابه شئ من التحريف في هذا القرن فأخذ بعض الناس يقولون : (( جيزان )) بدلا من جازان . . اسمها القديم الــذى لا يزال يردده أهالى المنطقة . . قال : (( وقــد وجدت بين أهلها من قدم تعليلا طريفـــــا لاسمها بقوله : انه مؤلف من الكلمتـــــين ( جاء ) و ( زان ) وأسقطت الهمزة فأصبحت ( جازان ) ومعناها : جاء من أسس المدينة وزينها ) اهـ .
قلت : وما أعظم انتصار أبى نبيـــــــه - أستاذنا الكبير - صاحب هذا التصويب الصحيح بما له من بينات لا نزاع فيهــــــا وهى الشعر العربى القديم والتواتر العـام لدى أهل المنطقة ، وكتب التاريخ ، ثم مـا أطرف هذا التعليل الجميل فانــه في بعض وجوهه يشبه مثله في بلــــــدة ( ســـــــامراء العراقية ) التى قيل انها في أصلها ( سر من رأى ) .
هذا وطوبى لجازان بما ينتظرها من نمو ورغد وازدهار ، كأخواتها من المدن السعودية في الشمال والجنوب والشرق والغرب ، وما أعظم نعيمها ونعمتها بشعرائها وأدبائها ، وناهيك بالسنوسى والعقيلى ، فان لهما من الخرائد والفرائد ما ننافس به أرقى الانتاج
في أزهى العصور . . وكذلك قصاص جازان محمد بن زارع ، بارك الله فيهم وجعلهـــــم قدوة صالحة للأجيال الصاعدة ، وان لنــــا أمنية نرجو أن تتحقق قريبا ، وهى اصدار صحيفة يومية بها و (( بأبها )) وأخرى مجلة شهرية أو أسبوعية لتنشر ما هنالك مـــــن أدب عال ، ونهوض يعتــــــــــز بــــــه الجميع . وما ذلك على الهمم القعساء بعزيز .
- ١٣١٧ - ٦ أيام في (( ماليزيا ))
أفضل سعادة الاخ الكاتــــــب القــــــدير والاديب الشهير الاستاذ الكبير عبد العزيز الرفاعى فأهدانى مؤلفه الثمين الذي جعــل عنوانه : (( أيام في ماليزيا )) وهو رحلـــــــة قام بها سنة ١٣٨٥ هـ وقد واتاه فيهــــــــا البيان في ايجاز وتركيز ، يجعل القــــــــارىء يشاركه الاحساس بكل ما شاهده ثمة مــن منـــــــاظر وخمائـــــل وغـــــــدوات وأصائل وورود وأزهار وأثمار ، وما أعجب به مــن أخلاق وسمات وكأنما هو يراها معـــــه في روحاته وغدواته بأسلوب أخاذ ونســـــــق جميل . وقص فيها بعض ما مر به مــــن (( مواقف )) طريفة . . كقصة (( حلاق ماليزيا )) وما تقدمها وتأخر عنها من وصف رائع ، وحدائق وزنابق ، وصوابـــــــــــح وغوابق ، ومرابع ومناطق ، وبالجملة فما استطعت أن أدعه قبل أن أفرغ من قراءته باستمرار حتى ألهانى عن تناول غدائى .
حقا انه كما كتبت اليه (( كالشيــــــك )) الذى يخف حمله ويضمن صرفه . . مهمــا علا وغلا . . أو (( كالفيتامين )) المركز الجامع لكل ما يتغذى به عقل القارىء المشغـــــوف ويرتوى به الظامئ الملهوف . . ولا أقــــول ذلك مجاملة له ولا تزيدا في نعتــه فهو غنى
عن ذلك بما احتوى عليه من طرف وتحف ، ومع أنه اختار أن يكون لكل رحلة قام بها كتاب خاص يتسع لاصداره ( وقته الثمين ) فاننى لأرجو أن تتاح له الفرصة ليجمــــع ما تفرق منها في كتاب يحيـــــط بها كلهـــا ان شاء الله . وكقارئ أقدم اليه تهنئتى بما وفق اليه في ذلك كل التوفيق .
وبالمنسبة أتمنى لكل أصحاب الرحلات من أعلامنا أن يعنوا بجمعها ونشرها تامة متضامة في كتاب يجمع شملها وتعتز به المكتبة العربية عامة والسعودية خاصة وانهم لفاعلون ذلك ان شاء الله ، والله لا يضيع أجر العاملين .

