- ١١٣٨ - مع الازياء القديمة ... ولا اعني بها تلك التى كانت تستعمل فى حواضرنا قبل قرن أو أكثر .. بل منذ خمسين عاما فقط .. وقد أدركناها وارتديناها .. وشاهدناها .. ثم اخذت فى الاختفاء . حتى لم يبق منها لا عين ولا أثر !
ومن ذلك ما يسمى ( بالميتان ) وهو صورة طبق الأصل لهذا الذى يسميه الناس ( بالكوت ) فى ايامنا هذه .. الا أنه مما يغلب فيه الاستعمال اثناء فصل الشتاء لأنه من الصوف السميك .. ويغلق على الصدر بازارير .. من الصدف أو العظم أو المعدن .. ولا ( ثنية ) فى ( رقبته ) أو ما يحيط منه بالرقبة على الأصح .. فهذه الثنيات فى الأثواب والأكوات انما حدثت منذ عهد قريب جدا ..
وهناك ما كنا نرتديه اذا اشتد البرد .. ولزمت الوقاية منه ولا سيما لمن هم فى سن الأطفال .. ويسمى ( بالمضربية ) - بضم الميم وفتح الضاد المنقطة وتشديد الراء وفتحها وكسر الباء بعدها ياء مفتوحة مشددة فتاء مربوطة - واحسبها تركية الأصل او شامية .. وحشوها ( قطن ) .. يضرب بالخيط كاللحاف .. وفى خطوط متناسقة .. متوازية .. ويشترك فيها البنات والأولاد .. على السواء .
كما كان استعمال « البدن » - بفتح الباء والدال المهملة بعدها نون - رائجا فى أوائل هذا القرن الى العشرينات ، وهو ما يشبه « الشايات » الا انه بلا أكمام .. واكثر ما يتخذ فى فصل الحر .. لخفته ورهافته .. ولا يصطنع الا من قماش قطنى رهيف . فأما « الشاية » فانها كانت من خصائص ذوى المكانة والشرف وذوى الثراء والشرف، ومن يحاكيهم من مختلف الطبقات ، فلا بد https://t.me/megallat https://www.facebook
منها تحت « الجبة » .. وتشد من وسطها بحزام من السليمى - بفتح السين - أو الابريسم ، وتناط بها « اساتيك » (١) الساعات المدلاة عليها .
و « الجبة » رداء ضرورى لمن يشتغلون فى الخدمة الدينية او التجارية . وتزداد رحابة وسعة فى الطول والعرض ، اذا كان المرتدي لها من العلماء الكبار أو المنتمين اليهم من الطلاب الممتازين .. وتكون لها أكمام فضفاضة تتجاوز نطاق الأيدى أكثر من شبر ، تقريبا . وهى فى هذا الوضع تسمى « بالفرجية » - بفتح الفاء والراء وكسر الجيم بعدها ياء مشددةفتاء مربوطة - ولا محيص معها من تكوين الرأس « بالمدرج » الذى كان من خصائص الأئمة والخطباء .
أما « البشوت » او « المشالح » .. فكان الحصول عليها صعبا والوارد منها محدود ، والاستعمال لها مقتصر على كبار ووجهاء البادية ورؤساء القبائل ، وعند المناسبات الطارئة .. فأما أهل الحاضرة، فان ارتداءهم لها واجب لا عدول عنه خلال الايام التالية لعودتهم من الزيارة الرجبية ، مهما علت أو انخفضت مكانة الزائر القادم . والعجيب انها على ندرتها تتوافر لهم فى تلك الفترة بمقادير تتجاوز الآلاف ، وهى من الوبر الأسود الممتاز .. ولا يقل ثمن الواحدة منها
آنئذ عن عشرة من الدنانير أو الجنيهات . ولا أدرى من أين كان يتيسر الحصول عليها - وربما بالعارية غالبا - ولأيام معدودة .
وقد انقرض زى آخر كان شائعا شاملا فى جميع الأوساط الشعبية .. وهو ما يسمى « بالسديرية » ، وأحسبها بالصاد لا بالسين .. فهى قطعة من القماش تفصل على قدر مساحة الصدر والظهر ، ويتخذ فيها جيبان ، عن اليمين وعن الشمال ، لاستيعاب الدراهم او الساعات .. وبلغ من شمولها ورواجها ونفاق سوقها انه اختص بها « خان كبير لا يعرض به سواها» ويسمى « خان السدارى » وهى الصدارى كما سلف آنفا .. وكان فى الجانب الأيمن من « المروة » وتعرض فيه أنواع شتى منها ذات اثمان مختلفة .. وعلى حسب الطلب والمقاس .. والقدرة الشرائية .
كما كان « للكوافى المقصصة » حوانيت كثيرة ، فى ( مكة المكرمة ) ويشتغل فيها فريق كبير من مسلمى الهند والبنغال ، ولا يقل ثمن الواحدة منها عن الجنيه او اكثر ، ويزيد كثيرا عن ذلك فى مناسبات الاعياد، وخاصة « عيد الفطر » السعيد .. ويتهافت عليها جميع الحجاج ، ولاسيما أهل جاوى والأفارقة .. ومن كافة أطراف القارة الافريقية .
وتسجيلا لذلك « كصورة حية » لابسناها ولم تعد مائلة للمشاهدة آثرت أن أعرضها على الأجيال الصاعدة ، لمجرد العلم بها ..
ونحمد الله تعالى على « توحيده » اولا ،
وعلى « وحدة الزي » وتخفيف المؤونة ، والكلفة . والمشققة ، والعنت .
وأختم هذه ( الشذرة ) بما كنا نؤمر به - فى سن الخامسة الى التاسعة - من حمل أثقال ( الكسوة الموسمية ) فى الاعياد وهى ما لا يقل وزنها عن ضعف وزن المرتدي لها .. بما انتظم فيها من « الرغلة الفضية » ، والزخارف الذهبية ، كما هو الحال فى ذوات الحجال .. أيام الخف والبابوج .. و ( الحجيلة ) ، والخلخال !.
ولعلي نسيت مع مرور السنين والأعوام بعض ما يستدركه علي ، متقدمو السن من القراء الكرام ، ولهذا فانى ألتمس العفو عن هذا الاسهاب فانه من قبيل : « أسرع السحب فى المسير الجهام » ! وأرجو من أخى اللوذعى الهمام ( أبى نبيه ) رائد حملة الأقلام ، وصاحب الفضل الكبير فى مجال التوعية والالهام ، أن يطرفنا بتعليقاته التى تميط اللئام ، عما أسدل عليه النسيان ستور الابهام (٢) ، وما شئت هذا السجع عمدا ، ولكنه مجرد الانسجام ، ولكم منى جميعا عاطر التحية والاحترام .
« الوأواء » والماء .. والرحى للمدنية والحضارة أدوار وأطوار بها
تدرجت فى تقدمها علما وعملا حتى بلغت ما هى عليه اليوم من نمو وازدهار ، وقد اقتبس الجديد من القديم ، والغرب عن الشرق .. منذ عرف تاريخ الانسان .
وللعرب سهمهم الأوفى فى هذا المضمار، وناهيك بقصة ( عباس بن فرناس ) فى محاولته الاولى للطيران ، وهى معروفة للجميع .
وقد قرأت أبياتا ( للوأواء ) أبى الفرج محمد بن أحمد الغسانى ، وكان يحترف المناداة على الفاكهة فى ( دار البطيخ ) بدمشق - أى الدلالة - ، وقد توفي عام ( ٣٨٥ ) الهجرى .. أى قبل ألف وخمسة من الاعوام .. قال فيها :
أتانى زائرا من كان يبدي
لى الهجر الطويل ، ولا يزور
فقال الناس لما أبصروه :
ليهنك !! زارك البدر المنير
فقلت لهم ودمع العين يجري
على خدى له وقع نذير :
متى ارعى رياض الحسن منه ؟
وعيني قد تضمنها غدير ؟!
( لو نصبت رحى بإزاء دمعي
لكانت من تحدره تدور ) !!
ا ه
قلت : فهذا هو على كونه خاطرة شعرية، عين ما انتهى اليه الأمد فى حضارة القرن العشرين .. حيث استخدمت الشلالات .. والمياه المنحدرة فى ( تدوير ) أجهزة الكهرباء !! وكم أرهص الشعراء العرب
القدامى بالطيران ؟ .. اذ تمنوا ان يطيروا الى من يحبون !..
أسرب القطاع هل من يعير جناحه
لعلي الى من قد هويت أطير ؟!
وهكذا ، بدا كل اختراع جديد بحلم قديم .. وما لأحد فى الخليفة أن يزعم أنه الاول فى الابتكار دون سابق افتكار ، أو بذور استبصار ، الا ما خلق الله تعالى مما لا نعلم .. ( وفوق كل ذى علم عليم ) .
- ١١٤٠ - يا أخي « جلوزها » .. .. وفكرت مليا فى أصل هذه الكلمة .. وهل هى عربية أم دخيلة ؟ وبعد التروي ظهر لى ان عامتنا بل وخاصتنا تستعملها ، عندما يكون احدهم معاندا أو مصرا على رأي معين له فى قضية ما .. فيقولون له : جلوزها - بالزاى - غير ان صحتها بالذال من ( الجلوذة ) .. وقد عرفنا ان من يتولى الاحتسابة قديما كان له أعوان يطلق عليهم ( الجلاوذة ) ، ومفردهم جلواذ . وبقليل من التأمل يفهم انها انحدرت الينا من عهود سابقة وكأنما كان الجلواذ . فى حالة رضائه أو استرضائه يغضي عن بعض الأمور التى لا يبيحها النظام .. ويتجاوز عنها ( بالبرطلة ) أو ( الرشوة ) أو ( الهدية ) .. فيتيسر عسيرها .. ويطمئن صاحبها الى مصيرها !
قلت : هذا ما بدا لى فى هذه الكلمة التى لا يخلو منها التداول اليومى فى بلادنا حتى الآن . ولعل لها من التأويل ما هو أصح لفظا ومعنى ؟! ورحم الله من قال خيرا فغنم .. أو سكت فسلم .
- ١١٤١ - .. أو زلوجها تكلمت فى الشذرة السابقة عن كلمة ( جلوزها ) .. وانها تعني « مشها » أى تغاض عما فيها من عوج .. وتذكرت الآن ان لها ( أختا ) تكاد تتفق معها لفظا ومعنى وتداولا - وهى ( زلوجها ) .. وكثيرا ما يتردد بها اصطلاح الجمهور من خاصة وعامة .. ورأيتني أجنح الى صحتها أكثر من الاولى ، فهي لها أصل لغوي فصيح .. فان اللغة تنص على : « زلج ، زلوجا ، وتزلج » زلق .. فهي بهذا المدلول أقرب الى المقصود ، فكأنه يقول : ( زلجها ) وأضيفت الواو دون حاجة اليها .. وفى وسعى هنا أن أقول للقارىء الكريم ، اذا لم ترق له هذه الشذرة .. ( زلوجها ) !! وان شاء الاخرى : « جلوزها » فله ذلك .. وكل جائز .. وكلاهما يدل على ( المصانعة ) أو ( التغابي ) .. وقديما قال الشاعر :
ولكنا نعاشر من نلاقي
على حكم المودة .. والتغابى
وقال الآخر قبله :
ليس الغبي بسيد فى قومه
لكن سيد قومه ، المتغابي
- ١١٤٢ - كشف الرأس لكل بلد ما تفيد به من آداب وأخلاق ، وتوارثه من عوائد وتقاليد .. ومن ذلك أن لا يقابل الرجل ضيفه أو صديقه حاسر الرأس .. بل لا بد من تغطيته بالكوفية والعقال .. أو الصمادة .. أو العمامة ..
وذلك دليل التوقير والاحترام .. ثم طرأ بعد هذا تبديل وتعديل .. بما هو عكس المعتاد منذ ألف عام ومائة جيل .. فأصبح الكشف علامة الاحترام والتبجيل .
وكثيرا ما سمعنا من يتهدد به ، فيقول : سأكشف رأسى .. استعدادا للخصومة والمجادلة ، أو المنافحة ، والمفاضحة ، وقرأت لأبى نواس بيتا قال فيه :
لا خير فى اللذات ما لم يكن
صاحبها منكشف الرأس
وهو يعنى بذلك اعلان الخلاعة .. وعدم المبالاة بالادب الاجتماعى (طبعا) فى عصره .
- ١١٤٣ - صيد القلم للشيخ حمد بن ابراهيم الحقيل كثير هى الكنوز المخبوءة والمخطوطة والمطبوعة تلك التى تحفل بالادب الاصيل والمجد الطريف والاثيل وتجمع بين دفاتها وفى صفحاتها أثمن التراث العربى والاسلامى فى مختلف العصور والادوار والفنون والاطوار والعلوم والاسرار .
غير أنها - وهى موسوعات عظيمة - مما لا يتيسر للاجيال الصاعدة الحصول عليها، بالنسبة لاعتبارات جمة، منها الثمن الباهظ واشتمالها على ما لا يستطيع غير الباحث الموفق أن يستخلصه من أعماقها واشتغال الطلاب عنها بما هم بسبيله من الطلب للعلم وانقطاعهم له فى أغلب أوقاتهم ، فكان من التوفيق العظيم أن يتحرى كبار العلماء والادباء استخراج ما فيها من فرائد وخرائد مختارة ممحصة وتقريبها للافهام وتحبيبها
الى الطلائع من نشئنا الطموح ، ومن ذلك هذا الكتاب الذى أتحدث عنه اليوم بما جمع وأوعى من الحكم والنثر والمنظوم .. ومن الالغاز ، والفكاهات ، والنوادر والشذرات .. حتى لا يكاد القارىء يبتدىء فى استقرائه حتى ليلازمه ولا يفارقه الى انتهائه .. أى من ألفه ليائه .. وما هو لعمر الله الا « تحفة » لا تقدر بثمن ، اذ لا يستغنى عنه حتى الذين ضربوا فى الاحاطة بالادب قديمة وحديثه بأوفر السهام وذلك انه خيار من خيار ، ونتيجة لحسن الاختيار ، ناهيك بالمؤلف الكبير فى الفقه والقضاء والأنساب والآداب والآثار .
ولو لم يشتمل الا على « المرتبة العبدونية » التاريخية الشهيرة والا على رائية « عمر بن أبى ربيعة » التى سارت بها الركبان والتى استنشدها منه الحبر « عبدالله بن عباس » رضى الله عنهما لكان اقتناؤه بذلك ضروريا لكل متأدب وكل مثقف وكل ناشىء طموح فكيف وقد أضاف الى مشتملاته مؤلفه الشيخ حمد بن ابراهيم الحقيل ، طائفة من آرائه وملاحظاته ونقداته ، وتعليقاته الثمينة .
اننى - مع شكرى الجزيل - لفضيلته على اهدائى هذا الكتاب القيم لآمل أن يسارع الى اقتنائه شبابنا المثقف .. بل وكل ذى ولع بالادب وفنونه ، وغرره ودرره ، وأن ينهج على طريقته المؤلفون المحدثون حتى يتسنى لكل قارىء تناوله من أقرب الطرق ، وأقل الاثمان ، فهو ذخيرة تضاف الى ما كان قد وفق اليه فضيلته من مؤلفات قيمة خالدة والله ولى المصلحين .
- ١١٤٤ - ما هي السفرة ؟ كل الناس يستعملون كلمة « السفرة » منذ كانت تمد لوضع الطعام عليها للأسرة، فى جميع المنازل أو حتى المنازه ويعنون بها هذه المشمعات المستحدثة ، أو ما كان ربات البيوت يتخذنه من القماش أو الخوص والسعف .. وكان بعضهم يطلق عليها « المفتة » - بكسر الميم وفتح الفاء وتشديد التاء بعدها تاء مربوطة - وكأنما كانت تبسط ويفت عليها الخبز للثريد أصلا .
وفي الحقيقة ان « السفرة » لا تسمى بذلك ، الا اذا وضع فيها زاد السفر ومن ذلك ما فعلته ذات النطاقين أسماء بنت أبى بكر الصديق رضى الله عنهما عندما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبوها الى المدينة المنورة من « غار ثور » بمكة المكرمة ..
فقد روي أنها سميت بذات النطاقين لانها لم تجد ما تضع فيه الزاد لهما .. فشقت نطانها نصفين وجعلت من احدهما «سفرة» تستوعب زاد السفر . وانطقت بالنصف الآخر .
اذن . تكون السفرة فى الاصل لهذا الغرض فقط ، ثم اتسع معناها ، فكانت للاقامة والسفر معا .. ولنا أن نتأول بين لفظها ما يصحح التداول فتكون السفرة من السفور أو الاسفار ، بما يمد عليها من أنواع الخضراوات والثمار والطعام المختار ، والا فانها « الخوان » بالكسر وبالضم ، وليكن اسمها ما يكون ما دامت عامرة «بنعمة الله» فيها ربيان وبريان ، وقوطة وباذنجان ، والحمد لله الكريم المنان .
- ١١٤٥ - « عرفات » المدينة المنورة قال الفيروزآبادى ( ٧٢١ - ٨٢٣ ه ) فى كتابه « المغانم المطابة فى معالم طابة » : « عرفات بلفظ عرفات مكة ، موضع قرب قباء من قبلى المسجد . وهو تل مرتفع .
وقال ابن جبير : « سميت بعرفات لانها كانت موقفا للنبى صلى الله عليه وسلم كان يقف عليه يوم عرفة فيرى منه عرفات، قال: ومنه زويت له الارض فأبصر الناس بعرفات » اهـ .
قلت : ولا أدرى اذا كان هذا الموضع لا يزال معروفا بهذا الاسم حتى الآن أم تبدل أو اندرس ، ذلك ما أرجو أن يجيب عليه فضيلة عالم الآثار الكبير (صاحب المنهل) الأغر ، بارك الله فى حياته (١)
- ١١٤٦ - المهر الجنين روى الاصمعى قال : بلغنى أن اعرابيا - من أهل نجد - وفد على الوليد بن عبد الملك ، فأرسل فرسا له اعرابية فسبق عليها الناس بدمشق ، فقال له الوليد : أعطنيها . فقال ان لها حقا ، وانها لقديمة
الصحبة ، ولكنى أحملك على مهر لها سبق الناس عاما أول وهو رابض، فعجب الناس من قوله ، وسألوه معنى كلامه . فقال : ان « حزمة » - بكسر الحاء وسكون الزاى بعدها ميم مفتوحة فتاء مربوطة - وهو اسم فرسه سبقت الخيل عاما أول وهو فى بطنها ابن عشرة أشهر » ا ه .
قلت : أبى الاعرابى أن يهب فرسه لأمير المؤمنين على جزيل مكافأته ، ضنا بها ، وحفاظا عليها .. وما أحسن ما تخلص به فأبقى له « حزمته »
- ١١٤٧ - روضة « خاخ » قال صاحب المغانم المطابة : ( خاخ ) موضع بين الحرمين .. يقال له روضة خاخ وهو بقرب حمراء الاسد من المدينة .
قال مصعب الزبيرى : حدثنى عبدالرحمن ابن عبدالله بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : لما قال الأحوص :
يا موقد النار بالعلياء من ( اضم )
أوقد، فقد هجت شوقا غير مضطرم
يا موقد النار ! أوقدها فان لها
سنا يهيج فؤاد العاشق السدم
نار يضيء سناها اذ تشب لنا
سعدية ، وبها تشفى من السقم
وما طربت لشجو انت نائله
كما عهدت ، ولا أيام ذى سلم
- غنى فيه ( معبد ) ، وشاع الشعر
بالمدينة ، فأنشدت ( سكينة ) وقيل ( عائشة بنت أبى وقاص ) قول الشاعر فى ( خاخ ) .. فقالت : قد أكثر الشعراء فى خاخ ووصفه ، لا والله ما انتهي حتى انظر اليه . فبعثت الى غلامها ( فند ) فجعلته على بغلة ، وألبسته ثياب خز من ثيابها ، وقالت : أمض بنا نقف على خاخ ، فمضى بها ، فلما رأته قالت : ما هو الا ما أرى ؟ قال : ما هو الا هذا !! فقالت : والله لا أريم حتى أوتى بمن يهجوه ، فجعلوا يتذاكرون شاعرا قريبا لكى يرسلوا اليه ، الى أن قال ( فند ) : والله أنا أهجوه ، قالت : انت ؟ قال : انا ! قالت : قل . فقال : « خاخ ، خاخ، اخ » .. ثم تفل عليه كأنه يتنخع . فقالت : هجوته ورب الكعبة! لك البغلة وما عليك من الثياب . اهـ
قلت : ما أعظم ما بالغ فند فى هجوه .. وهو أبلغ من قصيدة مطولة ، هذا فى الهجو .. وأتذكر ان شاعرا فرنسيا عظيما .. وقف لأول مرة على « شلالات نياجرا » فى أميركا الشمالية .. فراعه ما رأى من جمال المنظر - فقال : « نياجرا - نياجرا - نياجرا » .. وعاد أدراجه ، فقيل له : ألم يوح لك هذا المشهد بما تمثله فى قصيدة خالدة ؟ فقال : لا أجد من الشعر ما يستطيع وصف هذا المنظر الرائع .. وحسبى ما قلت انه ( نياجرا وكفى ) !
- ١١٤٨ - التكوة .. والحبوة أما الأولى - فهى الانتكاء .. اي التمكن من الجلوس والتمطى فيه ، والاستناد على
الوسائد ، أو أيدى الأرائك .. واذا بالغ المضيف او المزور فى اكرام زائره او ضيفه قدم اليه ( المخدات ) أو ما يسمى ( بالمدفع) وفوقه ( شلتة ) .. وقال له : يا أخى - اتك - ، وقد ورد ذكر « التكوة » فى شعر الأندلس ، قال ابن زهر فى موشحه المشهور - عفى الله عنه :
ونديم همت فى غرته
وبشرب الراح من راحته
كلما استيقظ من سكرته
جذب الزق اليه و ( اتكى )
وسقاني أربعا فى أربع
فأما الحبوة ، فانها من السنن النبوية ، وكان أكثر الناس يولعون بها ، ولا سيما العلماء .. ومن تلاهم باحسان الى يوم الدين .. فهم يكادون يختصون بها وأكثر منهم حرص عليها وتمسكا بها اخواننا « الحضارمة » فهى لازمة لهم ، فى الغالب، ولكنها فى هذه الايام ، لا ترى الا نادرا ، وهى ظاهرة غريبة .. وأحسب أن سر ذلك عدم الفراغ عند الجميع .. فكلهم أعجلته الحياة حتى عن الحبوة « وان لبدنك عليك حقا » .. وما رأيت شابا محتبيا بمصنف أو احرام قط ! وهو دليل على النشاط والصحة والانطلاق .. وقد كان المتقدمون فى السن يقولون لأولادهم أو خدمهم : تعالوا ، ( اتكوا لى ) .. أى اضغطوا على اكتافى أو كاهلى .. أو يدى أو قدمى ، نتيجة الاعياء وضغط الاعصاب، وأظنه ما يسمى حديثا ( بالمساج ) .
- ١١٤٩ - القعود على « الكرسى » كتب أبو بكر بن محمد بن الحسن
الزبيدى النحوى الى أبى مسلم بن فهد :
أبا مسلم ان الفتى بجنانه
ومقوله ، لا بالمراكب واللبس
وليس ثياب المرء تغنى قلامة
اذا كان مقصورا على قصر النفس
وليس يفيد العلم والحلم والحجى
أبا مسلم (طول القعود على الكرسى)
قلت : وقد فات الناظم أن يضيف على عدم فائدة ( القعود على الكرسى ) - أنه يضر بالأعصاب .. وبجلب الأوصاب ، ويعقد الركب ! فاذا لم يكن للمرء الا أن يقعد على الكرسى . ويدنو فى الوجبات الى « التبسى » .. فانه سيجد نفسه منحل العرى راكد الحس . ولا بد له من الحركة فى ظلال الرياحين والورد والورس . وهنالك يتفتح ذهنه ويحسن الاصغاء الى الدرس !
وعجيب أن يكون - الكرسى - وبهذا الاسم موغلا فى قدم استعماله منذ أكثر من ألف عام .
- ١١٥٠ - خطتا خسف الكبير .. أم الصغير ؟ قال الشاعر الأديب يحي بن حكم الغزال: المتوفى عن أربع وتسعين عاما ، فى الاندلس ، والمتوفى سنة ٢٥٠ ه :
وخيرها ( أبوها ) بين شيخ
كثير المال ، أو حـــــــــــــدث فقيــر
فقالت : خطتا خسف ، وما ان
أرى من خطـــــــــــــــوة للمستجيـر
ولكن ان عزمت فكل شىء
أحـب الي من وجه الكبير
لأن المرء بعد الفقر يثري
وهذا لا يعود الى صـغير
قلت : حق والله ما قالت الفتاة ، وجميل أن يخيرها أبوها ، فلا يسخو بها للطمع ، ويفرق الدهر ما جمع .. وقديما قال الشاعر :
أحلى الرجال من الناس مواقعا
من كان اشبههم بهن خدودا
وأحسن الله عزاء من يصح فيه قول الشاعر :
« واذا الشيخ قال اف فما مل
حياة وانما الضـعف ملا »
والى الله تصير الأمور .
- ١١٥١ - نهار الصيف أنشد أبو أحمد العسكرى النحوى لأبى المفجع :
لنا صديق مليح الوجه مقتبل
وليس فى وده نفع ولا بركه
شبهته بنهار الصيف يوسعنا
طولا ، ويمنع عنا النوم والحركه
قلت : - وقد غفل القائل عن أن لنهار الصيف ( بركة ) كبرى ... وأقلها انه يطول ويجهد فيه العامل ، ويكدح الأجير أكثر من نهار الشتاء ... وعجيب أن لا يثنى على نهار الصيف ، كما لا يستحب ليل الشتاء ، وهما يتفقان فى الطول .. وقديما أطرفنا الظرفاء بقولهم : « ليلة كل ما فيها بارد الا الماء » - وهى بهذا ملحقة بنهار الصيف .. والا لكان الماء فيها باردا .. ولا يتحدث بهذا الا من لم يقن - بفتح الياء وسكون
القاف وكسر النون - « الثلاجة » ! فقد أغنت عن الشنان والرباعى والشراب والقفل والتقفيل .
- ١١٥٢ - عادة جميلة أدركنا الأسر فى مكة المكرمة ابان عهد الطفولة .. والى ما قبل خمسين سنة .. أو أقل .. اذا أهدي اليها من الأقارب شىء من التحف أو الطرف .. أو الفاكهة أو الحلوى .. فى أطباق .. أفرغوا ما فيها - وملؤوها بما تيسر لديهم من أمثالها - أو أحسن منها .. فلا تعود خاوية .. الى أهلها .. وأحسبها عادة قديمة جميلة تدل على الاغتباط والشكر والتقدير ، وما يزال البعض حريصا عليها حتى الآن ..
وقرأت فى كتاب ( رحلة الشتاء والصيف) تأليف محمد بن عبدالله الحسينى الموسوى المشهور ( بكبريت ) ... ( ١٠١٢ - ١٠٧٠ ه ) « وقد اعاد طبعه حديثا حضرة صاحب الفضيلة العالم السلفي الجليل الشيخ محمد حسين نصيف » أحسن الله مثوبته : ان الامام مالكا رضي الله عنه اهدى الى الامام الليث بن سعد قاضى مصر فى زمنه ( صينية ) تمر - فأعادها اليه مملوءة ذهبا ) !! وقد توفي الليث سنة ١٧٥ ه . وعزا ذلك الى ابن خلكان .. فعلمت بذلك أن هذه العادة عريقة منذ العصور الاولى فى الاسلام .. وأتذكر انى رويت من قبل ما قاله الشاعر الجاهلى فى المعنى نفسه .. فهى من مكارم الأخلاق التى بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتمها .. وفى الأثر « تهادوا تحابوا » .. ( ومن وجد الاحسان قيدا تقيدا ) .
