( خلاصة ما سبق :)
(نقد الدكتور كاتب هذا البحث نظرية ماركس الاجتماعية المادية الجدمية وكشف زيوفها وكشف الأخطاء البالغة التي وقع فيها واضعو المذهب المادى لتحديد مطالب الانسان).
٢ - نقد فكرة اختفاء الدولة :
لما كانت الدولة - كل دولة - في المذهب الماركسي تعبيرا صادقا عن الواقع الاقتصادي السائد ، ومجرد أداة لسيطرة الطبقة الحاكمة فانها تسقط وتتلاشى بالضرورة بعد انتهاء مرحلة دكتاتورية البروليتاريا وقيام المجتمع الشيوعي . وفي ذلك يقول كارل ماركس ان الانتقال من الرأسمالية الى الشيوعية يستلزم بالضرورة تحولا ثوريا من هذا النظام الى ذاك مما ستتيح قيام فترة انتقال سیاسی لا تكون فيها الدولة شيئا آخر غير دكتاتورية البروليتاريا . ويقول انجلز : انه من السخف الكلام عن دولة شعبية حرة ما دامت البروليتاريا لا تزال بحاجة الى الدولة ، اذ ليس هذا من قبيل الحرية بل من اجل سحق الخصوم . فاذا كانت الحكومة على حد تعبير کارل كوتسكى - وهو احد اتباع ماركس : هی ككل انظمة الحكم السابقة اداة ممتازة لحفظ مصالح الطبقة الحاكمة فلا بد لها وفقا لهذا المنطق من أن تفقد مبررات قيامها اذا ما حلت الشيوعية واختفت الطبقات .
وبديهي ان التسليم بهذه النتيجة يفترض ضرورة التسليم بكل ما جاء به المذهب المادى من مفاهيم وتفسيرات ، وأخصها فكرة
الصراع الطبقى التي استولت على ذهن مارکس و انجلز ومن جاء بعدهما من الاتباع والمريدين . فالقوة وحدها في نظرهم هي التي تخلق الدولة، وهي بذلك المؤسسة الاجتماعية الوحيدة التي يحق لها اصطناع القوة، فالدولة اذن منشؤها القوة التي صنعتها سواعد الطبقة المستغلة وأداة عنف وقهر وارهاب في يد هذه الطبقة .
وفي ظاهر هذا الرأى ما يغرى بالتسليم بصحته ، غير اننا اذا ما أمعنا النظر فيه نجده أقرب الى نصف الحقيقة ، منه الى الحقيقة الكاملة .. ومن هنا يمكن أن يؤدى بالذهن الى أخطاء خطيرة ، فلأنصاف الحقائق من مسوح البساطة ما يستهوى العقل اكثر مما تستهويه الحقائق الكاملة ذاتها ! ذلك ان ماركس ومن تبعوه لم يتصوروا لحظة عمليات التغيير السلمية التي يمكن أن تتم في ظل الديمقراطية . فمن الثابت ان المصالح الطبقية المتصارعة في سبيل تحقيق منافع خاصة يمكن أن تتباعد وتتلاقى فاذا ما التقت حول مصلحة مشتركة تضافرت جهودها لتحقق بالطرق السلمية تغييراً اجتماعيا يفيد منه الجميع، ومثل هذا التلاقي والتوفيق مستحيل الوقوع في نظر ماركس وانجلز على الرغم من ان تاريخ البشرية قبلهما وبعدهما يعج بالامثلة الكثيرة عليه . ولذلك من العبث في يقين المراكسة تصور قيام دولة شعبية حرة قوامها الوفاق والاتفاق بل يؤكد انجلز ان قيام مثل هذه الدولة مستحيل ويؤيد لينين هذا التأكيد ويصر على ان الدولة لا يمكن أن تكون سوى أداة عنف للقضاء على الخصوم ، ولا بد من أن يظل الصراع محتدما بين الطبقة الحاكمة وغيرها من الطبقات الى أن تقوم البروليتاريا بثورتها وتلغى لوجود الطبقي من المجتمع .
الدولة اذن دليل وجود الطبقية ، ومتى انتهى الصراع الطبقى سقطت الدولة ، غير ان نهاية الصراع الطبقي ببلوغ مرحلة الشيوعية لا يعنى سوى نهاية التاريخ ، ولا يمكننا في الواقع ان نذهب بخيالنا الى غير ذلك متى أمسك صاحب النظرية المادية عن كل اجابة صريحة على التساؤل الكبير : وماذا بعد الشيوعية ؟ ألن توجد مراحل اخرى جديدة من التطور البشرى ؟
لقد اكتفى ماركس بالقول - دون مــا تحديد - بأن الشيوعية ذاتها يمكن أن تنطوى على عدة مراحل ، وهذا يعنى استمرار التطور واستمرار التطور في اللغة الماركسية يعني استمرار الصراع الطبقى وبتعبير آخر يعنى قيام المتناقضات وكل هذا وذك يستلزم وجود الدولة كما يستلزم وجود السياسة علما وعملا . فكيف يمكن التوفيق اذن بين قيام المجتمع الشيوعي وضرورة وجود الدولة! وهكذا تبدو الدولة بالمنطق الماركسي ذاته ضرورة حتمية أو كما يقول البعض شرا لا بد منه .
يمكن القول اذن ان مجتمع السلام والوئام الذي تكهن ماركس بحتمية قيامه بغير طبقية ، وبالتالي بغير سلطة سياسية يعتبر مستحيل التحقق الا بتوافر شرطين على الاقل :
الاول : ضمان ثبات العوامل الاقتصادية وعدم تغيرها بعد الانتقال الى الشيوعية (أو مراحلها العليا) . وهذا يفترض الوقوف بالتقدم التكنولوجي عند مستوى معين ، لأن هذا التقدم يقلب علاقات الانتاج بصورة مستمرة وبالتالى يغير من البناءات العليا للمجتمع !
والثاني : ضمان ثبات النوازع الانسانية النفسية منها والغريزية. وهذا مستحيل في
المراحل الراهنة من التقدم العلمي . فلو كان الانسان كما فقط لحلت مشاكل الانسانية حيث يخضع الكم لقواعد ثابتة من العد والاحصاء ولكن الانسان كيف ايضا يتسمم بالروح والادراك والمشاعر ، ومن هنا يصعب ضبطه وتكييفه ثم تثبيته على نحو معين لا يخرج عنه ولا يحيد . وماركس وقد امتنع عن اعطاء أية تفاصيل جدية عن المجتمع الشيوعي من حيث كيفية تنظيمه وادارته الخ .. يكتفى بالقول بأن حلول الشيوعية سيكون مصحوبا بميلاد الانسان الجديد ، ومن هنا يثور التساؤل عما سيكون عليه هذا الانسان الجديد في علاقته مع اقرانه ؟ وهل سيكون متسما بالصلاح والمثالية ؟ ام سيظل قادرا على اتيان الشرور وانزال المظالم ؟ كل هذه الاسئلة والاستفسارات ترکت نهبا للاستنتاج والتخمين من جانب صاحب النظرية . لأن افتراض الصلاحية التامة في كل الافراد الذين يتكون منهم المجتمع الشيوعي اغراق في الخيالية يفوق بكتير خیالية أفلاطون ذاته الذي لم يكن يطمع في اكثر من مثالية الحكام فقط . اما افتراض بقاء مقدرة الافراد على الاتيان بالشرور والمظالم وهو الاقرب الى الواقع فيقتضى بالضرورة وجود الدولة واستمرارها نظرا لبقاء المتناقضات ودوام الصراع .
٣ - نقد نظرية ماركس في القيمة والأجر
لعل اخطر ما يمكن أن يوجه من نقد الى النظرية الماركسية هو ذلك الجانب الاقتصادي من الحياة الانسانية الذى تصديت لبحثه . ذلك ان المفاهيم التي طرحتها والتفسيرات التي ابنتها قد أسهمت كلها في تضمين النظرية مجموعة من الاستنتاجات الخطيرة
تتصل بطريقة عمل النظام الراسمالي والمظالم التي يؤدى اليها . واخيرا المال الذي يتجه اليه .
وأخص ما أتى به ماركي من هذه الزاوية مفهومان جديدان الاول في القيمة ، والثاني في الاجر وكلاهما لا يصمد امام التحليل الفنى الدقيق . لقد انتهى ماركس الى اعتبار العمل صفة مشتركة في جميع المنتجات وخلص من ذلك الى ان العمل هو أساس القيمة وإلى ان مدة العمل هي مقياس كميتها . وقد طبق على العمل وهو بصدد تحديد قيمته ذات النظرية التي طبقها على السلع الأخرى وانتهى الى ان قيمة قوة العمل تتحدد بكمية العمل اللازم لانتاجها وبناء على ذلك فان رب العمل لا يمنح العامل الا القدر الضرورى اللازم لاستمراره في العمل حالما يحتجز لنفسه الفارق بين قيمة المنتجات وقيمة قوة العمل ، وهذا ما يعرف بفائض القيمة . وقد استخدم ماركس نظرية فائض القيمة ، في الهجوم على الرأسمالية والتدليل على انها تحمل في طياتها بذور فنائها .
وقد وجهت الى نظرية القيمة ونظرية كمية العمل مآخذ خطيرة من الناحية الفنية الاقتصادية نعدد منها ما يلى :
١ - يؤخذ على هذه النظريه انها لا تقدر سوی قيمة الاموال التي يدخلها عمل تاركة قيمة الأموال التي لم يدخلها عمل دون أدنى تفسير ، فهناك أشياء ذات قيمة مبادلة كبيرة على الرغم من قلة ما بذل في انتاجها من عمل کاليتابيع الطبيعية والاحجار الكريمة الخ ..
والنظرية لا تفسر بالاضافه الى ذلك قيمة السلع الا لحظة انتاجها ، و لا تفسر بالتالي ما قد يترأ على قيمتها من تغيرات بعد ذلك . فهناك اشياء ترتفع قيمتها بغير عمل كقطعة أرض معدة للبناء نتيجة اتساع العمران في
المنطقة الكائنة بها . فالندرة والمنفعة اذن دخل كبير في تحديد القيمة وهذا ما اهملته النظرية .
٢ - تتضارب هذه النظرية مع الواقع في حالات عديدة إذ كثيرا ما لا تتناسب قيمة المبادلة - أي الاثمان النسبية - مع كمية العمل المبذول في انتاج السلعة . فقد توجد اشياء تقتضى كمية كبيرة من العمل ، ومع ذلك تكون قيمتها منخفضة كما قد توجد اشياء اخرى لا تقتضى سوى كمية قليلة من العمل أو لا تقتضى عملا على الاطلاق ومع ذلك تكون قيمتها مرتفعة وأبرز مثال على ذلك اللؤلؤ الذي يقذف به البحر الى الشاطئ .
واخيرا هناك اشياء تقتضى كميات متساوية من العمل ، ولكنها تختلف في القيمة تبعا لاختلاف نوعها أو حجمها ، وخير أمثلتها اختلاف ما يصاد من الحيوانات والاسماك من حيث نوعه وحجمه مع وحدة الجهد المبذول في الحصول عليه .
٣ - تعتمد النظرية على تحليل العرض وتستبعد الطلب وتسقط بالتالي أهمية المنفعة في تفسير القيمة ، وفي هذا مغالطة منطقية خطيرة مؤداها ان ماركس أراد أن يجد للقيمة اساسا عاما مشتركا بين الاموال : ولذلك فقد استبعد المنفعة كأساس للقيمة لانها في نظره لا تصلح أساسا مشتركا بسبب تفاوت تقديرها من شخص إلى آخر ، ثم قدم لنا العمل كمفسر للقيمة بمقوله انه أساس مشترك بين الاموال . وقاته ان العمل شأنه شأن المنفعة يختلف هو ايضا من شخص الى آخر .
٤ - يضاف إلى ما تقدم ان نظرية قيمة العمل قد اهملت الى جانب الطلب بعض هكونات العرض وليس بمجد دفع هذا النقد بالقول ان رأس المال لا يعدو أن يكون عملا
غير مباشر أى عملا مختزنا ، اذ يلزم دائما ادخال عنصر الطبيعة الذي اصبح نتيجة التطور التاريخي موضوعا للملكية. ولا يمكن تبرير هذا المسلك من جانب النظرية الا اذا انتهت الملكية الخاصة للموارد الطبيعية وهذا ما لم يحدث بعد .
نخلص من كل ما تقدم ان نظرية قيمة العمل التي قال بها ماركس لا تستطيع تفسير القيمة في النظام الرأسمالي . ذلك النظام الذى ما قامت النظرية أساسا الا لتفسيره . ومتى كان ذلك فان ما بنى عليها من فكرة فائض القيمة لا بد أن ينهار تبعا لذلك.
وحتى لو سلمنا من باب الجدل والاقتراض بصحة نظرية ماركس في القيمة وتصدينا لبحث الفكرة المبتناة عليها وهي فكرة فائض القيمة لراعنا انهيار هذه الفكرة أمام أول اختبار علمی دقیق :
أولا : ان تفسير ماركس لمظالم النظام الرأسمالى بفكرة فانض القيمة ليس صحيحا على اطلاقه . ذلك ان مجادلة ماركس في عدنة توزيع ثمار الانتاج بين العادل ورب العمل مؤسسة على أن الرأسمالى لا يدفع للعامل سوى قيمة قوة العمل ) اى الحد الادنى الضرورى لاستمراره واستمرار جنسه ( لا قيمة كمية العمل ) أى القيمة التى يخلقها العمل ( ويحتجز بالتالي لنفسه وبدرن وجه حق . فائض القيمة أى الفارق بين العمل المدفوع ) أى قوة العمل ( وكمية العمل ) العمل المدفوع والعمل غير المدفوع معا ( . ويذهب ماركس الى حد قياس درجة الاستغلال القائم يقسمه العمل غير المدفوع ) فانض القيمة ( على العمل اللازم لانتاج قوه العمل ) العمل المدفوع ، على الوجه التالي : اولا : ان تفسیر مارکس المظالم النظام الرأسمالي بفكرة فائض القيمة ليس صحيحا على اطلاقه . ذلك ان مجادلة مارك في عدنة توزیع ثمار الانتاج بين العادل ورب العمل مؤسسة على أن الرأسمالي لا يدفع للعامل سوی قيمة قوة العمل الى الحد الأدنى الضروري لاستمراره واستمرار جنسه (لا قيمة كمية العمل) رأى القيمة التي يخلقها العمل ويحتجز بالتالى لنفسه و بدون وجه حق ، نائف القيمة أى الفارق بين العمل المدفوع أى قوة العمل (وكميه العمل) العمل المدفوع والعمل غير المدفوع معا . ويذهب ماركس الى حد قياس درجة الاستغلال القائم بقسمة العمل غير المدفوع( فائض القيمة) على العمل اللازم لانتاج قوه العمل العمل المدفوع على الوجه التالي :
العمل غير المدفوع = معدل فائض القيمة أو معدل الاستغلال .
العمل اللازم
وانعدام عدالة التوزيع بين العمل ورأس المال هذه التي لمسها ماركس في واقع عصره تفترض بالبداهة أمرين :
الأول : ان قيمة قوة العمل تتحدد بكمية العمل اللازم لمعيشة العامل ، وتتمثل في الاجر الذي يدفعه الرأسمالي لكفالة الحد الضروري لاستمراره في الانتاج.
الثاني : ان رب العمل هو صاحب رأس المال أى الرأسمالى ، وهذا الأخير لا هم له ولا وظيفة سوى تحصيل ثمار الانتاج التى تتساقط عليه نتيجة جهود العامل وحده .
فوق هذين الفرضين تتاسس مظالم الرأسمالية عند ماركس . وكل منهما يحمل في الواقع مسوحا من حقيقة عصره ، ولكن كلاهما ليس صحيحا على اطلاقه .
۱ - فقيمة العمل التي قال بها ماركس مؤسسة على نظريته في القيمة . وقد دللنا على ان اعتبار العمل معيارا موحدا للقيمة ، لا يمكن التسليم به بسبب تفاوت تقديره من فرد الى آخر . فاذا ما طبقنا هذه النظرة على قيمة العمل أى تقدير قيمة العمل بالعمل سقطنا في خطأ مزدوج وهذا يقودنا الى خطأ ثالث عند تقديرنا لقيمة قوة العمل اذ ان مارکس واتباعه يصرون على ان قيمة العمل هذه تتحدد بكمية العمل اللازمة لاستمرار العامل ، وهذا ما يفكر فيه الرأسمالي عندما يهم بشراء قوة العمل دفع الأجر حتى يمكنه احتساب فائض القيمة الذي يسرقه .
غير ان ماركس لم ينبئنا بسند هذه الدعوى العجيبة التي كان بها بعض الحقيقة في عصره عندما كان الرأسمالي حرا في تحديد
الاجر وعندما كانت سوق العمل طليقة من كل قيود التنظيم .
والواقع ان ما انتهى اليه ماركس من آراء في شأن قيمة قوة العمل لا يختلف في محتواه العام ونتيجته عن نظرية الاجر الحديدي التي قال بها ريكاردو ومن هنا يمكن أن توجه اليها كل أوجه النقد التي وجهت الى هذه النظرية الاخيرة . غير ان ماركس على خلاف ريكاردو ، ذهب الى التوكيد بأن قيرة قوة العمل أى الاجر الذي يدفعه الرأسمالي) لیست بالظاهرة العارضة التي يمكن ان تزول بتدخل عامل أو آخر (الدولة مثلا) من تلك العوامل التي افترض حيادها أمام التطور المادى للتاريخ . اذ لم يشك لحظة في امكانية اقتصار هذه الظاهرة على عصره أو على مرحلة معينة من مراحل تطور النظام الرأسمالی بل اعتبرها ظاهرة دائمة مستمرة دوام قوانين الطبيعة والكون .
غير ان الملاحظ المدقق في تاريخ الرأسمالية يبين ان هذه الظاهرة لم تكن تتحقق بصورة كاملة كما ان ظروف العمال المادية ومن بينها الاجر اخذت تتحسن بشكل ملحوظ حتى في نهاية حياة ماركس ذاته. ومنذ وفاته وظروف الطبقة العاملة في تحسين متواصل حتى ان الهوة التي باعدت بينهم وبين الرأسماليين في بادىء الامر اخذت تنحصر شيئا فشيئا نتيجة تدخل الدولة وضغوط الفئات الاجتماعية المختلفة . ولا يمكن انكار دور الفكر في هذا التطور الذي حمل الدولة على التدخل لتنظيم شؤون الطبقات العاملة.
ويؤكد ماركس الحاقا بما سبق - ان جنوح الرأسمالي إلى استغلال العامل بمنحه فقط احد الكفاف واستيلائه بالتالي على فائض ليس نابعا عن قصد منه أو سوء نية ، انما هو راجع الى صفة لاصقة بالنظام
الرأسمالي ذاته ولا يمكن تصور امكان الخلاص منها الا بتصفية هذا النظام واسقاطه !
وهذا القول ايضا ينطوي على مغالطة كبرى : فاستغلال الانسان للانسان على هذه الصورة أو غيرها ليس من طبيعة نظام دون نظام ، ولا من سمات عصر دون عصر ، ولكنه قبل كل شيء شعور نابع عن النفس البشرية ذاتها ، تلك النفس التي أنکر مارکس اهمیتها وربطها بالواقع المادى لتدور معه وجودا وعدما . فنزوع الانسان إلى الاستغلال قائم منذ بدء الخليقة وربما ظل قائما الى يوم القيامة .. فالجشع شعور صادر عن النفس لا عن طبيعة رأس المال ، حتى ولو كان ملازما له . وليس معنى ذلك ، الايمان بالجبرية النفسية، بل مجرد رد هذه الظاهرة إلى أصلها النفسى وهو مصدرها الطبيعي .
لقد كان الجشع قائما في نفوس الرومان في عهود الرق وعهود الاقطاع ، وكانوا يستغلون به غيرهم من الأمم والشعوب المغلوبة على أمرها ، فهو ليس ناجما عن التطور الرأسمالي ، ولا نابعا عنه ، كما يزعم الماركسيون ولكنه صادر عن اضطراب النفس وغلوائها عندها تهتز القيم وتغيب المثل . أما وظيفة الرأسمالى التى قصرها ماركس على تجميع ثمار الانتاج وفوائضه دون ما جهد أو عمل ، فهى ان كان لها سند من الواقع فهو في تلك المرحلة القصيرة من تطور الرأسمالية حيث كان الغائب ان صاحب رأس المال هو في ذات الوقت صاحب العمل.
أما وقد انقضت هذه المرحلة ، وانفصلت وظيفة رب العمل عن وظيفة الرأسمالى.
ونشأت تبعا للتقدم التكنولوجي واتساع حجم المشروعات وتعقدها فئة جديدة من المنظمين الافراد تقوم بعمل فني خطير ، فقد اصبحت فكرة قائض القيمة لا تجد سندها في
هذا التبسيط الساذج الذي قال به ماركس.
ذلك ان رب العمل لم يعد في معظم الحالات مالكا لرأس المال اذ يقلب في عالمنا المعاصر أن يكون موظفا يتقاضى اجرا عن عمله ، حالما يكون رأس المال مملوكا لعدد كبير من الافراد أو الاشخاص المعنوية كما في حالة الشركة المساهمة حيث يكون رأس المال موزعا بين أعداد كبيرة من المساهمين ،
فكيف يمكننا احتساب فائض القيمة في هذه الحالة ؟ وكيف يمكننا تحديد المستقل ؟ هل هم المساهمون : أم رب العمل الاجير الذي يدير المشروع ؟ وفي حالات أخرى يكون رب العمل هو المنظم الفرد المتصرف في المشروع الا انه قد لا يكون مالكا لكل رأس المال أو بعضه وهذه هى الحالة الغالية - بل مقترضا له من المصارف المتخصصة وهنا يكون ملزما برده مع فوائده خلال فترة معينة ، ولا يد له اذن من ادخال هذه العملية في تقديره عند الانطلاق في المشروع وذلك عند احتساب توقعات الكسب وموارد الخسارة وقياس العوامل المؤثرة في الانتاج خلال المراحل الزمنية المقبلة . وما من شك في ان هذه العملية اعقد بكثير مما تخيله ماركس في احتساب فائض القيمة فضلا عما تنطوى عليه من مخاطر جسام يستلزم التكهن بها وتحديدها دراية عالية وخبرات واسعة .
وحتى وجود الرأسمالي على رأس المشروع فان المجادلة في شرعية فائض القيمة يفترض بالبداهة التسليم مع ماركس بأنه ليس للمخاطرة ثمن ، أى رفض فكرة الربح وهذا يقتضى قبول النظرية الماركسية بجملتها وتفاصيلها بما تحويه من جوانب الخطأ وما تنطوى عليه من نواحي الصواب أي يجب الايمان بكل كلمة وفكرة ورأى قال به واضعها ، وهذا ما لا يمكن التسليم به لا من
الوجهة العملية ولا من الوجهة المنطقية . فسلامة الحكم وقيمة التقويم العلمي تستلزم منا فحصا دقيقا للادوات العلمية التي استخدمها ماركس في تحليله ومتابعة للخط . الفكري الذي انتهجه في بناء نظريته.. لأن انقطاع هذا الخط الفكرى في أكثر من موضع -كما بينا - لا يمكن أن يؤدى بنا إلى تقبل النتيجة النهائية التى استخلصها وأراد لغيره
ان يؤمن بها حتى ولو كانت بعض الافكار الجزئية من نظريته تنطوى على بصيص من حقيقة.
ونظرية ماركس في الربح تنطوى على مغالطات وأخطاء خطيرة قلما تغيب عن ذهن الفاحص . فقد حدد معدل الربح بالمعادلة التالية :
( للبحث صلة في العدد القادم ان شاء الله )

