الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "المنهل"

ثقافيات شذرات الذهب

Share

-١٢٧٢-                                                                                                                                                                                           (حقا)                                                                                                                                                                                               انه للصفي الحلى

قرأت في عدد المنهل الأغر الصادر لشهر ذي القعدة سنة ١٣٩٠ ه كلمة رقيقة،  تحمل بين طياتها أدبا وفهما . . وتلطفا وعلما ، بتوقيع الاخ الكريم الاستاذ " حمزة محمد جابر"من العلا . . تساءل فيها عما هو الصحيح . أهذا الذى زعمته في منهل رجب سنة ١٣٩٠ ه عندما قلت في الشذرة  (١١٧٧) تحت عنوان : " العلق .. قديما وحديثا ؟ :

" " ومصادفة وجدت " صلاح الدين الصفدي قبل نحو من ٧٠٠ سنة ه يقول فى قصيدته السينية التى ينكر فيها استعمال غريب اللغة :

" انما الحيزبون والدردبيس "

أتراني ان قلت للحب ، يا علق

درى انه العزيز النفيس

أم ما عليه وحفظه وهو واثق منه ، من أن القائل انما هو ( صفي الدين الحلى ) ؛

ولم ألبث بل ولم أتردد منذ وقع نظري  عليها . . ان أسترجعت وحوقلت وأدركت انها كانت " فلتة ذهن ، أو شرودا ، أو

ذهولا ، أو سبق قلم ، الخ . . ولم أجد حاجة الى " المراجعة " . فانى لموقن ايضا بأنها للصفى الحلى . . لا للصفدى وقد وردت في ديوان الصفي في الباب الحادي عشر ص٢ (٦٢٤) طبعة بيروت عام ١٣٨٣ه .الموافق١٩٦٢ م

وانى لأستغفر الله تعالى عن خطأ لم أتعمده ( وأين الشجي من الخلى). . وها أنذا أشكر لأخي أو ابنى (حمزة محمد جابر) تنبيهه ، وأقدر له اهتمامه بهذا التصويب ، مع اعجابي بأسلوبه الحكيم في الارشاد اليه . . وأقول له : اننى ولله الحمد لأرجو أن أكون ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وممن يتأثر بقول أمير المؤمنين الفاروق رضي الله عنه : " رحم الله امرء أهدى الي عيوبى "

وبمثل هذا الاديب سيكون مستقبل الادب فى بلادنا زاهيا مشرقا ان شاء الله ، وله المزيد من احترامى وتقديرى

فأما جمع الشذرات وطبعها فان مد الله في الاجل . . وسنحت الفرص الملائمة واسطعت تهذيبها كما احب أن تكون فانى

لحريص على ذلك مع كثير من الحذر والتحفظ ، لانها دون ما ينعم به المثقفون ، ويرضى به العالمون . . ( وأما الزبد فيذهب جفاء ) ..

وانما هى - من باب الترفيه ، لا التفقيه ( ومن يرد الله به خيرا يفقهه فى الدين ) . فمعذرة وشكرا .

- ١٢٧٣ - متى تصح الاغارة شعرا ؟

قال ابن رشيق في العمدة : (( ان المعانى الموجودة في طباع البشر يستوي الجاهل فيها والحاذق ، ألا ترى لو أن رجلا أراد في المدح تشبيه رجل لما أخطأ أن يشبهه في الجود بالغيث والبحر . . وفي الاقدام بالاسد . . وفي المضاء بالسيف . . وفي العزم بالسيل . . وفي

الحسن بالشمس .. فان لم يحسن تركيب هذه المعانى في أحسن حلاها من اللفظ الجيد الجامع للرقة والجزالة والعذوبة والطلاوة والسهولة لم يكن للمعنى قدر ، وبعضهم يمثل المعنى بالصورة ، واللفظ ، بالكسوة ، قال : فان لم تقابل الصورة الحسناء بما يشاكلها ويليق بها في اللباس فقد بخست حقها وتضاءلت في عين مبصرها . ))

قالوا : ( ونحن نرى الجمهور من الادباء على أن أخذ المعنى اذا أبرزه بحلية أجمل من حليته الاولى ، وبتركيب أكمل ، كان أحق به من السابق والا فهو السارق المغير على ذخيرة غيره . . )) اهـ .

قلت : وهذا هو نص الخطاب فيما يقوم من نزاع حول السرقات الادبية .. قديما وحديثا وعلى مر الاجيال .

وما اشد اعجابى ببيت رائع سمعته من سعادة الشاعر الفحل عزيز أباظة باشا في مأدبة تكريمه ليلة ١٧-٣-١٣٩١ ه بجدة ، تلك التى أقامها حضرة صاحب السمو الملكى الشاعر الكبير الامير عبدالله الفيصل المعظم ، قال فيه : ( ويعنى به جلالة مولاى الملك فيصل المفدى حفظه الله ) :

يسجد المجد على أقدامه

وهو لله ابر الساجدين

فان الشعراء القدامى قد طرقوا هذا المعنى غير أن ما أضافه اليه سعادته من قوله : ( وهو لله ابر الساجدين ) . . جعله صاحب الحق الادبي في هذا المعنى الشريف ، وفي أوله وآخره معا .

- ١٢٧٤ - ( أورال ) الحجاز

كل ذي المام بالجغرافيا ، أو علم تقويم البلدان ، يجد أن ما يسمى ( بالأورال ) هو جبال شاهقة تمتد في بلاد روسيا مما يلي سيبريا .

ولا يكاد يطلق هذا الاسم أو يطرأ في حديث الا ويتمثل الانسان ذلك دون سواه .

غير أننى - عثرت - أثناء قراءتي للكتاب الثمين الذى أصدره سعادة الاستاذ الجليل العلامة الشيخ عبد الله بن محمد بن خميس ، أحسن الله ثوابه على جهوده الموفقة وهو (( المجاز بين اليمامة والحجاز )) .

وقد وصل به ماضى الجزيرة العربية المشرق بحاضرها المتفوق وتجشم في ذلك اتعابا لا يقدرها الا من عرفها وعاناها . .

أقول عثرت على أبيات للعباس بن مرداس السلمي يوم حنين جاء فيها قوله :

هزمنا الجمع : جمع بني قسى

وحكت بركها ببنى رئاب

ركضنا الخيل فيهم بين (بس)

الى (( الأورال )) تنحط بالنهاب

بذي لجب رسول الله فيهم

كتيبته تعرض للضراب

قلت : وقد اعترانى الشك في النطق بالأورال أهو بضم الهمزة ؟ . . أم يفتحها مع سكون الواو ؟ فان تكن الاولى فهى مما اختلف صقعا ، واتفق وضعا وان تكن الاخرى .. فربما ، لكثرة الحيوان المعروف (( بالورل )) في هذا المسمى ، كما لم أعرف أين هو الابقرينة ( بس ) وهو جبل في منطقة (( عشيرة )) . . وعسى أن نظفر بكلمة عن ذلك من تعليقات أستاذنا الجليل صاحب المنهل الأغر ، بارك الله فيه (*)

- ١٢٧٥ - الاعتداد والاعداد

عندما أنشد صريع الغوانى مسلم بن الوليد قوله في وصفه .

تراه في الامن فى درع مضاعفة

لا يأمن الموت أن يدعى على عجل

قال له يزيد : (( هلا قلت كما قال الاعشى فى مدح قيس ابن معدى كرب )) :

واذا تجيىء كتيبة ملمومة

شهباء يجتنب الكماة نزالها

كنت المغبر ، غير لابس جنة

بالسيف تضرب معلما أبطائها

فقال مسلم : قول أحسن من قوله لانه وصف قيسا بالخرف ووصفتك بالحزم )) اهـ .

قلت : وهكذا فان ما يصدق على الفرد يصدق على الجماعة والامة والشعب ، وذلك هو الاعداد والاعتداد والعتاد ولا سيما في زمن الصواريخ والذرة وغزو الفضاء ، والى ذلك دعا الله جل وعلا عباده وبه يتنافس شبابنا اليوم في جميع أكناف البلاد . . ويتسابقون الى التمرس بأسباب الجلاد والله مع المتقين .

- ١٢٧٦ - أراك نعمان

قال عمر بن أبى ربيعة :

تخيرت من (( نعمان )) عود أراكه

لهند ، ولكن من يبلغه هندا ؟

قالوا : ومن يتخذ من أعواد أراكه هديته لمحبوبته ، ولكن أنى وكيف يصلها ؟

قلت : وما تزال أعواد الأراك يتخذها من (( المجاز )) البدو للسواك ، الا أننى عهدتها (( خضراء )) لا بيضاء ، وهى غير ما اعتاد أهل مكة استعماله من الاعواد ذات النكهة الطيبة ، ولها ( لذعة )خفيفة لطيفة ، ومنها الدقيق وسميك وتعرض في الاسواق أيام ويشترى منها الحجاج كثيرا للاهداء ديارهم ، فأما ما كان عوده أخضر ، فانه مقصور على البادية غالبا . . وهنا أتساءل هل هما من نبات واحد ؟ وأحسبهما متغايرين وأولاهما بالاستعمال الابيض الحديث عهد بالعهاد .

- ١٢٧٧ - هكذا كانوا

قلت : هذا مع أن دعبلا كان تلميذا لمسلم فما بخل عليه استاذه بالااشادة به والتشجيع له . . وما ذلك الا من الادب النفسى الذى يتحلى به ذوو الاخلاق الكريمة . عفا الله عنا وعنهم .

- ١٢٧٨ - هجاء الخنافس

قرأت للأخطل أبياتا لا تخلو من الفحش يهجو بها النابغة الجعدى جاء فيها قوله :

ولنفس )) أولجت لمبيت

ورثن فراش زانية مزان

وما ام ربوت على يديها

بطاهرة الثياب ولا حصان

قلت : وعجبت من التسمية .. بالخنافس منذ ألف وثلثمائة سنة . . وذلك في باب الهجو والتصغير . وكيف أطلق ذلك في عصرنا هذا على أولئك الذين لا يستحقون الا الازدراء والتحقير . . ولا أدرى ان كان ذلك قد وقع مصادقة أم انه يستند الى هذا المأثور عن الاخطل .

- ١٢٧٩ - الجديد والقديم

قال ابن شرف القيروانى في كتاب (( أعلام الكلام )) :

قل لمن لا يرى المعاصر شيئا

ويرى للأوائل التقديما

ان ذاك القديم كان جديدا

وسيغدو هذا الجديد قديما

قلت : ولا مكابرة في هذا الذي قاله ابن شرف منذ قرون طويلة ، غير أن محل الحيرة والازعاج ليس هو في عصرنا هذا الحداثة أو القديم ، وانما هو في الخروج عن القواعد ، الموطدة الى المكائد المستوردة .

-١٢٨٠- (( ألبد ))

اذا جرى حديث بين أثنين ، وخشي المتحدث اليه أن يستمع اليهما أحد قال له قجأة : (( ألبد )) - أى أسكت - ونحسبها

عامية مبتذلة . وهذا فيما لا يزال التداول عاما به فى بلادنا فهل لذلك من أصل في الادب العربى ؟ أقول : نعم ، فهذا الاخطل التغلبى شاعر عبد الملك بن مروان ، يقول في وصف الصائدين :

دسم العمائم ، مسح لا لحوم لهم

اذا أحسوا بشخص نابىء لبدوا

وبذلك تكون (( ألبد )) عريقة في الاستعمال قبل ثلاثة عشر قرنا ، وهى من صميم الفصيح ..

- ١٢٨١ - الكبيبة والسراة

قل لمن شئت من الناس : ما هي ( الكبيبة ) ؛ يجبك على الفور : (( انها تلك الطعمة اللذيذة الشامية التى تصنع من الحب واللحم المفروم والصنوبر ، وبعض البهارات .

ولن يخطر ببال أن في جبال السراة الجنوبية من حولنا (( سراة جنب )) قرية تسمى (( الكبيبة )) كما ورد ذلك في كتاب (( المجاز )) . . وما أحسن أن يزدرد الجائع اليها سميتها . . فيجمع بينهما مقاما وطعاما . . وقد أصبح ذلك يسيرا على السائرين والصاعدين والهابطين . . والله يحب المحسنين .

- ١٢٨٢ - الحلال من الابل

قال الاصمعى : أغير - بضم الهمزة وفتح الراء - على ابل خزيمة ،

فركب (( بحيرة )) - وهى الناقة اذا ولدت خمسة أبطن ، فكان آخرها ذكرا بحرواأذنبا أى شقوها وتركت فلا يمسها أحد - فخيل له : أتركب حراما ؟ قال : يركب الحرم من لا (( حلال له )) . اهـ .

قلت : كنا نسمع أصحاب الجمال يصيحون بأسواق مكة على رفاقهم : أين الحلال ؟ يقصدون الجمال التى تشد عليها الاحمال ، والشقادف والشبارى والعصمان والاثقال . . ولعل هذه التسمية قد انحدرت اليهم من وراء العصور والاجيال . . وربما كانت لها صلة بهذا الاحتمال .

-١٢٨٣- وقليل ما هم

جاء في كتاب (( العقد الفريد )) لابن عبد ربه ٢٤٦-٣٢٨ ه ان العتابى قال : (( من قرض شعرا ، أو وضع كتابا فقد استهدف للخصوم ، واستشرف للألسن الا عند من نظر فيه بعين العدل ، وحكم بغير الهوى ، وقليل ما هم )) اهـ

قلت : وقد انقضت على هذه الكلمة مدة تنيف عن الف ومائة وخمسة واربعين حولا ، فهل تبدلت فيها الطباع ؟ أو انفتل عنها الانطباع ؟ وما أنصفه حين يقول : (( وقليل ما هم )) . .

وان أمرءا يمسي ويصبح سالما

من الناس ، الا ما جنى لسعيد

اشترك في نشرتنا البريدية