الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

ثقوب في ظهر المدينة

Share

وانتهت الحصة المسائية.. فسقطت أصوات الآلات فى استرخاء صاخب .. وسيظل صاحبنا حتى الصباح .. فى رأس سامية ..

حركات آلية سريعة جافة .. وفتحت عينيها .. فإذا الشارع الممتد تجرحة سياط الرياح ..

- سامية.. إلى أين ؟ - تسألين ..؟ - ألا تنتظرين معى ؟.. إنه قادم على سيارته.. نوصلك إلى منزلكم - من القادم ؟ - ألا تعرفين ..؟

- من ؟ خطيبك .. ؟ - سيكون خطيبى .. - رقم  .. عشرة ؟ - سنمضى السهرة فى فيلته الجديدة .. بل قولي : فى قصره الجديد ..

- هنيئا لك بالقصر الجديد.. سهرتك سعيدة .. وتزاحمت خطواتها عبر الوتر المشدود على قوس الجسد المنهك .. وامتدت اليد الوردية..

- سامية . . الأ تذهبين معى ؟ افهمينى . . نحن ولدنا فى بيوت يعشعش فيه الصياح والقلق والرطوبة . . هل قدر لنا أن نبقى فى السفح ؟ أليس من حقنا أن نرفع أبصارنا ونصعد الجبل ؟ ؟ . .

- تصبحين على خير..

وسارت . . ولم تجرؤ الشفتان الورديتان أن تتحركا . . ابتعدت وعند المفترق رمقت السيارة الفخمة ووجهين ضاحكين .. ولم تلتفت ..

فكرت : هن كما يريد الليل بلا عينين .. بلا شفتين .. بلا تاريخ .. بلا نسبة .

عضت شفتها الحزينة ونكست رأسها .. تمشى .. دون أن ترى شيئا مما حولها أو أمامها .. وهي تعلم أن عيونا كثيرة تخترق سحب الرياح لترمق وجهها القمحى الساحر ..

عتمة المساء تغشى الكون وخطواتها تلتهب تحت أضواء مصابيح الشارع . . وفكرت : الشارع طويل وعلى أن أسرع رغم البرد . . من يدري بما يخفيه الظلام من المفاجآت غير السارة ..

خطواتها تلتهب على الرصيف . . وتدفع سياط الرياح الباردة . . ستصل إلى البيت حتما وتدفع عنه الكثير من قلق آخر الشهر...

وستدعو لها أمها بأجمل ما سمعت من الدعاء..

وتساءلت : ترى هل أجد أبي هناك ؟..

عندما بلغت بداية النهج المؤدى إلى الحى تذكرت فاطمة وعشقها للشكلاطة وقفت عند دكان عم مبروك واشترت ثلاث قطع ثم سارت بضع أمتار.. توقفت ثانية طرقت الباب . انفتح وأطل وجه فاطمة الصباحى الهادىء .. وصاحت والفرحة فى عينيها الخضراوين معلنة قدوم أختها .. وفكرت : تفرح لقدومى كل مساء بكل هذه البراءة وكل هذا الصدق .. وأنا لا أستطيع لها شيئا..

واقتربت من الحجرة .. ووراءها صوت شفاف كأوراق الورد ...

- أمى تصلى ... وأبى لم يأت بعد ... ورددت : لم يأت بعد ... جلست على حافة السرير وضمتها إليها ... - هذه لك وهاتان أاحمد وطارق ... والتقت نظراتهما ...

فكرت : أنا متأكدة . . . خلف نظراتها الضاحكة حمل ثقيل من الأحزان وتأملت أمها وهي تصلى . ثم وهي ترفع يديها إلى الله..  وغمرها إحساس دافىء.. من رأسها إلى أخمص قدميها .. إحساس أكسبها الامن والطانينة .

- تقبل الله ... - منا ومنك العمل الصالح .. سامية انزعى حذاءك وهيا اجلسي بجانبى.. ونزلت بجانبها.. فتحت حقيبتها ووضعت بين يديها مرتبها هذا الشهر..

وفكرت : هل هذا المبلغ كاف لقضاء ديوننا ؟- ديوننا لا تنتهى.. تريد أن تقول شيئا.. أن تأسف . . أن تتمنى . لكن صوتها انحبس في غفوة تغرز أنيابها فى لحمها.. في دمها ...

توسدت فخذ أمها.. واسبلت جفونها ...

- ما لك يا ابنتى ؟ - أنا متعبة.. أحس بأنى متعبة حتى الموت.

وأورقت فوق جبينها يد .. كف .. معطرة برائحة الدفء . وبكت . . بكت كطفلة صغيرة تعشش الأساطير فى عينيها وشفتيها .

-تبكين ؟.. لماذا البكاء ؟.. - أبكى لأنى حقيرة .. تافهة ..

- لا .. لا .. هذا كلام غريب..

- هو الحق .. مزق كفك طبق الغسيل زمنا طويلا ولم تقلي يوما : أنك متعبة.. كنت تبتسمين.. تزرعين فى وحشة البيت دفء الزهور .. يذوب الثلج بين شفاهنا عند المساء ويعود دفء الحياة على محيا الدار .. لم تقلي يوما أنك متعبة.. وأنت متعبة حقا .. أين آلة الخياطة من طبق الغسيل . . بساط البرد القارس ؟ . .

أبتى .. أبتي ليتك تدرى.. نادت فانكفأ النداء .. بيننا ظلام الليل الأخرس...

الجلسة الخمرية شبح يخشى النهاية .. لا يمر فى خاطر أبيها وجلاسه آهة من الآهات ! ولا معنى للميلاد .. ولا معنى للموت ...

وفكرت : السكير لا يملك قلبا بشريا .. ليس بداخله ضمير .. السكير  يهتك عرضا كل ليلة ويقتل أطفالا كل ليلة فى غرف كأنها بلا سقف وبلا جدران لكن أبي ليس سكيرا ... أبي يركض فى صحراء الهجير يبحث عن القرار ...

وهمست : أبي يركض فى صحراء الهجير يبحث عن القرار .... وغمغمت الام : لا أفهم . . لا أعلم . . ولا أدرى ماذا أقول لإخوتك الصغار !

أخوتها الصغار يهزهم السؤال الحائر مساء صباح من عيونهم .. من لحمهم من قلوبهم .. أين الحقيقة ؟ فى ركوعها على السجادة أم فى احتضانه القارورة ؟.. قالت الأخت : القارورة صديدية.. وضحك الأخ الأكبر.. واقبلوا ينساءلون : لم يأت ؟ والتقت أعين عطشى ...

قبل منتصف الليل لم يأت .. وبعد منتصف الليل لم يأت.. وكأن الليل طوفانا من الكوابيس ...

وعند الفجر لم يأت .. ودقت السابعة ولم يأت.

- اذهبوا إلى مركز الشرطة قالت سامية.. ابحثوا عنه وخرجت إلى العمل اتجهت إلى المعمل وفي الطريق استوقفتها امرأة تشهق .. تأملتها.. أم هادية صاحبة اليد المعجونة من أوراق الورد ..

- هل رأيت هادية ؟ .. هل تعلمين أين هى ؟ وقفزت الأم تشهق ..

وفكرت : أليمة ساحقة شهقة الأم.. ولكنها لا تسمع .. هل يفسر سوق الشاه إلى المسلخ ؟ .

عند مفترق الطرق . . وجدت زحاما من الناس . . قال أحدهم : مسكين صدمته السيارة فشج رأسه . ! وقال آخر : هو سكير !

أصابتها رعشة عصرت قلبها...

خطت بضع خطوات كالمعتوه.. اندفعت .. دراجته القديمة ملقاة على الأرض .. وقفته القديمة تطل منها (( الفاميلة)) ..

كذبت .. اشتهت أن تكذب .. تلمست الاشياء الندية .. فسقطت وفي قلبها إعصار الأمس واليوم والغد .. رفعت رأسها إلى نقطة بعيدة.. فرأت ثقوبا مخيفة فى ظهر المدينة .. وأحست بأصابع البرد تلفها ...

اشترك في نشرتنا البريدية