الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

ثلاثة ايام ادبية في لندن

Share

قضيت ثلاثة ايام ممتعة فى شهر جويلية الماضى ، ثلاثة أيام مليئة بالحوار الادبى والفكرى الحى مع ثلة من الجامعيين والكتاب العرب والمستشرقين ، شاركوا فى الندوة الاكاديمية التى عقدها مركز الدراسات الشرقية ؛ والافريقية التابع لجامعة لندن من يوم 10 الى يوم 12 جويلية 1974 بالعاصمة البريطانية

- كان عنوان الندوة " الادب العربى المعاصر " ، وكان فحواها علميا مما جعلها تقريرية جافة فى بعض الاحوال ، ومركزة كل التركيز ، وناجحة في أشغالها كافة ، التى استغرقت زهاء سبع ساعات بالنسبة لكل يوم

فكان اليوم الاول مخصصا للشعر ، والثاني للقصة والرواية ، والثالث للمسرح .

اما المشاركون الذين قدموا دراسات علمية فى معظمها فقد وفدوا من جامعات لندن ، وأكسفورد ، وبنسيلفانيا ، والقاهرة ، والجزائر العاصمة والكويت ، و كان من بينهم كتاب عرب جاؤوا من بيروت والقاهرة ، وكاتب هذه السطور ، من تونس

تناول المشاركون فى اليوم الاول قضايا الشعر المعاصر ، فأعاد الدكتور مصطفى بدوى تقييم شكرى الشاعر ) الذي كان من مؤسسي مدرسة الديوان المصرية ( وحلل الدكتور كاشيا القيم الاجتماعية المعبر عنها فى الاشعار المصرية المعاصرة .

وتولى الدكتور أوسل ) كاتب عام الندوة ( تحديد مكانة ايليا أبى ماضى فى الشعر العربى وإيراده فيه فيما بين الحربين العالميتين . وصور الاستاذ آلين رؤية محمد المويلحى الى فن الشعر . وحلل الدكتور عبد الحليم الصور البلاغية والبيانية القرانية التى اعتمدها بدر شاكر السياب فى قصائده . وكانت دراسة الدكتورة سلمى خضراء الجيوسى وافية فى تحليل مواقف الشعراء العرب المعاصرين ووجهات نظرهم الشعرية الفنية اليوم . والمشارك الوحيد

الذى مزج بين التحليل العلمي والتقرير الشخصى كان أدونيس . فقد أثار عرضه الذى تناول بالبحث مشكلة الحداثة فى الشعر العربى القديم منه والمعاصر نقاشا حماسيا ، وردود فعل متنوعة النوازع اذ وصم أدونيس بالبداوة كل من لم يجدد التعبير والشكل والمقاييس الشعرية الفنية ، بوصفه مفهوما متدهورا لا يلائم متطلبات العصر ، ولا يستجيب لرغائب المستحيل

وكاد اليوم الثاني يخصص كله لادب نجيب محفوظ . . . اذ من البديهى أن يحتل الروائى المصرى هذه المكانة فى الرواية والقصة العربيتين اليوم بسبب قيمته الادبية ، بالاضافة الى الدعاية الواسعة النطاق على الجرائد اليومية والمجلات الثقافية ، والدراسات الجامعية التى يحظى به أدبه الروائى

الا أن بعضا من المشاركين فى هذه الندوة ، وليسوا قلة ، أخذوا يحاسبون نجيب محفوظ الحساب العسير ، لا فى أروقة بناية الجامعة فحسب ، بل حتى على طاولة الندوة . فالمحاسبة كانت ترمي بالخصوص الى اتهام نجيب محفوظ بالعجز ، والانهزامية ، والتراجع أمام الاحداث للنارية المحرقة التى عاشتها مصر فى تاريخها المعاصر

ولا شك أن الدكتور حليم بركات الذى دشن اليوم ببحث عن العلاقة المتفاعلة بين الرواية العربية والتغير الاجتماعى ، هو الذي فتح طريق الاتهام . فقد جعل نجيب محفوظ من الروائيين العرب الذين لا يواجهون الواقع ، ويهربون عنه فرارا بأنفسهم من ملابساته . ويستدل على ذلك " بثرثرة فوق النيل " ويقول الباحث اللبنانى ان هذه الرواية ضائعة فى الاغتراب الاجتماعى والتعطيل السياسى ، حيث العزلة القاتلة

وقد صنف الدكتور حليم بركات الرواية العربية الحديثة الى خمسة أصناف بحكم ما تتضمنه من المواقف الفكرية ، والاجتماعية ، والسياسة فى العالم العربى اليوم ) وعلى الاصح : جناح المشرق العربى فقط اذ الباحث لم يهتم الا به ووضع جناح المغرب العربى فى عداد الاهمال والنسيان ( وهذه الاصناف هي :

1 - عدم المواجهة والانهزام 2 - المتابعة والملاءمة 3 - الرجوع أو التراجع 4 - التمرد الفردى الضيق 5 - التغير الاجتماعى

ومهما يكن من أمر فان الدكتور حليم بركات قد نظر فى الرواية العربية بمنظار سوسيولوجى محض لا شأن له مع الفن الا قليلا . خاصة يكون من الممكن تصنيف هذه الروايات العربية الحديثة بأجمعها الى أصناف نفسانية وثقافية ، وأدبية ، وسياسية أخرى ولنا أمثلة فى الآداب الغربية فى القرنين التاسع عشر والعشرين ما يحطم كافة هذه التصنيفات . . ولينظر الدكتور حليم بركات الى مثال " ما دام بوفاري فقط لا غير !

وتولى المستشرق لى غاسيك تحليل حب تحت المطر " لنجيب محفوظ وأعلن انه بصدد نقلها الى الانكليزية . وأعقبه الدكتور السكوت فدرس مكانة نجيب محفوظ في القصة القصيرة .

أما اليوم الثالث فقد خصص للمسرح . ففي أثنائه قدم الدكتور لويس عرضا عن مشاكل المسرح المصرى اليوم . كما قدم الدكتور على الراعي دراسة وافية عن بعض مظاهر المسرح العربى الحديث . وقام كاتب هذه السطور بعرض عن المسرح فى شمال افريقيا متخذا مهرجان المسرح المغربي الذي ينتظم كل سنتين بالمنستير وسيلة لتحليل المسارح الشمال افريقية كمسرح فرقة مدينة تونس ، ومسرح مدينة الكاف ، والمسرح الوطني الجزائرى ، ، ومسرح الدار البيضاء ، ومسرح القناع الصغير

ان هذه الندوة العلمية التى نجحت كل النجاح فى أشغالها بفضل التنظيم المحكم ، والحفاوة البالغة ، والدراسات المركزة ، لم تشمل رغم ذلك ولو معظم جوانب الادب العربى الحديث ومشاكله . فقد انحصر عدد كبير من الدراسات فى الأدب المصرى المعاصر والحديث ، بينما لم يحظ الادب العراقي أو الادب السورى أو الادب المغربى الا بلمحات واشارات ، مما دفع بعض المشاركين غير المصريين الى اتهام المصريين بالتعصب القومى الضيق ، ولو كان ذلك على سبيل التفكه والمزاح . لكنه جد فى جد . في واقع الامر

وأيا ما كان الامر ، فان المشكلات الفكرية والادبية والفنية التى طرحت على طاولة ندوة الجامعة اللندنية كفيلة بأن تحرك الابداع ، وتنشط النقد ، وتخلق ذلك الحوار المبتور بين كتاب العربية وآدابها اليوم

اشترك في نشرتنا البريدية