انه لشرف كبير وفخر عظيم بأن تتاح لى مثل هذه الفرصه لاساهم فى مثل هذا الموكب منوها بمجلة (( الفكر )) الغراء فى عيدها الثلاثين . ثلاثون سنة من النضال قضتها مجلة (( الفكر )) فى ترسيخ الفكر العربى الاسلامى واثرائه وتطويره . وهو لعمرى عمل حتمى فى عصرنا الحاضر كما كان الشأن فى العصور التى سبقته يجب التنويه به وأود فى هذه المناسبه أن أنوه خاصة بباعث المجلة ومديرها لا لانه أسس مجلة (( الفكر )) فقط بل لانه آمن منذ زمن بعيد رغم العراقيل والافكار السلبية ورغم تخاذل الانهزاميين وتردد المتشائمين آمن بامكانية دوام مثل هذه المجلة .
لقد تأسست مجلة (( الفكر )) فى أكتوبر 1955 أى قبل استقلال تونس ببضعة اشهر فقط وكأنها بذلك بشير خير باسترجاع الذاتية التونسية كاملة غير منقوصة تحت رعاية محرر الامة المجاهد الاكبر الرئيس الحبيب بورقيبة .
ان مثل هذا التطابق الممتاز بين الفكر الثقافى المميز لمجلة (( الفكر )) والفكر السياسى المتمثل فى حركية الحزب الدستورى ليس فقط من باب التصادف الزمنى . وهو يجد مده الطبيعى فى شخصية محمد مزالى ملهم ومحرك مجلة (( الفكر )) .
ولا يفوتنا فى مثل هذا اليوم التنويه بكل من آمن بهذه المجلة وساهم فيها ومن بينهم خاصة رئيس تحريرها السيد البشير بن سلامه .
واستسمحكم على صعيد شخصى وباعتبارى من تلامذة الاستاذ محمد مزالى أن أذكر بما كان يبديه أستاذنا من براعة فى تحريك سواكننا تجاه مميزات
الثقافة العربية الاسلامية وثرائها والتى كان يستلهم منها مقومات أعماله بما نلقاه فى تلك الاعمال من تطابق وتراسخ مع كبار الفلاسفة والمفكرين الاسلاميين والذين كان محمد مزالى منذ عهد بعيد يقربنا منهم ويستنير بمبادئهم فى حياته كرجل فكر وعمل .
وإنى لأذكر بخصوص هذا التطابق الفكرى بعض مقولات مؤرخنا وعالمنا الاجتماعى الكبير ابن خلدون الذى كان منذ أكثر من 600 سنة وضع علمه فى إطار شامل ألا وهو إطار الفكر الاسلامى .
وكان ابن خلدون يعلق على مقولة أرسطو الشهيرة : (( الانسان سياسى بطبعه )) بقوله : (( هذا يعنى انه لا يتسنى لأحد العيش وحده دون الاشتراك مع أمثاله ... وهذا التضامن يتطلب اتفاقا مسبقا ... ولا يتم صدفة كما هو الشأن عند الحيوانات ذلك ان الله لما ميز الانسان بالفكر مكنه من التصرف طبق نظام معين . فتصرفات الانسان اذن منظمة تنظيما محكما حتى فى مظاهرها السياسية وتخضع لضوابط فلسفية)) ويختم ابن خلدون تعليقه بالقول : (( إن هذا هو ما يثنى البشر عما يضرهم ويوجههم لما فيه مصلحتهم أى يحملهم على الفرار من الشر نحو الخير )) .
هذا التعليق لابن خلدون يبرز لنا المكانة التى تحتلها السياسة بالضرورة فى الحياة البشرية . لذلك لا نستغرب من المكانة التى تحتلها السياسة بصورة طبيعية فى المجلة التى أرادت أن تكون تعبيرا عن الفكر الانسانى فى أهم مجالاته ، وبصورة أوضح نجد فى هذه المجلة القيم الاجتماعية والسياسية التى تشكل أرضية الفكر السياسى لمحمد مزالى .
كما يحلل ابن خلدون مقولة أخرى لأرسطو : (( أوائل الاعمال آخر الافكار وأوائل الافكار آخر الاعمال )) بقوله : (( فعلا لا يعمل الانسان فى عالم الخارجى دون التفكير مسبقا فى ترتيب الامور التى هى مترابطة . وبذلك يبدأ تفكير البشر بآخر مفعول للعمل ويكون أول عمله استرسالا لفكره )) .
ولعمرى فان هذا الترابط الوثيق بين الفكر والعمل لنجده عند محمد مزالى بين الفكر الذى ينقل الافكار والثقافة وسن العمل على نهضة تونس منذ شبابه .
كما تبرز هذه العلاقة عمق عمل محمد مزالى المرتكز على جذور الثقافة العربية الاسلامية وكذلك آفاق فكره الذى لا يمكن حصره فى حدود ضيقة بل يصل بين الثقافة وكافة طاقات الفكر البشرى فيكون منطلقا لعمل فى حجم الهدف الذى يرمى اليه محمد مزالى ألا وهو تطوير الشخصية التونسية .
فقد علمنا محمد مزالى بتفتحه الذهنى وعمق تفكيره ونضاله أن الرهان على الذاتية لا يعنى الانغلاق تجاه الحضارات الاخرى . بل وبالعكس يستطيع الانسان بفضل قوة شخصيته وثقته فى الطبيعة البشرية الاخذ بالمعرفة الشاملة دون ان يتوه فى سراديبهما . وخلاصة القول : ان محمد مزالى علمنا كيف نكون تونسيين أصيليين .
لقد كانت مجلة (( الفكر )) ولا تزال أداة ممتازة للحفاظ على تلك الشخصية التونسية والدفاع عنها طيلة ثلاثين سنة من بث الثقافة واشعاع الفكر .
وتشكل هذه المجلة بالنسبة لرجل مثلى يعيش فى المهجر ويتصدى دوما لمخاطر ضياع شخصيته حتى لا يسهو أو ينسى جذوره وأصالته تشكل مصدر إلهام ودعم . ولقد أعطتنى تعاليم محمد مزالى كمرب منذ طفولتى ، وكرجل عمل وتفكير منذ توليه أمور السياسة أعطتنى ايمانا صلبا وثقة عالية فى تجذرى العربى الاسلامى وفخرا كبيرا بانتمائى العربى الاسلامى .
لقد عاشت مجلة (( الفكر )) ثلاثين سنة خلافا لتوقعات ومخاوف الكثيرين لان باعثها كان عزم على ذلك كما يقول . وأنا اليوم استشهد بذلك لأقول لا بخصوص مجلة (( الفكر )) فحسب بل حول عمل مؤسسها : (( هذا العمل سيحيا لما له من نفس طويل )) . وأتمنى أن تكون مجلة (( الفكر )) بالنسبة لشباب الغد كما كانت بالنسبة لجيلنا عنصرا هاما فى تغذية حبنا لجذورنا .
فكل بلاد لا اخلاق لها ولا ثقافة ولا جذور مآلها التدهور والاضمحلال مهما كانت قوتها المادية .

