قصة من وحي الواقع ، مهداة الى الذين يتحدثون عن باريس "
22 أفريل 1971 يوم خميس عادى فى باريس : السماء تنزف قيحا وصديدا ، ، والشوارع تموح فحشا وشراسة ، ونوايا قاتمة . على الجدران نسوة يعرضن آخر موضات القلاصين والدانتيل ، يعطين بسمة السوق ، يتلقين لشهوة عابر فوق مواطن الفتنة أضيفت رسوم الجنس أو عبارات التحدى والمعارضة . وعلى الجدران نفسها صور من شواطئ المغرب العربى ساعة الغروب ولا عربي ! الحديقة ضيقة لا أثر فيها لعشب يمنع المشى فوقه . اربع شجرات عتيقة يجرى بينها أطفال صرخوا صرخات القانقستير بفرنسية الدخلاء المهاجرين
على المقعد المجاور شاب بادى السمرة شدت ساعده الى عنقه برباط . كان يحتضن مذياعا يدير زره يمنة ويسرة كأنه يبحث فيه عن صوت ألفه ، ثم يضعه متأففا : أغنية فاشهار . فاشهار فاشهار فأغنية ثم حصة الاخبار :
نبدأ - أيها المستمع - بما يهم الباريسيين : توقفت حركة المرور فى الطريق الجنوبية التى سدها سائقو الشحن الثقيل . كذلك ننصح باجتناب الطريق القومية عدد 7 . فقد تسبب عامل أجنبي فى اصطدام عنيف ذهب ضحيته السيد أندرى لافارق القاطن بفرساى
على هامش البترول ، جاب حوالى ألف متظاهر شارع الشنزيليزى منددين بعجز الحكومة عن اتخاذ موقف مشرف . على اللافتات : فرنسا للفرنسيين - طاردوا الجزائريين - باريس ليست مزبلة الاجانب .
من الحوادث الاجتماعية : عامل جزائرى يقتل بسكينه رفيقا له من أجل امرأة مجهولة الاصل . الحادث عادى والبوليس لم يتدخل
تكون السماء هذه الليلة
نهض الشاب يتخطى فى الشارع فناداه الحاج رحاله يطلب فرنكا فسيجارة . " والو ! اليد معلقة منذ شهر وصاحبها رفضه المعمل ثم لم يتحمل الضمان الاجتماعى الانفاق عليه لا ولا مداواته لان وضعه فى العمل غير قانوني . استرخى الحاج رحاله على المسند البارد بقعه سللح الحمام وأطبق جفنين كبابي حديد . انه جائع جائع لا يكاد يبصر . كان مشى كامل الصباح يتنقل من معمل الى مغازة فالى مقهى ثم يستوقف المارة . ما اسخف الناس اذا اتحد جوابهم لا شغل . عليك ببو مدين
أى ملجأ اذا - والحال هذه - غير الماضى ؟ انه يذكر كيف تولدت فى ذهنه الاسطورة . كان كأهله متعلقا بالارض يستنشد السماء - يربط الامل بينه وبين الاشياء . كان سعيدا شقاء التربة لا يقارن بينه وبين من لا يعرف الى ان وردت عليه رسالة ابن عمه تحمل اليه معادلة جديدة : أنت يا حاج مجروم جاهل متخلف بالنسبة لمن يعيش هنا فى باريس . بع شياهك أو استعر ثم أبحر . الشغل وافر والدراهم تجمع " بالبالة " جمعا . تستطيع أن تأكل ببعضها وتسكن وتلبس وتتمتع بمتع أخرى وأن تدخر ما يتبقى لك ولاهلك . تعال اليوم قبل الغد . يومها قامر فى الموازنة بين وضعين موازنة هى أصل النهم الحديث ، فتغيرت في ذهنه نسبة الفقر الى الثراء ولم يعد بد إلى تحمل البقاء . باع أغلي ما يملك وتهيأ لحياة باريس تهيؤا كاملا : عرى الهامة وارتدى " الطويل " . ثم ودع الاقارب واعدا كل ذى طلب طلبه
لم تنزل به الذكرى بعد من الباخرة عندما أحس بثقل يطأ المقعد ثم يسمع ما يقول شاب فرنسى تخنث صوته لآخر
- الجو هناك فى غاية الانس - تعنى فى معهد الفنون الجميلة ، نهج بونابارت ؟
- بالضبط . الاسم ايضا معبر : : " جبهة اللواطيين للحركة الثورية " . على كل اذا أردت أن تزور النادى فهو مفتوح للعموم كل يوم خميس بين السادسة والثامنة مساء . . المشكل العسير هو أن غير الطلبة يخشى دخول الكلية . وقد وجهنا نداء الى العمال فى جريدة " تو التى يديرها سارتر ليلتحقوا بنا .
- فكرة طيبة . لا تنسوا العرب عموما والجزائريين خصوصا . - طبعا . هذا رأى الكثيرين . أتعرف الكاتب الشهير جان جيناى ) يضحك ( " لو لم أنم فى سرير واحد مع جزائريين لما كان لى أن أناصر جبهة
التحرير الوطنية . . لعلنى كنت الى جانبهم ولكن نزعتى الجنسية هى التى جعلتني أدرك أن الجزائريين كغيرهم من الرجال "
- ( هامسا ( : قد يكون هذا النائم جزائريا .
فتح الحاج رحاله عينيه وثيدا والتفت يمنة يصوب اليهما نظرة مركزة تثقب الرصاص . جمدا فعاد الى وضعه يتمتم كالحالم :
سجل يا رحالة سجل . . . الدراهم تجمع " بالبالة "
ثم ينتفض كالملسوع يشد قرب العنق قميص من حاذاه ويرجه رجا عنيفا وهو يصرخ بكل ما تبقى له من ضعف :
- أهذه حضارتك يالقيط ؟ أمن أجل هذا قطعنا البحار يا أشباه الرجال انهض . أغرب عن وجهى والا هدمت منخريك
تصل الباخرة الى مرسيليا تحمل فى القسم الرابع أطنانا من الامل يشحن بعضها الى باريس . كلما صفر القطار تزايدت دقات القلب . يا لها من منشآت على الطريق . لابد أن تشتكى فرنسا قلة اليد العاملة
- كتب لى ابن عمى ان الدراهم تجمع " بالبالة " . - لم يكذب . لقد غادر أخي قريتنا بالجنوب التونسى منذ خمس سنين كل صيف يعود بكسوة جديدة وحذاء جديد و " كرفاش " جديد وهدايا لاهل الدار وغير ذلك مما نسيت
- لو لم يكن فى هجرتنا خير ما تركتنا الحكومة نغادر البلاد - أكيد .
محطة ليون بباريس والساعة السابعة صباحا . لا وجه يعرف . ترقب ثم قضى نصف يومه فى السؤال عن ايفرى . كل يؤكد بعدها ويذكر الميترو الميترو ؟ أنا فوق الارض ولا أرى فكيف بي تحتها استوقف تاكسى فانطلقت به بين عجائب التمدن والعمران لتتوقف به بعد نصف ساعة حذو عمارة أمامها شيوخ يلعبون بكويرات من حديد . على واجهتها صورت بالقزدير اللآمع فتاة مجنحة وطيور ، وفوق بابها ثلاث كلمات نحاسية : حرية - مساواة - تآخ
- كم يلزمك ؟ - خمسة وعشرون فرنكا جديدا .
ناول السائق ما يملك ليفرز ما طلب . وقد تفطن بعد ذلك الى انه أخذ منه مائتين وخمسين فرنكا جديدا . لعله أخطأ ! ذاك أهون من الخيبة وسوء الظن
ويعود ابن عمه مساء فيعانقه طويلا ويستفسران الحال . كل بخير كما يسمع ويرى : طول الغرفه ثلاثة امتار وعرضها متران . على يمين الداخل سريران علا الواحد الاخر ، وعلى يساره كذلك . بين الصفين فراش خامس وضع أرضا يبدو وكانه لعابر أقام . حذو الباب اوانى الطبخ ولا أثر لماء . فوق الاسرة حبل يجمع بين جدارين شدت اليه ثياب مبللة . ما أجمل الصور الملصقة القصبة ، تورايفيل ، مسجد قربه نخلة ، بريجبت باردو ، العائلة ، مشاهد من أفلام العنف
ثم كانت جلسات واستشارات لاختيار العمل والمعمل . واستحال الاختيار بعد أيام الى بحث فردى ملحاح عن شغل وقتى يسدد منه الاجر ما أنفق جماعة الغرفه على الزائر . ثلاثة أشهر طوال طوال لا يستلذ فيها غير أغنيات الحنين كتلك التى يسمعها كل المهاجرين :
" عييت ، مليت . من الغربه بركاني " " يا ناس ماذا قاسيت وقوات على محانى
مهما ينسى لن ينسى ذاك البدين الذى جاء يسأله عملا فدفع به خارج الباب يتعثر وآخرون يضحكون خلفه . لقد هدده بالضرب والحبس ان هو عاد وقال له فيما قال :
- تتذكر يا هلوف عام 62 . افتخرتم بطردنا . أليس كذا ؟ واليوم تمدون الينا أيدى المسكنة والتسول . والبترول ؟ تقولون انكم أغنياء بالبترول . ارجع اذا لمحمد ابن لست أدرى من يجد لك شغلا وتبق مع فاطمة .
وينفض الحاج رحالة رأسه ويفرك عينيه فاذا الاطفال لا يزالون يلعبون : بم - بم .. قتلتك . لا . قتلتك . لا . . . على عينية غشاوة وركبتاه ترتجفان . من السخف أن يموت جوعا فى بلد استضافة تاريخه ، نادته شهرته ليحاول . تحامل على نفسه يجر قدميه جرا فوق الجسر العريض الواصل بين الحديقة والحى الصناعى بايفرى . على يساره عند مقطع الطرق يمتد مستقيما نهج موليير . كان تعرف فى المدرسة على شعراء وأبطال فرنسيين ولكن اسم موليير لا يوحى اليه بشئ . في نهاية النهج تقابل جناحا معمل كبير يتصاعد منه الدخان فى السماء كثيفا . يالها من عظمة . قد لا تخلو هذه العظمة من نزعة الرفق والخير . تمشى وليست فى الذهن أية خطة . مجرد أمل فى سد
الرمق . مر بعجوز أمام باب دارها ثم بأخرى تسقي زهرا فبشيخ يقود كلبا . نفس النظرة شكلا واصطلاحا .
على اليمين باب حديدى بين شجيرات خط بجانبه باللون الاحمر : " مصنع كوبلاى وراءه عربات شحن فارغة . وعلى بعد عشرين مترا مخزن واسع لا يبدو ما في جوفه مليا وقرب المدخل اليه رجال يدفعون عربات صغيرة فى اتجاهين متعاكسين . إنهم ينقلون حليبا او مشتقات حبيب . ما احوج بطنه الى شربة حليب ينتعش بها ويستفيق . توقف طويلا يتأمل ، يتخيل ، يتردد . ثم تجاوز العتبية يعبر الساحة . كان أول من صادفه شاب أسمر الجبهه يتصبب عرقا . يا للصدفة : كل الذين يدفعون سمر
- لوجه الله . أخوك جائع . - اليوغرت محسوب وأخاف الطرد . لكن ترقب
وفى حين أدير الشاب أطل من الداخل رجل عظيم الجثة فى هيئه المسؤول الاكبر يحمل أوراقا وبين أسنانه غليون
- ماذا تفعل ؟ - لاطعام ولا شغل . أريد علبة واحدة من اليوغرت . ارجوك
- ليس هذا مكان الصدقة . ثانية وأخبر البوليس .أفهمت ؛ انصرف .
انعكس الحاج رحالة دون اجابة أو اشارة فليس له من القوة ما يسترجع به جزءا لا يتجزأ مما كان قد سلب خلال مائة واثنين وثلاثين سنه . . فى منتصف الشارع صندوق فى مزيلة . انحني عليه يقلب ما حوى فاذا فيه ما فى قلوب أرباب المصانع ، جلس على الرصف رأسه ملقي على ركبتيه ثم فكر : لم لا أعود ؟ فاما أن أحد ابن البلد من جديد واما أن أسرق يوغرته بايه حال من الاحوال و لا فرض أنهم أدركوني . سوف لا أحبس من أجل يوغرته . سأكون اشتريتها بمكاسبي وغربتى وبطالتى . ثم اذا كان بعض الناس أشرارا ، فالقانون على ما يحكم متفهم عادل . كم من بنك أو مغازة سرقت وكم من طفل وقع اختطافه هذه الأيام ! والمظاهرات فى الشارع تلعن البوليس علنا وتسبه ؟ كل هذا القانون متسامح يحاول أن يجد الاسباب ويعتبر ظروف القضايا . وبعد هذا فلن تفلس الشركة باتلاف علبة من اليوغرت . .
كل افتراضاته مشجعة ومن الجبن أن يحجم هذه المرة . تقدم كمن اكتسب
حقا حديدا مشروعا . وقبل أن يتخطى باب المخزن أبصره من نافذة مكتبه ذاك الذى كان أطرده قبل حين ، فرفع سماعة هاتفه وكون مرتعش الاعصاب رقما :
- آلو ، البوليس ؟ هنا مصنع " كوبلاى " نهج موليير . ثمة متسكع عربي لعله جزائرى ، عليه سمة الاجرام ويحاول أن يسرق
وعندما جاء مساعده يحول بين رحاله واليوغرت كان رحالة قد تمكن من علبة يفتحها متأخرا خطوات . سابقه المساعد وتمسك بتلابيبه . ثم كان بينهما شجار لم يدافع فيه رحالة عن نفسه بقدر ما دافع عن اليوغرته . وفي اللحظة التى أخرج فيها رحالة من جيبه سكينا صدئت شفرتها ليرهب بها خصمه دوت صفارة الخطر تنهب الشارع . إذ ذاك انسل رحالة داخل المصنع يعبر ممرا ملتويا أفضى به الى ساحة كالقفص عالية الجدران . لم يعد بد الى الفرار أو المقاومة . حل واحد : الاستسلام الى تفهم القانون . أرجع السكين الى جيبه واسترخت يسراه فسال اليوغرت على سرواله وحذائه . كان وقع الاقدام يتجاوب صداه فى كل الجهات يطرد الجوع ، يملأ القلب رعبا
عجيب ! المشهد واقع مادى أبعد ما يكون عن التوهم : لقد لفظت الابواب رجالا فى زى أزرق داكن حملوا سلاحا مختلفا . لا فائدة فى الاسراع ، فالطريد واقف لا يتحرك . تقدموا نحوه فى شكل نصف دائرة يفحصونه بالنظر لكأن فى كل عضو من أعضائه سكينا مسددة توشك أن تنساب . تقول الصحف والاذاعة ويقول الناس : الجزائرى سكين . التصور اذا من حق البوليس فى تصوره ارضاء الرأى العام ، وتلك أقصى غاياته .
توقف الاعوان وتصدر القائد . لا كلمة . صوب المسدس نحو القلب الخافق وعلى الزند سبابة متوترة :
- لا . لا ٠٠ لا تفعلوا هذا . . . لستم مجانين . أخذت يوغرته لا غير . خذونى معكم
- جنس وسخ ! خذ . هاك يوغرته أخرى
ما أسرع الرصاصة وما امضي شهيتها للحم ! تهاوى الحاج رحاله فى رمضانة عين وتدحرحت علبة البوغرت غير بعيد عن فلمه . تجمعت كفاه على صدره تفر كان ألما حضر يا متحضرا جديدا . عند الشدة لا يجد الانسان غير لغته الام بلهجة الارض والشيح القروى ترك الحادى الطريح الى أمه مطلع المرثية :
- رب لقد نسيت . . نسيت أنى غريب
تقدم القائد خطوة " يتفهم " القول ، فاذا هو لم يخطئ الفهم - اسمعوه . انه يسبنا ولاشك
- لغتهم كلها سب - تكلم بالفرنسية يا قذر .
ولكن للموت ثقة فى النائحات . تقلب رحاله ومرت يمناه ثقيلة على جيبه . فتعالى الضجيج دفعة واحدة : السكين . انتبه ! سيأخذ السكين . . .
- أتركوه . أنا أسرع منه وأمهر
تلق زد هذه وهده ثم هذه ان أردت
عد المطلون من النوافذ خمس رصاصات نفذت الى الصدر . ثمر رأوا بالة تهوى على الرأس الهامد ضربا متواليا . وعندما كانت جثة رحالة فى الطريق الى " سجن الصحة ! " بباريس ، كان دمه بالساحة يجمع " بالبالة " ٠٠ . .
