الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "الفكر"

ثم المسألة اليهودية إلي المسألة الاسرائيلية، من المسألة البحوث

Share

ظهرت منذ مطلع هذا القرن عدة نظريات صهيونية لتعيين حدود اسرائيل نجملها فيما يلى : 1) النظرية التاريخية : تعتمدا على فكرة دينية غيبية حول  حقوق اليهود التاريخية  فى منطقة الشرق الاوسط . وتنادى بأن تكون اسرائيل  من الفرات الى النيل  . رغم أن هذا التصور عن حدود اسرائيل قد يبدو حلما احيانا فانه لم يظهر بعد ما يثبت بشكل قاطع أن الاسرائيليين لا يطمحون للوصول إلى مثل تلك السعة فى الارتكاز على الارض الواقعة شرقي وجنوبى البحر الأبيض المتوسط . واذا كانت هذه النظرية لم تنجح فى بسط اجنحتها فى سماء الواقع بعد فان ذلك يعود قبل كل شئ الى عدم تمكن اسرائيل من نوفير القدرة العسكرية الكافية للوصول الى تلك الحدود . ولا شك ان الاسرائيليين ما زالوا يبنون تلك القدرة التى يشكل العنصر البشرى عمودها الفقرى . والعنصر البشرى مصدره الهجرة اليهودية التى يتبعها الاستيطان اليهودى فى الاراضى المحتلة .

2 ) النظرية السياسية : تحاول هذه النظرية ان توفق بصورة تبدو للمراقب الخارجي وكأنها انسانية بين حقوق اليهود فى أن يكون لهم دولة وبين ضرورة أن لا يفقد الفلسطينيون وطنهم بصورة مطلقة . وعلى هذا الاساس ظهر قرار التقسيم المعروف وأعطى لليهود شريطا من الاراضى لا يكفي بحال من الاحوال الاستيعاب اليهود كاملا . الا انه مع ذلك يشبع النزعة الروحية فى الحركة الصهيونية فى ان يكون لليهودى المضطهد  توجه سياسي عندما يكون ذلك ضروريا . وسقطت هذه النظرية بدورها لعدة أسباب أهمها نجاح اسرائيل فى توفير قدرة عسكرية لاسقاطها

وأصبحت حدود التقسيم نتيجة ذلك بعيدة عن اطراف التواجد الاسرائيلى الحالي .

3 ) نظرية الامر الواقع : بين الحدود التى لا يمكن تحقيقها والحدود التي  يمكن تجاوزها نشات حدود جديدة فرضتها الحروب المتوالية التى سادت المنطقة . ففي عام 1948 احتلت اسرائيل ارضا تزيد على ما نص عليه قرا التقسيم . وفي عام 1956 احتلت صحراء سيناء ورغم انها انسحبت منها فقد تشبثت بشريط من الارض مكنها من الملاحة فى البحر الأحمر بحرية . وفي عام 1967 احتلت مزيدا من الارض العربية ، وتغيرت مساحة الارتكاز الاسرائيلي العسكرى مرة اخرى فى حرب 1973 وما تبعها من اتفاقات عسكرية للفصل بين القوات المتحاربة . ثم كانت حرب لبنان الاخيرة التى اجتاح فيها الاسرائيليون هذا البلد العربي واحتلوا عاصمتة بعد خروج المقاتلين الفلسطينيين منها . وفي غمرة محاولات الحلول السياسية اخذت نظرية الامر الواقع وجهين رئيسيين عبرت عنهما جولدا ما يير رئيسة وزراء اسرائيل السابقة فى مناسبتين مختلفتين . الوجه الاول يقول : ان الحدود حيث يقف الجنود . والوجه الثاني يقول : ان الحدود حيث يسكن اليهود .

فى 10 افريل 1948 ، زار جاك دى رائنير ممثل الصليب الاحمر بالقدس قرية دير ياسين العربية الصغيرة القريبة من المدينة المقدسة . فاكتشف فى هذه الزيارة وفي ثلاث زيارات لاحقة خلال اليومين التاليين جثث مائتين وأربعة وخمسين رجلا وامرأة وطفلا من المدنيين ملقاة فى آبار القرية أو مبعثرة على مقربة منها . وكان بين الباقين من أهل القرية اربعون طفلا يتيما اخذتهم امراة يهودية غير صهيونية الى بيت أناسبافورد للاطفال فى القدس وكانت المسؤولة عنه . حين اقتربت من أحد الاطفال صرخ قائلا : " انها واحدة منهم . وأصابته نوبة قلبية طرحته أرضا ومات على اثرها . ارسل بن غوريون برقية الى الملك عبد الله يعرب فيها عن أسفه على ما حدث فى دير ياسين ، فأغضب بذلك كثيرا ميناحيم بيجن الذي كان يعتبر المجزرة نصرا لولاه لما تأسست الدولة اليهودية . لا ريب أن دير ياسين - هيروشيما المصغرة ، كما يقول مؤرخ بريطاني - ساعدت على تحقيق المراحل الاولي من برنامج جابوتنسكى . فقد كتب تلميذه بيغن قائلا :لقد بدأ العرب يفرون صائحين : دير ياسين  اما العرب فلم يصغوا الى الهيئة العربية

العليا التى طلبت منهم البقاء في أماكنهم ، فهرعوا غير مسلحين ودون قيادة فعالة الى الطرق التى تؤدى بهم الى خارج منطقة القتال . وقبل ان ترسل الدول العربية جنديا واحدا للدفاع عنهم كان اربعمائة الف منهم قد هربوا من بيوتهم . ان وجود أكثرية عربية كان دوما عقبة فى سبيل دوله يهودية . وقد وصف حاييم وايزمن الذى انتخب أول رئيس لاسرائيل الامر الواقع بأنه واخلاء معجز للارض وتسهيل معجز لمهمة اسرائيل .

ارتكزت السياسية الاسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني بعد حرب 1948 على مبدأين أساسين ، استطاعت اسرائيل تبنيهما بحكم الواقع السياسي فى ذلك الوقت . أولهما التنصل من مسؤوليتها تجاه ايجاد حل ملائم لمشكلة اللاحثين الفسطنين زاعمة انها غير مسؤولة عن قضية طردهم من البلد وانهم تركوه بمحض ارادتهم رغم ثبوت عدم صحة هذا الادعاء فيما بعد . ولذلك تمثل الموقف الاسرائيل من قضية اللاجئين بوجوب استيعابهم داخل الدول العربية التى لحأوا اليها  خصوصا وانها تملك الاراضى الشاسعة والموارد  ، وبالتالى ، فان قضيتهم هي محض انسانية وينبغى تسويتها فى هذا النطاق .

أما الاساس الثاني الذي ارتكزت عليه السياسة الاسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني فهو التنكر لحقوقهم السياسية والقومية فى ارض فلسطين . ويلاحظ أن هذا هو احد المواقف الاستراتيجية الهامة في السياسة الاسرائيلية تجاه الفلسطينيين حتى الآن والذي يحظى بموافقة مختلف الكتل السياسية الكبيرة فى اسرائيل . فالتنكر للحقوق قائم بفعل التناقض بين الاطماع الصهيونية فى فلسطين وبين الاهداف القومية الطبيعية لحركة التحرر الفلسطينية .

لقد حاولت اسرائيل فرض سياستها هذه على الفلسطينيين على صعيدين رئيسيين : أولهما الصعيد العربى ، وذلك بواسطة تحييد الدول العربية وحملها على توقيع اتفاقات سلام معها . فبعد اقامتها بفترة قصيرة فى سنة 1949 تمكنت اسرائيل من حمل الدول العربية على توقيع اتفاقات الهدنة معها أملا أن تكون هذه الاتفاقات مقدمة لمعاهدات سلام شاملة فى المستقبل اما الثاني فهو الصعيد الدولى . وقد عملت اسرائيل داخل الأمم المتحدة وفي علاقاتها الدولية على طمس القضية الفلسطينية بتحويلها الى قضية لاجئين ينبغي توطينهم فى الدول العربية كما ذكرنا . وقد ساعدها المناخ الدولى والتفكك العربي وغياب كيان فلسطيني وزعامة فلسطينية فى ذلك الوقت أى خلال السنوات الاولى بعد قيامها على تحقيق هذا الهدف جزئيا . ومع ان

اسرائيل استطاعت في تلك الفترة دفع القضية الفلسطينية عن المسرح الدولى وتحويلها الى قضية لاجئين ، فانها لم تتمكن بالمقابل من تطوير اتفاقات الهدنة والالتفاف حول الفلسطينيين عن طريق تجاهلهم وحل مشاكلها مع العالم العربى بواسطة  المفاوضات المباشرة  . وقد بقى هذا الوضع قائما حتى بداية تجدد انبعاث الكيان الفلسطيني مع قيام منظمة التحرير الفلسطينية فى أواسط سنة 1964 ثم انطلاقة الكفاح المسلح لحركة فتح بعد أشهر من ذلك في مطلع سنة 1965  (16) .

لعله من المفيد أن نتذكر دائما أن قرار التقسيم الذى أصدرته الجمعية العامة للامم المتحدة في 29 نوفمبر 1947 لم يكن يرضى حقيقة مطامح الصهاينة ومع ذلك فقد قبلته القيادة الصهيونية معتبرة اياه بمثابة انتصار لجهودها المتواصلة منذ مؤتمر بلتيور المنعقد في ماي 1942 من أجل اقامة دولة يهودية . وقد رفض الفلسطينيون والدول العربية قرار التقسيم بصورة مطلقة معلنين عدم موافقتهم على تقسيم فلسطين وعن تمسكهم باقامة دولة عربية مستقلة بعد انتهاء الانتداب . وفي الوقت الذى كان اليهود فيه يرقصون ويهللون فى تل ابيب ، كانت المظاهرات والاضرابات تجتاح فلسطين والمدن العربية الكبرى فى مصر وسوريا ولبنان وشرقي الاردن . وبينما كان المفتى الحاج امين الحسيني يدعو العرب الى نصرة الفلسطينيين ومساعدتهم ، كان ممثلو الدول العربية الذين اجتمعوا فى القاهرة يوم 8ديسمبر 1947 يتخذون القرارات العسكرية والسياسية  المناسبة  لافشال قرار التقسيم و اللازمة للعمل على أن تكون فلسطين عربية مستقلة موحدة  ( 17 ) وفى هذا الاجتماع تم ايضا تحديد كميات الاسلحة وعدد المتطوعين من الدول العربية الواجب ارسالها الى فلسطين . وتم كذلك تعيين اللواء اسماعيل صفوت من العراق قائدا اعلى للقوات المحاربة المؤلفة من الفلسطينيين والمتطوعين العرب الذين كانوا يشكلون جيش الانقاذ بقيادة فوزي القوقجى .

صحيح ان الصهاينة راهنوا في تنفيذ مشروعهم على حلفائهم الغربيين . وهؤلاء لم يخيبوهم طبعا . ولكنهم راهنوا أيضا على التفكك العربى والثغرات التى بدأت تظهر فى الصف العربي رغم مظاهر وحدة الكلمة ، وبالتالى على

الانكاسات السلسلية التى كان يمكن ان تحدثها هذه الثغرات على قدرة الصيون الفلسطيني فيما بعد . فالملك عبد الله الذى كان يسعى مند ظهور فكرة تقسيم فلسطين سنة 1937 الى توسيع منطقة نفوذه وبسطها على اجزاء من فلسطين ، ان لم يكن عليها كلها ، رأى أن الظروف السياسية التى اتحدث اثر صدور قرار التقسيم مؤاتية لتنفيذ مشروعه هذا ، بمسابدة وبطانيا ، باعتباره أحد حلفائها فى المنطقة . وعمليا كان الملك عبد الله يسعى حد قبوله لقرار التقسيم وموافقته على قيام الدولة اليهودية نحو الوصول الى اتفاق مع اليهود بشرط ان يتم ضم الجزء المخصص للدولة العربية فى القرار إلى مملكته . وتنفيذا لمشروعه هذا ، بدأ الملك اتصالاته السرية مع الزعماء الصهيونيين حتى قبل صدور قرار التقسيم بنحو أسبوعين حيث التقى بمندوبة الدائرة السياسية فى الوكالة اليهودية جولدا ماريسون مايير في مستعمرة نهرايم فى فلسطين بحضور الياهو ساسون وعزرا دانين وهما من المستعربين العاميلن فى تلك الدائرة . وفي هذا اللقاء اعرب الملك عن رغبته فى ضم الجزء المخصص للعرب  من فلسطين  فى مشروع التقسيم ، وفي اقامة علاقات صداقة وسلام مع الدولة اليهودية . وقد استخف بشدة بمقدرة باقى الدول العربية ، ولم يعلق اية أهمية على تهديداتها . مقابل ذلك كان واثقا من قدرة الجيش الاردني ومن تأييد البريطانيين السياسي له  .  18  وقد كان مشروع الملك عبد الله هذا لأحد العوامل الهامة في فشل المخطط العسكرى الذى وضعته الجيوش العربيه قبيل تدخلها فى فلسطين فى حرب 1948 ، وفي احباط الهدف السياسي لهذا التدخل . وذلك بسبب عدم التعاون الذي أظهره الجيش الاردني أقوى الحيوش العربية وأكثرها تدريبا وتسليحا فى ذلك الحين . ففي بداية شهر ماي 1948 ، رفض الملك عبد الله اشراك الجيش الاردني في الخطة الإستراتيجية التى وضعها رؤساء أركان الجيوش العربية فى دمشق بخصوص التدخل في فلسطين وفضل توجيه جيشه الى المركز الجبلى المأهول بالعرب بهدف السيطرة على المناطق المخصصة للدولة الفلسطينية بموجب قرار التقسيم ومنع الفلسطينيين من تنظيم انفسهم سياسيا ليسهل ضمهم الى مملكته فيما بعد .

لقد اثر قرار منع الاستقلال السياسي للفلسطينيين الذى اتخذه وباشر

تنفيذه الملك عبد الله بتأييد من الحكومة العراقية التى كانت تسعى الى اقامة اتحاد سياسي لدول الهلال الخصيب يشمل العراق وسوريا ولبنان وفلسطين وشرق الاردن على الموقف العربى من الفلسطينيين فى الجامعة العربية 19 خصوصا بعد صدور قرار التقسيم . فقد قوى مسار التدخل فى شؤون فلسطين وهو المسار الذي بدأ على أية حال منذ جوان 1946 أثناء انعقاد مجلس الجامعة العربية فى بلودان بسوريا واقراره انشاء  لجنة دائمة للاهتمام بمشكلة فلسطين تتمثل فيها جميع الدول العربية وتعيينه هيئة عربية عليا لسكان فلسطين بقيادة الحاج أمين الحسيني . وبات واضحا خلال تلك الفترة ، أى بعد صدور قرار التقسيم ، أن الفلسطينيين لم يعودوا وحدهم اصحاب القرار فيما يتعلق بمستقبلهم السياسي وحتى فى نضالهم العسكرى وان ما يجرى فعلا هو مصادرة هذا القرار كليا لحساب مصالح بعض الدول العربية خصوصا القوية منها . وتمثل هذا الامر فيما يتعلق بالوضع فى فلسطين بالقرارات التى كانت تصدر عن الجامعة العربية فى اجتماعاتها المتلاحقة . وكان من أهم هذه القرارات تلك التى اتخذت فى اجتماعات رؤساء الدول العربية التى عقدت في القاهرة بين 8 و 17 ديسمبر 1947 ، المذكورة سابقا والتي نصت على تشكيل جيش من المتطوعين خاضع لسلطة الجامعة العربية . وتلا هذه القرارات قرارات مجلس الجامعه العربية الذي عقد اجتماعاته فى القاهرة ما بين 7 و 16 فيفري 1948 المتعلقة باعادة تنظيم القيادة العليا للقوات المحاربة فى فلسطين وباقرار مبدأ تدخل الجيوش العربية فى هذه الحرب . وأخيرا قرارات اللجنة السياسية التابعة للجامعة العربية التى اتخذت فى 12 أفريل 1948 المتعلقة بدخول الجيوش العربية النظامية الى فلسطين حال انتهاء الانتداب البريطانى فى 15 ماي 1948 .

وهنا لا بد أن نتساءل عن موقف الفلسطينيين أنفسهم خلال هذه المرحلة . هل كانوا موافقين على جميع هذه القرارات ام انهم كانوا منجرين وراء السياسة العربية رغما عنهم ؟

كانت هنالك تناقضات عديدة بين ادارة الفئة العربية العليا لفلسطين بقيادة الحاج امين الحسيني وبين مضمون قرارات الجامعة العربية ، خصوصا

وانها لم تخصص الدور الملائم للمقاتلين الفلسطينيين فى خطه العمل العسكرية التى أقرها رؤساء الاركان العرب فيما بعد . فالمفتي فان يسعى لاقامة دولة فلسطينية مستقلة، لذلك رأي أن الدفاع عن فلسطين قضية تخص سكانها . وكان يرغب فى اقامة قوة عسكرية كبيرة من الفلسيصينين بمساعدة الجامعة العربية ودولها ولم ييمانع فى انضمام متطوعين اليها من باقي الدول العربية شريطة ان يقتصر دورهم على مساعدة سكان فلسطين. ورأي انه من الطبيعي أن يتسلم هو ورفاقة قيادة الحرب وادارة السياسية الكبيرة في فلسطين بصفته وإياهم زعماء البلد والممثلين الوحيدين لسكانها. الاقل من هذا الموقف تقدمت الهيئة العربية العليا الى مجلس الجامعة العربية خلال اجتماعاته التى عقدها فى شباط  فيفري  1948 بجمله اقتراحات عات تعيين مندوب لعرب فلسطين فى القيادة العامة للاهتمام بالقضايا السياسية والمدنية للفلسطينيين وعلى تشكيل حكومة فلسطينية مؤقته نأخذ بها عاتقها مسؤولية الاهتمام بالوضع فى فلسطين حال رحيل الجيش البريطاني ، أو حتى قبل ذلك ، وتسليم مسؤولية ادارة المناطق التى يخليها الجنين إلى لجان قومية محلية . كذلك طلبت الهيئة الحصول على قرض لتمويل نشاط المؤسسات الادارية ودفع تعويضات لمتضررى الحرب . الا ان ضعف القيادة الفلسطينية خلال تلك الفترة حال دون تبدل هذه المقترحات . فقد رفضيت جميعها جملة وتفصيلا بحجا ان الوقت لم يحن لتحقيق ذلك ، الام الذي يثبت مدى الصعوبات التى كانت تعترض طريق الفلسطينيين وهي الصعوبات التى أدت الى انهيار الجبهة العربية فى فلسطين خلال الحرب أمام هجمات القوات الصهيونية حتى قبل دخول الجيوش العربية الى فلسطين فى منتصف ماي 1948 .

وقد اودادت هذه الصعوبات شدة بسبب الموقف المتحيز والمائع الذي اتخذته بريطانيا قبيل رحيلها عن فلسطين . فانسحاب القوات البريطانية التدريجى الذي بدأ بعد صدور قرار التقسيم وانتهى كليا فى منتصف ماى 1948 ، لم يكن يعنى انتهاء تدخلها كليا فى فلسطين او تنازلها عن نفوذها هناك . فقد أعدت بريطانيا نفسها لمواجهة واقع انسحابها هذا بواسطة تقوية الركن الدولي والعربي والداخلي لحاكم شرقي الاردن الامير عبد الله ، واعداده اسم السلطة السياسية المعترف بها علي جميع المناطق الفلسطينية . ففي شهر مارس 1946 منحت بريطانيا استقلالا رسميا لشرقي الاردن وحولت الامير الى ملك وربطت نفسها معه باتفاق افضلية بريطانيا وفق انموذج الاتفاقات السابقة التى كانت عقدتها مع كل من مصر والعراق ، الامر الذي

مكنها من المحافظة على حقوقها فى هذا البلد كما كانت ايام الانتداب . لذلك بعد صدور قرار التقسيم ووضوح النية العربية فى التدخل فى الحرب قررت بريطانيا مساعدة الملك عبد الله فى السيطرة على اكبر مساحة ممكنة من فلسطين وضمها اليه . كي تسرى عليها بنود معاهدة الدفاع القائمة بين الطرفين . أى عودة القواعد البريطانية إلى فلسطين من باب شرقي الاردن بشروط أسهل ويفاعلية اكبر . ومن هنا ، فان الموقف البريطانى كان ايضا واضحا فى عدم تمكين سكان فلسطين العرب من الحصول على الاستقلال السياسي وفق مضمون قرار التقسيم . وقد استغلت اسرائيل هذا الموقف البريطانى لتحييد الجانب الاردني أو لكسبه ، وبالتالي لاختراق الجبهة العربية الموحدة ضدها . وهذا ما حدث فعلا خلال الحرب بواسطة خروج الجيش الاردني عن الخطة الاستراتيجية العربية كما سبق وذكرنا .

لم يكن الفلسطينيون فى وضع يمكنهم من مجابهة مخطط كهذا ، سواء من الناحية العسكرية والتنظيمية ، أو حتى من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية وبالتالى فقد كانوا منجرين وراء السياسة العربية فى فلسطين ورهانهم الوحيد على موقف مصر وسوريا اللتين كانتا تعارضان مشروع الملك عبد الله وتؤيدان منح الاستقلال السياسي لسكان فسطين بعد انتهاء الحرب . او رفض قرار التقسيم من جانب سكان فلسطين كان يتطلب توفر امكانات فائقة لديهم لتجسيد هذا الرفض عمليا ، اى منع تطبيق القرار كليا . وبسبب عدم توفر هذه الامكانات تحولوا الى ضحية لسياسات ومصالح متناقضة وجدت تعبيرا لها فى أحداث حرب 1948 ونتائجها .

لقد انطلقت الصهيونية من اجل حل للمسالة اليهودية . ورأت أن أقامة كيان استيطانى اجلائى فى فلسطين يشكل هذا الحل . لكن هذا الحل الصهيونى الذاتى كان حلا خاطئا ، وناتجا عن تصور خاطئ للمسالة اليهودية مما قاد بطبيعة الحال إلى سلسلة توجهات وممارسات صهيونية ادت فى النهاية الى الازمة الاسرائيلية التى تواجهها اليوم فى منطقتنا . فاذا كانت المسألة اليهودية هي عدم قدرة اليهود فى مرحلة تاريخية محددة على الاندماج فان المسألة الاسرائيلية هى عدم قدرة الكيان على التكيف والانسجام مع شعوب المنطقة .

هكذا يبدو أن المسألة اليهودية عوض أن تجد حلها فى  الدولة الصهيونية تحولت الى ما نسميه اليوم  المسألة الاسرائيلية  التى تمثل فشل هذه الدولة فى انجاز الهدف الذى قامت من أجله .

اشترك في نشرتنا البريدية