الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8 الرجوع إلى "الفكر"

ثم ... ماذا ؟ ...

Share

يتهالك الانسان وإذا ما تراءى له ذلك ندم ...

أزيز جرس المنبه يضغط على صدغى . . . يحفر دماغى . حلمى تهدهده بقايا نوم أزرق . جسمى ينطف باللزوجة ، أعصابى تتقلص . . . أخطبوط يمد أصابعه الملتوية ، يعصر جنبى . . . يضغط على صدرى . فى عروقى تسرى لمسة العدم ولا أقوى على الحراك ، والجرس دائما يدق . . . أزيزه يضغط على صدغى . . .  يحفر دماغى .

أحسست ببرودة تجمد بقايا النوم الأزرق . . أصابع الأخطبوط ترتخى وجسمى يتخبط ثم يستوى على حافة السرير .

- أنهض بسرعة . ذهبت الحافلات وهذه الاخيرة تصل الآن !    - أوووف . . . لماذا تزيح عنى الغطاء ؟    - انظر . سأصب عليك ما فى هذا الكوب من ماء إن . . .    مسحت عن عينى غشاوة الصديد وعركت جبينى فاذا ألف ذبابة تخرج من أذنى ، فصحت متلعثما : لا ! . . لا ! . .

جعل صديقى يضحك فارتجفت شفتاى فى ارتباك وجعلت أضحك . . . وأقهقه .

خرجنا نتدافع ونقفز على درجات السلم وكلانا يخاتل صاحبه لاسقاطه . مد صديقى رجله فمسكت السياج الحديدى وتظاهرت بالتعثر ثم قفزت انزل السلم بسرعة .

بدأت الحافلة تتحرك فجرينا نلاحقها وما إن صعدناها حتى أغلق الباب . جذبنى صديقى وفتح كتابه وناولنى ورقة .

- ما هذا ؟ - اقرأ . . . سوف تعلم . . . . . . . . . . . . . رفعت رأسى فاذا وجهه جامد وعيناه ساهمتان . - اين وجدت هذه الورقة ؟ - فى غرفتنا . . . وراء الباب . -  من تراه وضعها ! . . - لا أعلم . . . مسكت ذراع صديقى ونزلنا .

الوجوم يكفن الساحة .. صمت باهت يخنقه نعيق الوعيد .. الخوف يتناثر على عصى سوداء ، عصى بيضاء ، عصى بيضاء سوداء ... وراء النوافذ صياح وغضب ..

كل من فى الساحة مطرق ساكن . الشمس تنسج الفضاء وميضا . . . تحرقنا بسعيرها .     جاء حائر وسأل مرتبكا :     - هل أنت موجود ؟     - نعم . . .  بحكم الواقع .     - حتمية الواقع لا تجديك ما لم تكتشف وجودك بوعيك .     - هذه خرافة !    - الخرافة فى رأسك .    - أنت تجتر كتبك وحمى الأفكار تقضقضك .    - لأنى لا أتهرب من الاحراج .    - الرموز والأشكال تتبدل وتتغير وليس فى النفس ما يتبدل وما يتغير ٠٠٠   - لأنك ترهب التحطيم ! ٠٠   - تحطيم ماذا ؟   - تحطيم الرموز والأشكال ٠٠٠   - هذه علتك ٠٠٠ تريد أن تبنى على أنقاض الآخرين . لماذا التنكر ؟ لماذا القطيعة ؟ ! ٠٠٠

تدافع الجمع فسقط الحائر والمرتبك وآنفلت ذراع صديقى من يدى .

المناكب تعصرنى ، وتحركها يقذف بجسمى الى حيث يتجه الجمع . الصراخ يشتد ، الضجيج يملأ الفضاء والجمع يزحف . هجم الجمع يحطم المدينة ويحرق حطامها . جاء حراس المدينة يهشون الجمع بعصيهم السوداء ، عصيهم البيضاء ، عصيهم البيضاء السوداء ٠٠٠ أياد تخلع ، أشلاء تبعثر ، رؤوس تفرقع والمدينة تحترق وحراسها حائرون ٠٠٠ يمضغون المحبة ويبصقون الفزع والرعب ٠

(( المدينة مدينتنا يحطمها أبناؤنا ! ٠٠ ))     الحيطان سوداء ٠٠٠ الحطام رماد ٠٠٠ الفزع يعصر القلوب ٠ أصداء مدوية تتبختر فى الفضاء فى آرتعاش وأنين :

الصدى الاول : الزجاج المحطم شاهد على غضبكم وعنفكم و ٠٠٠٠     التماثيل الجوفاء هازئة بغضبكم ساخرة من جـ ٠٠٠     لو لم تشرب الرياح ما كتب على الطريق لبقى كل شئ ناطقا لان ما كتب على الحيطان قد غشاه السواد .

الصدى الثانى : مدينتى يغسلها النزيف ٠٠٠ يجففها الضجيج . زلزال الغضب يقوض مدينتى الهادئة ٠ كانت آمنة مدينتى كانت نائمة ٠ زحف الأقزام عند الظهيرة فكسروا ومزقوا وأحرقوا ٠٠٠

الصدى الثالث : حدة النفور ووخزة الافكار حملتكم على تحطيم مدينتى ٠٠٠ الصدى الرابع : مدينتنا نحطمها ونبنيها من جديد . إن ديست أعتابها حطمت الذات والذات لا تركب من جديد .

الصدى الخامس : تمرد الذات على النفس ظلم ناكر حتمية الواقع وخلط الانفعال بالثورة مخاتلة وتدليس !    الصدى السادس : الثورة . . . ثار يثور : فعل أجوف آنقلبت ألفه واوا لليونتها .

الثاء : من الحروف اللثوية ، لاث وتليث الأليث : صار شديدا . الواو حرف علة يستعمل للعطف . الراء : من أحرف الذلاقة ، ذلق ذلقا الانسان : قلق . الثورة تركيبا : شدة وقلق بسبب وجود العلة .

الصدى الثالث : الغرق فى مستنقع الافكار انتحار وحب الانتحار هروب  وفضيحة ! . . .

الصدى الثانى : غسلتكم الشمس بنزيف الحمى فجعلتم تهذرون بلا وعى ... تقضمون الحروف وتلوكون الافكار وكانت كتبكم فطويتموها ونزلتم  الى مدينتى فحطمتم كل شئ وأحرقتم كل شئ . . .

الصدى الاول : ٠٠٠ والتماثيل الجوفاء ! ٠٠٠  خفتم تحطيمها وهى هازئة بغضبكم ساخرة من جنونكم ٠٠٠

والزجاج المحطم ! لا تستطيعون جبره وهو دائما شاهد عل غضبكم وعنفكم وجنونكم

توترت الاصداء موحشة متداخلة تتبخر فى ارتجاف ، تئن كأزيز الأثير ٠٠٠ ترددت الاصداء فى الفراغ ٠٠٠ فراغ رأسى الأجوف والمناكب دائما تعصرنى ٠٠٠ تخنق جسمى . تحرجت من جسمى ٠٠٠ تضايقت من وجودى ٠ لو لم يكن جسمى لما عصرتنى المناكب ٠٠٠ لما كنت هنا ! ٠٠٠

لم أدر كم دام تحرجى واختناقى ولكن وجدت جسمى يتحرك على الرصيف٠ جسمى هو الذى آنطلق ! ليذهب الى أين ؟ لا أعلم . فكرى لم يقرر شيئا ٠ جسمى هو الذى انطلق وحده ، هو الذى قرر كل شئ ولم يستشر رأيى ٠

جعلت أداعب كتبى وكانت مطوية فى جريدة يومية ممزقة متآكلة ٠

مررت بنظرى على بعض عناوينها : (( خطر المجاعة يتفاقم فى العالم ٠٠٠ سكان جنوب إفريقيا يتظاهرون احتجاجا على الميز العنصرى ٠٠٠ الامم المتحدة يدعو اسرائيل للكف عن هجوماتها على الاراضى العربية ٠٠٠ القوات الامريكية تواصل قذف القنابل على الاراضى الفييتنامية ٠٠٠ ))

العالم فى قلق ، الانسانية فى تمزق والمدينة المحطمة تخنقها الوحشة . كل شئ فيها يدعو للهروب . قذفت بجسمى فى الحافلة وعدت الى الحى الجامعى فرميت بكتبى على الطاولة واستلقيت على السرير . كل ما فى يتآكل ويتشرب ٠٠٠ زفير موحش يوتر خواطرى وحوار مكفهر يتناثر صداه فى غرفة مجاورة فيخترق الجدار ويبعثر بعضى :

- يا ناكرا يوما كسرت فيه القوارير وحرقت فيه الاوراق . ماذا لو حطمت

القوارير ! ماذا لو أحرقت خطام الهوس والقلق ! ٠٠ الغضب يخنق جسمى وأنت لا تدرك فعل الاختناق لأنك لا تحس بوجودك كاحساسك بوجود جسمك .

- التحطيم عجز وفظاعة والأشياء اذا احترقت لا تشتعل من جديد ٠ الهروب من حتمية الواقع والاستنجاد بعفوية الوجود خنق للذات ومخاتلة للنفس ٠

- لا تنس عندما عالجك الاحراج فابكتك الصائتة ٠٠٠ أجسام مثل جسمك تتله ى تحت نبش الكلاب . أغمضت عينيك ولما جفت دموعك تناسيت كل شئ وفى المساء كنت ترقص مع تلك الكلاب ففهمت ٠

- يؤلمك بطن مصلوب وعين مفقوءة ومسلخ الاصنام ملهى لك !    وهج الغضب لم يحرق الاخشاب التى فى رأسك !٠٠    - عجبى منك خلطك الغضب بالحقد وغضبى محبة لك !    - انت لا تخشى غرور الخواطر ووهم العاطفة يهز جسمك . ماذا لو ملكت جسمك ومسحت عن خاطرك زيف المخاتلة ! حزنى عليك حزن من فقد ذاته وأنت فاقد ذاتك ٠٠٠

رأسى ينتفخ . . تضغط عليه جاذبية حسية غريبة . ضباب باهت يتنفسه دماغى الناشف ، تعبق رائحته فى تحويمة دائخة فيلتوى عنقى ويبقى رأسى معلقا فى الفضاء . أصابع متقلصة تلتوى على عنقى ٠٠٠ حامض محرق يقرح  أهدابى ٠٠٠ دود أعمى يتلوى وينهش جبينى . خواطرى تتعثر على حافة الغموض والهواجس تقلقنى ٠٠٠ أغمضت عينى وجعلت ألم أشتات الاصداء لأعيشها من جديد فغفوت ٠٠٠

أزيز جرس المنبه يضغط على صدغى ٠٠٠ يحفر دماغى ٠ حلمى تهدهده بقايا نوم أزرق . جسمى ينطف باللزوجة ، أعصابى تتقلص ٠٠٠ أخطبوط يمد أصابعه الملتوية ، يعصر جنبى يضغط على صدرى ٠ فى عروقى تسرى لمسة العدم ولا أقوى على الحراك ٠٠٠ والجرس دائما يدق ٠٠٠ أزيزه يضغط على صدغى ٠٠٠ يحفر دماغى ٠

اشترك في نشرتنا البريدية