الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "المنهل"

جاذبيه الاماكن

Share

يغمر قلبي شعاع من ذكريات لاحصر لها ، وتطفو عليه موجة اخاذة ، وتنتابني احساسات متعددة متلونة بتلون تلك الطيوف المارة على ذهنى ، حينما يعرض عليه اسم من اسماء تلك الاماكن التى خلدتها المعارك والتى سجلها الشعر العربى فى نظيمه ، والادب في صميمه ، وظهرت براقة فاتنة تجذب القلوب ، وتكهرب الجوارح ، لان لها صلة بالروح لا تنقطع ، وعرى وثيقة لا تنفصم ؛ حيث قضت منها الاوطار وللبانات ، وربما كانت صلة تلك الاماكن بالمادة ضعيفة بل معدومة ، لكن الانسان يعيش بروحه لا بجسمه ، فيصور الاماكن ، ويتصور المعارك ؛ ويشرف على كل ماعبئ ونظم ، فنثور حماسته ويعود كانه عاش في العصر الاول . ولو ثبت على خياله وجعله امرا واقعا لعاد في العقيدة كالمسلم الاول ، عقيدة تشق فى الجبل اخدودا ، أو تفتح الى السماء طريقا .

ولكل مكان مشهور جاذبيه الخاصة . فهذا يثير حماسا . وذاك ينعم القلب والروح ، حيث التواصل بلبلي وسعدى ، ويذيقه صافي المحبة بما يسكبه فى نفسه من أنس لاه ؛ وحب براح .

والاماكن المعينة باثارة الحماسة هي كبدر ، وأحد وهو الذي أرحي الي هذا المقال - وحنين ، وخيبر ، واحر بها ان تثير الحماس من مكامنه ، وتبرز الشجاعة في اجلى مظاهرها ، وتقسمه الخيال على الطيران حول حماها ليتودع في النفس اشعة النور المبصرة ، وفي القلب ضياء البصيرة المتجددة . لا سيما إن غاص

الفكر في بطون السير وكتب التاريخ ، وتغلغلت الروح لاستكناه الحقائق من من مواقعها فتوحى اليه باسرارها فيجيبها وبلبيها . ومن يتمثل الشعر الواردة فيه تلك الاماكن ويسيغه لابد أن يتأثر به أشد التأثر

قال الشاعر الكريم حسان بن ثابت برد على ابن الزبعري :

وعلونا يوم بدر بالتقي   طاعة الله وتصديق الرسل

ورسول الله حقا شاهدا    يوم بدرا وأحاديث المثل

وقال ابن الزبعرى برد عليه قبل إسلامه :

أبلغا حسان عني آية    فقريض الشعر يشفي ذا العلل

كم قتلنا من كريم صيد     ماجد الجدين مقدام بطل

وقال حسان يوم الحديبيه

.

عدمنا خيلنا إن لم تروها   تثير النقع موعدها كداء

ينازعن الأعنة مصفيات   على أعطافها الأسل الظماء

تظل جيادنا متضمرات   تلطمهن بالخمر النساء

فاما تعرضوا عنا اعتمرنا   وكان الفتح وانكشف الغطاء

والا فاصبروا لجلاد يوم     يعز الله فيه من يشاء

وجبريل رسول الله فينا    وروح القدس ليس له كفاء

وقال الله قد أرسلت عبدا     يقول : الحق ليس به خفاء

وقال الله قد أرسلت جندا    هم الأنصار عرضتها اللقاء

لنا فى كل اليوم من معد        قنال أو سباب أو هجاء

فنحكم بالقوافي من هجانا  وتضرب حين تختلط الدماء

فلا شك أن يخرج القارئ بصورة تلك المواقف ماثلة في الاذهان اذا غاص عليها فى مظانها ، وكلما زادها دراسة وإمعانا ؛ زادت في نظره جلالا وروعة ؛

ومن الاماكن ما يتفتح لها القلب فرحا ، تميل اليها النفس كالمقيق ، وسلع وقباء ، والمنحنى ، ووج ، والغدير . ذلك لان الشعر صبغها بصبغة غزلية فلا تمر بذهنك تلك الاماكن إلا ويمر معها معنى الحب . وان كنت تشك في ذلك فتأمل قول الشاعر :

وقف بسلع وسل بالجزع هل مطرت        بالرقتين أثيلات بمن سجم

ناشدتك الله ان جزت العقيق ضحى       فاقر السلام عليهم غير محتشم

وقول حافظ :

حدثه عن سفح العقيق وبانه    وهناك لا تنكر خفوق جنانه

وقول الآخر

لله معهد أنسنا ما بين وج  وألغدير

يوم كأن قبابه في اليهود هالات البدور

يسمو برونقه على حسن الخورنق والدير

كم فيه من ظبي تكحل بالجمل على للغرور

أو شمس حسن بالجمال تفنعت لا بالحرير

وقول ابن الوردى مضمنا أبيات المصرى .

أدر حديث سلع والحي أدر         والهج بذكر اللوى أو بانه العطر

وعج على الجزع واذكرني لساكنه        لعل بالجزع أعوانا على السهر

واذكر قباب قبا واذكر بطيبة ما        جاورتني فهو عندى أطيب الخبر

منازلا كسبت بالمصطفى شرفا          باطيب الناس من بدو ومن حضر

إذا تبسم ليلا قل لمبسمه         ياساهر البرق أيقظ راقد السمر

واذا أوردنا ذلك الشعر فلا نعني بما فيه من قوة أو ضعف . وانما جئنا ببعض ماله علاقة بهذه الاماكن

اشترك في نشرتنا البريدية