الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "المنهل"

جازان العليا، في عهد الامير المهدى بن محمد القطبى

Share

لقد كان عصر الامير المهدى بن احمد بالنسبة الى مدينة جازان العليا هو العصر الذهبى لتلك المدينة التاريخية واذا كان الشاعر ابن هتيمل ) في القرن السابع قد سجل لنا فى ديوانه نموذجا لما كانت عليه تلك المدينة من التحصين والمنعة وما يحيطها من سور وبروج وصرح ممرد - على حد تعبيره - أو بالاصح من قلعة حصينة

ففتح لنا بذلك نافذة نطل من شرفتها عبر التاريخ على ما كانت عليه المدينة فى القرن السابع من المنعة والاعتزاز بمركزها ومكانتها بالنسبة الى تاريخ الخلاف السليمانى فقد افادنا بعده بمائة وثلاثين عاما تقريبا - المؤرخ الديبع فى حوادث عام ٨٨٢ ه بما كان لتلك المدينة من مركز سياسي وادارى بصفتها قاعدة امارة ) الخلاف السليماني ( ومقر الاسرة الحاكمة ومعقل الادارة فهو فى الماعه المختصر في

الاشارة لما نالها من غارة الامير محمد بن بركات امير مكة يفيدنا ضمنا بما كان بها من دور شامخة وقصور عامرة ينعتها بدور الامارة أو الخلافة) على حد تعبيره ، وان فيها الخزائن او بالاصح خزينة الامارة المتوارثة لامراء تلك الاسرة العتيدة . ومن محتوياتها المكتبة العلمية النفسية . وان تلك الغارة أتت على كل محتوياتها الثمينة نهبا . كما أتت على أموال ومقتنيات كما اتى الهدم والتحريق على دور الامارة -

والمدينة باسرها - بدون شك ، وتوالت الغارات المدمرة عليها بعد ذلك ما يقرب من المائة سنة - أعنى من عام ٨٨٢ الى ٩٧٥ ه حتى احالتها الى خرائب وأطلال ولنعد الى عصرها الذهبى فى عهد هذا

الامير النابه الذي هو أزهى عهود أسرته وأسطع عهود المدينة عمرانا وازدهارا ونكتفى بأن نورد الشواهد المتعددة من شعر شاعره المبدع صاحب الديوان الذي صور لنا بقلمه الشاعر وبيانه الرائق كابدع

ما ترسم ريشة الفنان - ابدع آثارها وأروع عمرانها . فنجده يقول في قصيدته البائية التى يستحثه فيها على العودة من غزوة البداح الى قاعدة امارته ومستقر اسرته :

أتدرى بما لاقته تلك الملاعب

وما كابدت ابطالها والكواعب ؟

وما نال ) جازان ( الخصيب واهله

لفقدك ، يا من في الاقامة راغب ؟

وتلك ) القصور المشمخرات لم تزل

تغالب فيك الشوق والشوق غالب

وتلك ) الرياض ( الضاحكات زهورها

ذوابل ، والانوار فيها غياهب

ان هذه القطعة الفنية تعطينا صورة عيانية ، تتألق على صفحات الزمان بألوانها وظلالها ورياضها وأزهارها وروعتها وجلالها قصور مشمخرة تزدهى بجمال البنيان وتتباهى بروعة الامارة والسلطان ، وتدل بتاريخها الحافل ونفوذها الشامل على

المنطقة التى تدين لامارتها وتذعن لطاعتها وتجبى اليها الخراج وتنثال الى زيارتها الوفود من الاقطار ، ومنها تتصرف الإدارة ، واليها تجلب السلع والتجارة . وهنا وقد رسم هذا اللوح المشرق للمدينة الخالدة نراه لا ينسى ) جازان ( الساحل فيرسم لنا فى زاوية من الواحه المتألقة رسما جانبيا لبعض مناظر منها فيتراءى لنا على بعد ، جبلها وحصن باحد جوانبه غير واضح الرسوم اذ يقول :

وللساحل المحروس والجيرة الاولى

به لوعة ، والطود والحصن ذائب

ولا تمكننا تلك الصورة الجانبية الغير واضحة المعالم من ادراك اين يقع هذا الحصن من جبل جازان - الساحل - هل هو فى موقع قلعة جازان ، المعروفة فى هذا التاريخ بقلعة اللاسلكى ؟ أم هو على ) الجبل الاحمر ( الذي الى عهد غير بعيد كان فوقه

آثار حصن واضح الرسوم حتى عدت على اساسه ايدى الحجارين فاقتلعوا احجاره ؟

وفي قصيدته التى مطلعها :

ذكر الحمى والنازلين حماه

ذاد الكرى عن ناظري وحماه

يحدثنا الشاعر عن المدينة واصفا ) القبة البيضاء ( والقصير والقلعة المشهورة باسم ) الثريا ( . والقباب أو القبة فى القصور تذكرنا بالنمط الاندلسي مما يدلنا على أن " الاسرة القطبية " تفننت - نوعا - فى البناء وشادت قصورها على طراز رفيع وفن بديع ولم يكتف الشاعر بالوصف الخارجي للقبة البيضاء والقصر البديع حتى وصف لنا في ايجاز غرفه الوضاء اذ يقول :

غرف حكت غرف الجنان وفاخرت

ب محمد قمر السما وعلاه

ولا شك ان تلك الغرف الزواهر التى تحكى غرف الجنان وضاءة وحسنا كانت من تحف الفن المعماري في جنوب الجزيرة ونفهم من القصيدة أن تلك الغرف هي بعض غرف القصر الذي بناه الامير عدا قصور الامارة الموروثة من اسلافه :

لو كان ينطق قال عند قدومه

يهنى الامير السؤل من مولاه

العيد و"الولد" المبارك وجهه

والنصر والقصر المشيد بناه

ويؤيد ما قلناه ان هذا القصر الجديد هو غير القصور التى ورثها عن اسلافه والتي كانت زينة عصرها فى تلك المدينة التاريخية

- عدا ما اردناه عن الشاعرا بن هتيمل والمؤرخ ) الديبع ( - قول الشاعر في قصيدته التى مستهلها :

قل لتلك اللواحظ البابليه

والخدود الاسيلة الورديه

والتي من ضمنها يصف نظر المدينة الرائع - وهو قادم اليها من الناحية الشمالية - وقد بهره منظر قصورها التليدة تتخايل فى جلالها وتشرق فى جمالها وتتعالى فى سموها وتسطع فى تألقها فتضفى على المدينة الجلال والبهجة ، وانها - اى تلك القصور - تنعت بالخالدية نسبة الى المؤسس الاول لامارة تلك الاسرة : ) خالد ابن قطب الدين ( يقول :

حين قابلت ) درب جازان ( لاحت

وبدت لى ) قصورها الخالديه (

ورأيت الديار تسطع نورا

من جلال الاسرة ) المهدية (

ويؤكد الشاعر هذا الوصف باختصار فى القصيدة التى أولها :

يا نسيم الجنوب قل للمليحه

ما لتلك العهود غير صحيحه

مشيرا تلك الدور العديدة والمغانى الفسيحة :

وسمعنا النداء من كل ) دار (

رحبا ، فانزلوا ) المغاني ( الفسيحه

وحقا انها لمغان فسيحة تستقبل الوفود وتتلقى الزوار والقاصدين بالترحاب وكرم الضيافة والبر . ان الشاعر يردد فى غير قصيدة من قصائد الديوان وصف تلك القصور الزاهرة وغرفها وابهائها وما يكتنف ساحتها ويزين باحاتها من الزهور المونقة . وترديده لوصفها وتفننه فى تصويرها لا يمكن ان يكون عفويا بل هو نتيجة اعجاب بحقيقة استثارت شاعريته وملأت نفسيته وغمرت مشاعره ففاض به احساسه المرهف شعرا ينبض بالحياة ويتألق بالصور ويجيش بالمناظر العيانية والرسوم البيانية فيقول فى احدى قصائده :

فترى القصور تكاد ترقص فرحة

والزهر فى الاكمام يضحك معجبا

ونزلت في ) القصر ( الذي غرفاته

لو انها نطقت لقالت مرحبا

وفى اخرى :

أما ترى القصر العظيم المشيد

انواره كل غد فى مزيد

تفضح انوار قصور الجنان

وفي ثالثة :

ثم انثنيت الى ) المدينة ( راجعا

ودخلت ) قصرا ( بالجمال مشيدا

واذا كانت عاديات الزمان وطوارق الحدثان قد محت كل محاسن ذلك العمران ولم يبق منها رسوم دوارس من السور ) ١ ( العتيد والقلعة التاريخية ) ٢ ( والابراج المتهدمة واسس دائرة من بقايا تلك القصور فانها برغم كل ذلك مخلدة باقية بريشة الفن مائلة متألقة فى ازهى صورها فى هذا الشعر الخالد .

ونخال الامير المهدى استشف بالمعيته اللماحة - وهو الامير الاديب - ان الحلود

هو أغلي امنيات النفس الرفيعة المتسامية الى صيرورة الذكر والخلود المعنوي . ان امارته

المتواضعة ومدينته الزاهرة وقصوره الشامخة وقلعته المنيعة - لا بد أن يزول عمرانها وتمحي رسومها وتندثر أطلالها ،

وان خير ما يخلد اسمه وآثاره ومدنيته وقصورها هو البيان الشعرى الرفيع فاندفع بغريزة حب البقاء الى ان يتخذ من الشعر " الواحا " خالدة ومن البيان سجلا حيا

باقيا لمدينته وشخصيته ، ونرى ان كل ما بذله من وافر العطاء وجزيل الصلات لشاعره - أقل قيمة فى جانب هذا الخلود الادبى والتصوير الفني . وبحق لقد بر الامير مدينته وأحسن كل الاحسان الى شخصيته . وما قيمة اى مال امام هذا البيان الخالد والذكر العاطر الذى تستنشق الاجيال اريح ثنائه الفواح وذكراه العاطرة عبر الدهور وكر الاعوام والعصور ؟ !

اشترك في نشرتنا البريدية