الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "الفكر"

جاك بارك

Share

موضوع الاستشراق من أخطر المواضيع التباسا فى الأذهان ، وخاصة فى المغرب العربى . وكلنا يعرف أن عقولا وشفاها وأقلاما - وأكاد أقول أرواحا - تعيش على ما أنتج وما زال ينتج المستشرقون . العقدة تاريخية : محمد والجاحظ انتقلا من الزيتونة والقرويين الى السربون . . . ونحن نعتقد - فى شىء من التفاؤل - أن الوقت قد حان لمراجعة علاقاتنا الفكرية مع الخارج مراجعة لا تتنافى مع التقدير الموضوعى ولكنها ترمى الى استخلاص أصالة لا سبيل بدونها الى حصانة الرأى ومتانة الفعل أو الحوار العادل الثرى ...

والغاية من هذه الاستجوابات الصريحة الى حد ما أن يطلع القارىء على اعترافات المستشرقين أنفسهم وعلى آرائهم فى ميدان تخصصهم . ولعله يقتنع بأننا نحتاج الى (( مستغربين )) قادرين على فهم الغرب فهما جديدا متجددا أكثر مما نحتاج الى مستشرقين تقليديين نقلدهم فى فهم تاريخنا واكتشاف أنفسنا لا لشئ إلا لأننا نقنع بما رزقنا به منهم . ثم لعله لن يصدم بقول الاستاذ بارك : (( لا مستقبل للاستشراق )) وليبق ملوكيا إن شاء ولكن أقل من الملك !

لا مستقبل للاستشراق

* لنبتدىء بقصة استشراقكم : ابتدأت فى عهد الصبى اختطف العربية والعروبة من البيئة لأنى ولدت فى الجزائر ، بل فى صحارى الجزائر التى رجعت منها متعلما العربية من قبائل البدو . بعد ذلك حظيت فى المغرب الأقصى بمعاشرة العلماء من الصنف القديم الذي انقرض اليوم ، العلماء المعممين مشائخ جامع القرويين . لا أقول الجامعة بل الجامع ! بعد ذلك قمت ببحوث عن الأحوال الاجتماعية البدوية والمدنية مما كوننى كباحث وكمستشرق . كنت أيضا كموظف أراقب المحاكم المغربية ومنها الشرعية فاستفدت كثيرا من قضاة مغاربة منهم القاضى عبد الحافظ الفاسى

من عائلة الزعيم علالة الفاسى وغيره من ممثلى الفقه المغربى القديم . ثم تحولت الى تجربة فى الشرق حيث بدأت استعمل اللغة العربية كأداة للتبادل الفكرى والعاطفى مع الشبان العرب الذين كانوا فى المركز الذي كنت من خبرائه فى مصر ثم في لبنان وهكذا . . . هذه التجربة وجهتنى الى فهم جديد للاستشراق ولما يجب أن يكون . فبدلا عن الفهم المعتاد للاستشراق من أنه تخصص من حملة تخصصات الجامعة رأيت أنه طريق متخصص الى فهم العالم ككل ، الى فهم الحملة الانسانية . هو فى ذهنى كغيره من العلوم الانسانية الأخرى خليط مما هو خصوصي (SPECIFIQUE) وعمومي (GENERAL) . ورأيت كذلك أنه بعد أن تقدم الكثير من الشرقيين بأنفسهم فى بحث تراثهم وكيانهم بطرق العلم الجديد لا فائدة و لاوجوب أن يبقى الاستشراق على ما كان عليه فى القرن التاسع عشر أو العشرين . ليس هناك استشراق وإنما هنالك جناح شرقى للعلوم الاجتماعية .

* هذا انت . فمن هم أعظم المستشرقين فى نظرك ؟ ثم كيف ترى أعمالهم ؟ نستطيع أن نجيب عن السؤال بذكر زعماء الاستشراق أو رواده من مبادئ القرن التاسع عشر الى وقتنا الحاضر . وأعتبر من أكابر المستشرقين الفرنسي سليفاستر دى ساسى ( Sylvestre de Sacy) زمان الحملة الفرنسية على مصر . كان يشرف من هنالك على أعمال مستشرق آخر متواضع وهو مارسال  (Marcal) .وكتب مقدمة لمقامات الحريرى بالعربية تعتبر من الآثار العظيمة  فى الأدب العربى . كذلك الهولندى سنوك هروغنيه ( Snouk Hurgronje ) فهو من أكابر المستشرقين أيضا لفهمه الشريعة الاسلامية والاسلام عامة . وقد أسلم فى مدة من حياته وعاش سنة فى مكة . أما المجرى قولدزيهر  (Goldziher ) فنحن غنى عن الحديث عنه إذ يعتبر من أهم المستشرقين  المعروفين . بالنسبة للقرن العشرين أذكر لوى ماسينيون ( Louis Massignon الذى تخصص فى بحث الفكر الصوفى الاسلامى ومحاولة التقريب بين المفاهيم الاسلامية والمسيحية فى ميدان التوحيد .

* ثمة اتهامات توجه إليه . . موضوع الاتهامات موضوع مهم جدا ، فلا بد أن نعالجه بما يجب من الاعتدال والاقتصاد . نعم ، من الطبيعى فى الأجيال السابقة أن علماء أمم العالم كانوا منقادين الى حد كبير الى حكوماتهم وخاصة فى وقت الموجة الأمبيريالية . البعض منهم او أغلبيتهم كانت تساعد التوسع الوطنى لبلدانهم . منهم سنوك هرغرونيه الذى لعب دورا غير مرضى فى إقحام ثورة أندونيسية فى مبادئ القرن

العشرين . والقصص من هذا النوع كثيرة . . . ولكن لا بد أن لا نحكم على الناس وخاصة منهم العلماء الاجلاء إلا بعد ادخالهم فى إطار زمانهم .

لوى ماسينيون ... (( أنا ايضا - وكنت فى تلك الفترة جد استعماريا - كتبت ( إلى الأب فوكو ) مؤملا فى احتلال مسلح للمغرب الأقصى . وقد أجابني مستصوبا  ( 1906 )

( دار السلام ، 1959 ، ص : 59 )

* على كل يبدو أن الاستشراق الذى اهتم خصوصا بالعربية والعبرية لم يكن موضوعيا وانما كان يرتبط بنزعات دينية وأهداف استعمارية .

صحت التهمة الى جد كبير ، ولكن الحقيقة لا بد أن ينظر اليها فى سمات الآزمنة المعتبرة فى بحثنا . فلا يمكن أن نخرج الانسان من إطار بيئته وزمانه . الحق يقال إن إطار أعمال أولئك المستشرقين كان إطار الامبيريالية وإطار عملنا نحن تصفية الاستعمار .

* ولكن هل كان هذا التغير الذى حدث فى ذهن المستشرقين . . . فى ذهن البعض من المستشرقين .

* هل كان نتيجة تطور علمى أو هو تابع لتغير الوضع الاجتماعى للبلدان المعنية ؟ كان نتيجة للأمرين معا .

* ناحية اخرى : ألا تعتقد أن موقف العربى الاسلامى من انتاج الغرب الحضارى عموما والاستشراقى خاصة قريب من السلبية لأنه موقف مستهلك لا منتج يقترن بتقدير مبالغ فيه تجاه هذا الانتاج ولا يزال يحتاج إلى تعديل ؟

موقف الشرقيين موقف عاطفى نتج عن تأثيرات واسعة وعميقة تأثر بها زمن الامبيريالية فكانت وحيدة الطرق . العمل أو التجديد كان يأتى من طرف واحد ، مما أدى الى أحكام سريعة تبالغ تارة بالايجابية والتقبل وتارة اخرى بالرفض والسلبية وأعتقد أن تقدم العالم الشرقى أو العالم الآفرو آسياوى عموما فى طريقه نحو البناء الذاتى والأخذ بالتاريخ الخاص . وهذا ما سيزول تلك العيوب .

* كيف ترى إذن مستقبل الاستشراق ؟

أجبت عن سؤالك فى تمهيدى : لا مستقبل للاستشراق ! لماذا نخصص

فرعا من فروع العلم بالبحث على ناحية من نواحى العالم مع أن العالم واحد وفروع العلم فروع واحدة متكاملة ؟ أكرر ما قلت سابقا : ليس هنالك استشراق وإنما هنالك جناح شرقى للعلوم الانسانية ( وفى هذه الاعادة إفادة ) .

* جاك بارك : ابن مؤرخ معروف أوقيستان بارك . ولد بالجزائر سنة 1910 . عاش وسافر فى البلدان العربية فاهتم بها واتسع اطلاعه عليها . يقال عنه إنه (( أكثر علماء الاجتماع استشراقا ، وأكثر المستشرقين اجتماعا )) . يبدو فى تآليفه شديد العناية بالحوار الجدلى بين الأصالة والفعالية فى المجتمعات المتحررة عموما والعربية خصوصا . وهو الآن استاذ بكوليج فرنسا حيث يلقى محاضراته فى علم الاجتماع الاسلامى . أهم تآليفه : - الهياكل الاجتماعية للأطلس الأعلى :  - Struclures Sociale du Haut AtIas                                                ( 1955 ) - العرب من الأمس الى الغد :  - Les Arabes d' hier a demain                                       ( 1960) - المغرب بين حربين :  - Le Maghreb entre deux Guerres                                             ( 1962)  - انعتاق العالم : (1964). Depossession du Monde - - مصر ، إمبريالية وثورة : - I' Egypte , Imperial isme et                      (1967)Revolutton      - الشرق الثانى : (1970)I' Orient Second  -

* ننتقل إلى خصوصيات تفكيرك : سبق ان سموك (( صائد الرموز )) . ولهذا مبررة . فمن يقرأ كتاباتك يدخل عالما من الرموز غريبا وتكاد الصلة تنقطع بينه وبين الأشياء المرموز اليها . كيف وصلت إلى هذا ؟

لهذا الملام حظ كبير من الصواب ، صحيح أنى حاولت أن اكتشف طريقا جديدا للبحث التاريخى للمجتمعات أو الاجتماع التاريخى إن فضلت هذا التعريف . نعم ، علم الاجتماع لما عرفته كان يتأثر أكثر من اللازم بتقليد العلوم الفيزيائية وبالبحث عن التسلسلات المادية وعن السببيات على مثال الآلة الميكانيكية . ولكن تقدم العلوم الانسانية فى جيلنا هذا كفقه اللغة مثلا أفهمنى أن هناك تسلسلات تختلف عن التسلسلات النسبية المادية . هناك تسلسلات معنوية بين السمات . لهذا أقبل أن يعرف بى كباحث عن السمات لا كباحث عن الرموز لأن الرمز قسم من السمة أو هو سمة من السمات بالمعنى الخاص : ( SIGNE) .

. هل من التهمة أن نرى فيك فيلسوفا دخل المجتمع ؟ ليس هذا اتهاما بل هو مدح !

* أنت شديد الالحاح على الجدلية بين القديم والجديد فى المجتمعات العربية . ألا ترى أن الوقت قد حان لتجاوز هذه النظرة لأنها قد توحى بالسكون الاجتماعى وبطء التطور ، خصوصا وانه يتحدث عن هذه الصلة فى خصوص الشرق ولا يكاد يتحدث عنها فى الغرب ؟

سؤالك عامر وغامر . صحيح أنى من أنصار الجدلية وكل محاولتى تقريبا تتسم بها وأنا لا أرى أنها تؤدى الى اسكان المجتمعات بل الى تحريكها . أن نعرف مثلا الجدلية التاريخية التى تعتبر من محاور الفكر الاشتراكى . أضفت الى فهم تلك الجدلية عنصرا جديدا لعلنى اكتسبته من بحوثى فى المجتمعات الاسلامية . كان أنصار الجدلية التاريخية يصرون غالبا على العلاقة الثنائية بين أمرين . وهذا ما يسمى بجدلية (( المنازعة )) أو جدلية النقاش ( ALTERCON) ولما بحثت فى تاريخ تحرر البلدان المستعمرة لاحظت أن أهم القوى التى أدت الى هذا التحرر كانت تستمد لا من النقاش أو الجدال بين المستعمر والمستعمر بل من المناطق التى بقيت سليمة من هذا المساس . أى مناطق ؟ المناطق الجغرافية والاجتماعية والنفسانية . . . وهذا ما سنميته جدلية الاثبات ( AFFIRMATION) .

أما في خصوص الحوار بين القديم والجديد فى الغرب وفى الشرق فأعتبر أن الغرب لا يخلو من هذا الحوار . أبدا . كل مجتمع ينتج عن مناقشة أو حوار بين القديم والجديد ، بين الأصيل والتجدد . يلاحظ هذا فى البيئة الفرنسية كما يلاحظ فى البيئة الدمشقية .

* ولكن هناك أنواع مختلفة من الحوار . لهذا تختلف التسميات فى البحوث والدراسات ...

لا تختلف التسميات كتسميات فحسب بل بالكميات والنسبيات لأن التجدد فى المجتمعات الصناعية أكتسب تدريجيا وبصفة تلقائية لا بصفة اجبارية كما وقع غالبا - مع الاسف - فى المجتمعات الآفرو آسياوية مما أدى الى إلحاح دائم أو الى توسيع الفجوة بين التجدد من جهة والتراث من جهة اخرى .

* لهذا صلة بالأصالة . ونحن نعرف أنك اعتنيت اعتناء خاصا بهذا المفهوم . ألا ترى أن أصالة العربى المعاصر مهددة باعتبارات جديدة مختلفة ؟

ما هى الأصالة ؟ لا بد أنك وجدت فى كتابى الأخير (( الشرق الثانى )) محاولة جديدة لتعريفها . لا اقصد بالأصالة التراث ولا أقصد بها الماضى وإنما أقصد بها المستويات الأكثر مباشرة بين العمران والطبيعية . أن أعرف شخصية المجتمعات بالعلاقة بين حضارتها وأسسها الطبيعية . الأصالة هى المستوى الأكثر مباشرة فى هذا الحوار . واذا صح ذلك تكون الأصالة أو الرجوع الى الأصالة أو الاسناد الى الأصالة من شروط كل تجديد . ومن جهة اخرى لا نستطيع أن نسمى أصيلا ما يكون مبتورا من تجديد . لا تجدد بدون أصالة ولا أصالة بدون تجدد .

* من الآراء أن ما يحدث فى العالم العربى من نكبات لم يتأت عن ضعف مادى فحسب وإنما خصوصا عن فقدان هذه الأصالة .

إن تفسير النكبات واسع جدا. فهذا ما شوهد عندنا بعد وقائع عام أربعين وينطبق على وضع العرب بعد النكبة المعروفة . يجب أن نحلل أسباب وقوع النكبة لأننا إن وجدنا الأسباب كان الدواء بأيدينا ... لا شك أن من الأسباب الرئيسية عدم الانسجام بين ما هو مكتسب من الأدوات الصناعية مثلا أو الأساليب الجديدة بصفة عامة وبين الشخصيات المعنية بالأمر .

* منا من يعتقد أن أصالة العرب والعالم الثالث عموما لا تكون الا بمواجهة الغرب بل بمصادمته . ويبدو أن دفاعكم عن (( العالمية )) (MONDIALITE) يتعارض مع هذا الاتجاه .

اتجاهى الى العالمية هو محاولة للخروج من الحوار الثنائى الذى ينتهى غالبا إلى الشكلية ، لو عرفنا الشرق بما ينافى الغرب والغرب بما ينافى الشرق لانتهينا الى الصفر في فهم المجتمعين ! ولكن هناك حقائق أخرى لا تتقيد بالشكليات والنسبيات بل تعتمد على ما سميته سابقا : الاثبات .

اشترك في نشرتنا البريدية