الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10 الرجوع إلى "المنهل"

جانب من الادب السعودى الحديث, شعراء من الجنوب

Share

من دواعي الغبطة ان نرى حركة الفكر لها جذور فى كل ناحية من نواحي المملكة العربية السعودية . . فى هذا العهد الزاهر السعيد . .

اقول هذا بعد ان وصلت الى يدى نسخة من كتاب جديد يحوى باقة من الشعر الحديث لاربعة من شعراء الجنوب " جازان " وهؤلاء الشعراء هم السيد على بن محمد السنوسى ، ومحمد بن احمد عيسى والسيد محمد بن على لسنوسى ، وهو نجل السيد على . . ثم السيد احمد عبد الفتاح الحازمي

الاول شاعر عالم ولد فى مكة - كما جاء فى ترجمة حياته المدونة فى هذا الكتاب - ثم سافر الى اليمن يطلب العلم ثم جاء الى جازان عام ١٣٣٤ ه ليتقلد مصانب القضاء فيها ، وقد ظل قاضيا لجازان حتى عام ١٣٥٤ ه

وشعر السيد على جزل رقيق . . ويتسم بقوة العاطفة والحرارة وان كان بجرى على اسلوب القدماء فى طريقته واغراضه ومعانيه فله فى ذلك العذر كل العذر ، وحسبه انه اول شاعر من الجنوب يقرأ الناس له مثل هذا الشعر الغزلى . . من قصيدة بعنوان " كيف السبيل ؟ " :

كيف السيل إلى العذيب ، فاننى         شاهدت فيه البرق تحت لثامك

ولقد حاولت لثم خدك مرة               فيصدنى خجل برؤية خالك

سقيا لليلات الوصال وانسها             لهوا على الكاسات فوق بساطك

طورا نمازجها , وطورا نحتسى              صرفا على رشفات شهد رضابك

ايام لا واش احاذره .. ولا                اخشى الرقيب على اغتنام وصالك

الى ان يقول :

وانا الهوى وخليله وزميله             ودليله ، والكل طوع بنانك

وارى الهوان على هواك كرامة            والــــــندل اعزازا برغم عداتك

ثم انظر الى لطافة هذا البيت على ما فيه  من سذاجة وقد جاء مسك الختام لهذه المقطوعة :

قالت وقد ضحكت سلمت من الردى           فأجبتها : شكرا , وانت كذلك !

انه شعر رقيق يزخر بالعاطفة , ويتسم بالحيوية ، وليس ينقص من

قيمته الفنية انه شعر كلاسيكى . . كما يحلو لبعضهم ان يقول . .

اما الشاعر الثاني في هذه المجموعة " محمد بن احمد عيسى " فقد نشأ وتلقى معلوماته فى صبيا ، ثم درس العلوم الدينية وعلوم النحو والصرف والبيان فى جازان وهو اليوم من كبار موظفي المالية هناك . .

فى شعر الشاعر نزعة تحررية ، وشعور بالذات وجنوح الى الموضوعات العامة كما ترى فى قصيدته المطولة وهي التى انشدها فى حفل عيد الاضحى لعام ١٣٦٣ وفيها يشدو الشاعر بالوحدة العربية . . ودعوة الاقطاب - اقطاب السياسة فى الحرب العالمية الثانية - لجلالة الملك عبد العزيز - رحمه الله - مشيرا الى اجتماع جلالته بهؤلاء الاقطاب ثم دعوتهم للدول العربية فى هيئة الامم المتحدة ويتغنى بالشعب العربى وما سجله التاريخ من المواقف قائلا :

له مواقف في التاريخ شاهدة               بأنه لصروح السلم قد رفعا

مساهما في حضارات الشعوب له           فضل على كل من للعلم قد رضعا

ثم ينتقل فى هذه القصيدة الى مؤتمر سان فراننسيسكو ، وهزيمة المانيا . . و . . و الى اخر ما كان يشغل العالم من امثال هذه الموضوعات اثناء تلك الحرب العالمية وبعدها . .

ومن ارق ما في هذه المجموعة قصيدة للشاعر " جازان " التى يقول فيها :

جازان ! اني من هواك لشاك                فتنصتى لهزارك وفتاك

واصغي الى همسات قلب طامح            متوثب الالهام والادراك ..

ثم ماذا ؟ . .

يتعشق الفجر الوضي وير توى          اشعاع نور كواكب الافـــــلاك

نشوان من خمر القريض يعب من       نبع تدفق بالرحيق الزاكى

خضلت به دنيا الجمال فأخصبت      اسمى العواطف والشعور الذاكى

انا من علمت ، ولا اقول مباهيا         قد صاغ من در البيان حلاك

الى ان يقول :

قلم هززت به يميني ، فانبرى          كالبرق في متلاطم الاحلال

لمع يضيئ على مشاعل نهضة        لطلائع الاجيال فوق ثراك

وتر يرن بمسمع الدنيا له               نغم يردده الزمان وفــــــاك ...

ولقد نظرت اليك نظرة شاعر         سامى الخيال .. مدله بهواك !

يرعى شواطئك الجميلة هاتفا        ومفردا ... بجمالها وصبــــــــاك

ثم يختتم القصيدة بهذين البيتين قائلا :

ان لم اقدر فيك رغم تفوقى            ويكون حظ النــــابهين جفـــــاك

فلقد مضى ..ان النباهة في الورى     حفت - كمثل الورد - بالاشواك

صدقت ايها الشاعر ، وان هذا الذى تشير اليه لسوء حظ الانسانية هو واقع الحال فى كل مكان

وفي قصيدته " بيرس شيلى " وهو الشاعر الانجليزى المشهور ما ينبئ عن ثقافة شاعرنا . . وارتوائه من المناهل الغربية للادب الحديث وهي سمة من سماته فى نزعته التحررية التى اشرنا اليها . . يقول الشاعر في هذه القصيدة :

روح على الفن من اشعاعه الق         يلوح في ومضات الشعر باتلق

وشعلة من ذكاء .. ظل يلهبها           قلب غدا بأوار الحب يحترق

وجرس صوت  من الالهام منبعث            يرن فى مسمع الدنيا ويندفق

يضفى الرداء على الافكار ينفحها         ريا الخلود , وفجر العمر مؤتنق

تحدرت من سماء الفن هابطة                للأرض مجهشة الانفاس ترتجف  

حلت تجاليد جسم ظل جوهرها الشفاف درا مضيئا ضمه الصدف

تعيش فوق اديم الارض ظامئة              ومن منابع فيض الفن ترتشف

تعب ضوء بيان ثم تنفثه                   شعرا تلألأ من اشارقه الصحف

إلى آخر هذه القصيدة . . ويلاحظ القارئ نزعة الشاعر التحررية واضحة فى عدم تقيده بالقافية الواحدة كما كان القدامى يتقيدون .

وقصيدة " قبس من أشعة الحق " هي الاخرى من روائع هذا الشاعر الموهوب ، ولو ان الشاعر جعل عنوان قصيدته هذه " من وحي عرفات " فاكبر الظن انه عنوان اقرب الى الروح الرفافة المتجلية فى هذه القصيدة التى يقول فيها :

قبس من اشبهة الحق قدسي            يتجلى على المشاعر ، يمسى

تتبارى فيه الملائكة اطيا                 فا , من النور بالتسابيح همس

جانحات بين المقام وجمع                  في رفيف نحو الحطيم ولمس

حين عج الملبيون وهلت                السن القوم من فصيح وخرس

اقبلوا هاطعين من كل فج              وعنوا خانعين من كل جنس

رددته الجبال . . والقمم الشم ، وفاض الحشوع في كل نفس

الى ان يقول :

وفضاء مقدس الساح طهر                 حرم لا يحل يوما لرجس

لملمت ذيلها الرياح احتشاما                 وسعى الدهر في ثراه بهمس

من ثنياته وشم روابيــــــ                         ــه أضيئ الوجود والليل يغسى

وتعالت مطالع النور فى الكو                   ن تنير الهدى لجن وانس

بسنى " احمد " وقد حل فى الافق على عالم العقول بشمس

فاذا الوحي سائغ الورد عذبا              سلسلا كالزلال للمتحسى

واذا مشرع الشريعة قد فا               ض على قادة العلوم بدرس

شرعة حقة ، ودين حنيف               دعم العدل والحقوق بباس

ذاك بدر انار والليل داج                   وضياء جلى به كل لبس

نهض الشرق في سناه وقامت                دولة فوق قمة المجد ترسى

ملكت ساحل المحيطين . . قسرا            واحتوت " قيصرا " وثنت بفرس

واخيرا يتساءل الشاعر :

ليت شعرى اينصف الدهر قوما                   طالما سودوا على كل جنس

اسسوافى مشارق الارض عرشا                    عربيا . . وفي المغارب كرسى

كلما جال ذكرهم في ضميرى                    كاد أن يغمر التخـيــــــــل حسى

ثم يشير الى الدولة التى انشأها العرب والمسلمون فى عصرهم الذهبى فيقول :

لم تشــد مثلها على الدهر " روما "          فى علاها . . وما اتيحت لرمسي

وهو يعنى هنا " رمسيس " احد ملوك مصر القدماء ، كما نظن ، وكما هو ظاهر على اننا نلتمس ان يعذرنا الشاعر المفضال اذ اجزنا لنفسنا ان  نتصرف تصرفا نحويا بسيطا فى بيته هذا فقلنا " وما اتيحت لرمس " .. وكانت في الاصل " ولم تتاح لرمس " وهو خطأ نحوى لم يكن له مسوغ

اما الشاعر " محمد بن على السنوسى " فقد ولد بجازان ودرس فيها العلوم الدينية ، وهو ابن السيد على السنوسى الذى سبق ان اشرنا اليه .. والابن هنا يجرى على غرار ابيه .. مع قليل من الميل الى التجدد نتيجة لقراءاته لشعر المعاصرين من امثال " على محمود طه " الذى يحييه الشاعر بقصيدة جميلة من قصائد هذه المجموعة ويقدم لهذه القصيدة بقوله :

" الى تلك الروح المرفرفة الحقيقة ، والى ذلك " الملاح التائه " اقدم هذه الباقة الشعرية تحية اكبار واعجاب "

ثم يقول واصفا " الملاح التائه " :

عبق يفعم النفوس شــــــــذاه                ويثير الهوى عبير صـــــــــــــباه

شاع فيه الجمال واتسق الفن            وفاحت بعطره دفتــــــــــــــاه

ثم يقول :

لحظة شاعر الجمال اناج                   يك بالحانك الرقاق العذاب

ورويدا أجلو عليك صبابا                  ت غرامى . . وذكريات شبابى

قف ابث الهوى عواطفك الحــــــــــرى واجــــــلو عليك كأس شرابى

انت علمتني منادمة الرو                   ض واغريت بى هزار الروابى

وهكذا يستمر شاعر الجنوب العربى فى مناجاة شاعر النيل او شاعر الخيال وغريد المعانى وطيرها الصداح كما يقول :

ايه يا شاعر النجوم والليل والبد                ر.. سلاما معطرا فواحا

لو ترى كيف اصبح الافق السا                جي كئيبا وكان يندى سماحا

طويت بهجة الســــــماء وغارت                 انجم كنت بدرها اللماحــــــا

ما من شك ان الشاعر على السنوسى متأثر الى حد كبير بعلى محمود طه كما يبدو ذلك - وفى هذه القصيدة على وجه الخصوص - واضحا كل الوضوح

وبعد .. فهذه المــــــاة عن اخواننا فى الفكر ، وفي العروبة والموطن ، شعراء الجنوب لعلها تكون تمهيدا نقرأ بعده من الدراسات لآثار هؤلاء المواطنين الاعزاء ما نرجو ان يكون اوسع بحثا واكثر تناولا لجوانب اخرى من شعرهم ونثرهم ..

اشترك في نشرتنا البريدية