اتقدت عينا هارون الرشيد ولمعت لمعانا غريبا مخيفا حينما رأى خالد بن ابي ذؤابه يترنح بجسمه الضخم في سلاسل لا حد لها بين حارسين يحكيان زبانية جهنم كل منهما ممسك بيد ذراعه المفتولة وبالأخرى قابض على سيف مهند متعطشا إلى دماء تروى صفحته الصقيلة اللامعة وللسيفين في ايديهما بريق ووميض يخطفان الابصار . هذه رابعة يخرج فيها هذا الامير المتهور على جبار بني العباس مستخفا بعظمته وشدة بأسه وفي كل مرة يخلف عن طموحه إلى الخلافة حظه العاثر فى ميدان الثورة والخروج وهو حين يتحدى هارون يتحداه وقد أيقن انه وصل لكنه للاسف الشديد ابدا يسبق حظه إلى العمل فيقع أسيرا بين يدى غريمه :
ومرات ثلاث يشمله عفو جبار بني العباس ويعاد الى عمله مكرما معززا بنوائله لكنها النفس الخبيثة الامارة بالسوء لا تكاد تستقر على دعة وأمان
أجل هذه رابعة يتمثل فيها بين يدى هارون مكبلا بالحديد من رأسه إلى اخمس قدمه وهو نفسه يائس هذه المرة ولا يرجو لنفسه العيش إلا لحظات قلائل لأنه أصبح خطرا على حياة الدولة ومن الحكمة محوه عن صفحة الحياة ، ومن الذي يضمن بأن من عمل شيئا اربعة لا يتأخر عنه الخامسة
وهو نفسه لو حيل بينه وبين الحياة لعاد الى ما كان فيه ، وكيف لا ! وقد وضع امامه مطمحا من المحتم أن يصل اليه مهما كلفه ذلك من أمر وهو الآن ايضا سيرمي آخر نيل فى جعبته ويعتذر آخر عطف فى قلب هارون ، أجل انه لن يتوانى عن ذلك لحظة .
وما أن تقدم خالد بن ابي ذؤابة صوب هارون حتى هب واقفا وأمر الحارسين بفك السلاسل ثم تقدم قليلا وأمر خالدا بأن يقترب منه ، ثم عانقه عناقا حارا وعاتبه عتابا لطيفا وأجلسه بجانبه ، وكان خالد كأنه فى حلم او كأنه
مس فى عقله لأنه كان ينتظر قهر جبار بني العباس وأمره الصارم بقتله ولم تكن إلا لحظات حتى يطاح رأسه بسيف الجلاد . ولم يكن كل ذلك ، بل كان عتبا خفيفا ولوما رقيقا لا أكثر ولا أقل . ما أوسع عفو هؤلاء الملوك . وما أرحب صدورهم .
كان خالد غارقا فى هذه الافكار والتأملات وما انتبه إلا على صوت هارون يأمر قهرمانه بإيصال خالد بمائه الف الف دوهم وكتابة مرسوم له على ولاية خراسان وحينئذ لم يتمالك خالد نفسه من الجذل حين سمع هارون يغمره بكل هذه العطايا وقام يقبل ايدى هارون واقدامه
وبعد أن انصرف الحاضرون أذن له هارون بالذهاب الى عمله وأكد له عفوه فمشى خالد صوب باب القصر وهو لا يكاد يصدق نفسه .
وثانيا ! هب هارون واقفا وهو ينظر الى خالد بن ابي ذؤابة وهو متدبر يجد في السير وقد قرب الباب .
وبغتة رفع جبار بني العباس يده باشارة خاصة وانقض يد احد الحارسين بالسيف هاويا على عنق خالد كالصاعقة فتدحرج رأسه على الأرض كالكرة

