الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5 الرجوع إلى "الفكر"

جبانة المؤمنين

Share

كف وكتف ومقبض. كفان وكتفان ومقبضان. بل اربعة أكف وأربعة كتاف وأربعة مقابض. أربعة مقابض غليظة تنزل غائصة فى أربعة أكتاف مسدة الى أربعة أكف. أربعة مقابض صفراء، خشبية، غليظة، مشققة تنزل فرة، غائصة فى أربعة أكتاف تنتمى الى جبة سوداء، وجبة شهباء، وجبه حمراء داكنة، وجبة زرقاء قذرة، مستندة جميعها الى أربعة أكف صفراء، طبة، معرضة كلها لحر الشمس التى لم تدع نسيم الصباح وهواء الضحى من اسرسالها فى مداعيتهما الوجوه، فهى قد أخذت مكانها فى الوجود، متملية فى العلو والتعالى فى السماء، مشرفة على ما تحتها، مرسلة وهجا يحر الثرى ويجفف الاعشاب من الطل، ويعتصر عرق الوجوه المتمايلة، المترنمه فى مشيتها المهمهمة، المغمغمة، ويضرب الالواح والمقابض الخشبية فلقها، ولا يردعها إلى الوراء، فهي دائبة فى التنقل والسعى الى الامام، قم أخلاط كثرة من الناس يتماوجون، يصعدون انفاسا لاهثة، مزمجرة، ويطمون، ويركلون الحجر دونما قصد أو حذر، باعثين من بطونهم أصواتا منه خارجة من أفواههم المزبدة دونما افصاح، دونما اكتراث، وغمغمات حول بين الصفوف الممتدة عل أرض الطريق الطويلة، وعيون باكية فى وجوه الهبتها الشمس فأفرزت عرقا يسيل على الخدين حتى اختلطت الدموع بهذا العرق، فاذا الكل يبكون ولا يبكون، ويسيرون سير الافعوان البطئ الحركة، الضعف الحياة، يكسوهم واصفرار كثف وعرق ينصب ثقيلا خشنا. والموكب دائم التقدم فى بطء بطئ، وخلف النعش وسماط الرجال المشيعين، كانت النسوة على بعد خطوات يمشين مخبطات على أفخاذهن، دامعات العيون، نادبات الخدود، كالحات الوجوه، ساهمات.

- الله يرحمه .. برد الله ثراه .. أدخله الله الجنة .. وصبى تعلق بتلابيب أمه يسألها ويلح فى السؤال بحيرة: - أين الله؟ .. أين الله؟ .. وجواب مقنع من هيكل أنثى تقدمت بها السن: - فى قلوب المؤمنين. (الله واحد .. كيف يكون فى قلوب المؤمنين)

الشمس تذيب شحم الموسرين، وتحرق عظام المعوزين، وتفرز العرق، أو تخلق الدموع. الشمس حارة كموت هذا الانسان، والسير أضنى الجماعة وأدهشهم، وتملكهم القلق والعياء لو لم تبد لهم الجبانة من بعيد تستعد لاستقبال نزيلها الجديد.

وعبر أجفانى المتعبة رميت بنظر مكدود وعقل شارد الى بعيد حيث امتدت جبال قامت فى سفحها حقول وحدائق غناء، خضراء، وارفه الظلال يتمنى ظلها كل من يسير فى الجنازة. ومن فوق الرؤوس كانت السماء صافية الزرقة، رحبة، تنزلق فيها الشمس الآكلة بأشعتها كل شئ. وفضاء كثيف تشقه بعض الغربان الناعبة والحداء الصائحة، والنعش مرفوع يتنقل.

أربعة مقابض صفراء، خشبية، غليظة،مشققة تنزل حافرة، غائصة فى أربعة أكتاف تنتمى الى سترة شخماء، وسترة بيضاء مبقعة، وسترة سوداء بالية، ، وسترة زرقاء تافهة، مستندة جميعها الى اربعة أكف صفراء خشنة. وبين المقابض والاكف والاكتاف الواح قديمة مهترئة أكلتها الشمس وبدأ السوس ينخرها، ألواح تقزقز وتصر صريرا. ومحمول هذه الالواح كتلة لحم مرمية مغطاة بلحاف أبيض، ترتعش فى كل اتجاه مع أى حركة.

منذ حين كان لهذه الكتلة من اللحم نفوذ ورأى فى الامور، كان لها منازل وحقول، وأهل وبنون، وأحباء، وأصدقاء أوفياء. منذ حين كان لها حياة وروح وعقل. لم يضع من كل ذاك شئ الا عمر وحياة وروح وعقل، فنيت كلها وبارت واندثرت. لم يبق سوى هؤلاء المشيعين من الاهل والاحباب أو هذه المنازل الجاثمة تنعاه بصمتها وخلوها، وهذه الحقول تشهد عبوره الاخير محمولا، مرفوعا.

ووضع النعش، وأقيمت الصلاة خلفه، بينما كان الحفارون يمهدون القبر برمل حر، طرى. ويهمهم القوم بكلمات ترثى الميت، وترثى عمره الذى انطفأ فجأة، وترثى الايام السعيدة، وترثى تعاسة الحياة والوجود وكساد التجارة وشقاء الانسان. ثم يقتربون من القبر وتصيح النسوة وهن يرين الفقيد آخر مرة، ويوارى فى الارض، وتوضع الاحجار ثم يهال عليه التراب، ويحكمون بناء القبر بالجص، ثم يصب الماء وتغسل الايدى فوق قبره

واصطف أهل الميت يتقبلون التعازى ووجوههم الى الارض مشدودة، بعيون مفتوحة، متسعة، تلتهم التراب. ومر الناس يقبلونهم واحدا بعد آخر بشفاه كسرت برودتها الشمس.

- الصبر .. البركة فيكم .. تلك ساعته .. الله يرحمه.

وفى ركن الجبانة حذو السور كانت النسوة واقفات يتأملن من بعيد ويصرخن بهدوء، ويشهقن، ويكفكفن دماء ندوبهن.

وصبى تعلق بتلابيب أمه يسألها ويلح فى السؤال بحيرة: - أين الله؟ .. أين الله؟ ..

وجواب مقنع من هيكل أنثى تقدمت بها السن - فى قلوب المؤمنين.

وتفرق الجمع. وبقى أفراد اسرة الهالك. رفعوا رؤوسهم، نظر بعضهم الى بعض، ثم التفتوا نحو القبر الذى مازال أخضر البناء. وبرزت دموع فى أعينهم، لم يمسحوها بل تركوها تقطر على ثيابهم. وتحركوا راجعين الى المنزل، شاغلين البال بما خلفه الراحل.

واجتمع الجمع يوم ((الفرق))، وتحلقوا حلقا، حلقا. وفى مدة انتظارهم الاكل، قامت الحناجر المتهيئة دائما لرفع عقائرها، وبدأت اللهجات المنغمة تتجمع فى لهجة واحدة لتقول على وتيرة واحدة وفى صوت جماعى رتيب: ((يا سعادة من يقول لا الاه الا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ..))

وفاح في الجو اللحم المطبوخ، فاذا بالقصاع قد أخذت تفد على الجالسين المنتظرين فتصدوا لها بكل ما يجب أن يقوم به انسان يوم ((الفر)) من أكل وحمد لله على هذه النعمة الموفورة.

وأكلوا، وشبعوا، فانحل مجمعهم وتفرقوا، عندما برك الليل على الوجود. وباشتداد سواد الليل ضرب الميت أحجار جدثه وأعلاها عليا وقام، واستوى خارجا، وتمطى وتمشى بين الاجداث، وانتبه الى أن أحدهم يريد الخروج من قبره فانتظره حتى برز من تحت التراب. والتقيا وتعارفا، وتحادثا، فاذا كلاهما حانق شديد الحنق، غاضب جد الغضب

قال الميت الحديث عهد بالمقبرة يخبر الآخر:

- الواقع قد خلت الدنيا من الاصحاب. صديقك فلان ، المخلص، الوفى لك .. ما كنت أحسبه يقدم على فعل ما فعل ..

- مـــــــــــــــاذا؟ ..

قلة حياء، وعدم اعتبار للعشرة والصداقة .. أنا احار كيف تسمح له نفسه بالتزوج من أرملتك ..

علمى هذا .. ماذا تريد. زيف .. دنيا الزيف .. كنت مخطئا فى وثوقي به .. والاعجب اقدام أرملتى المحترمة على هذا .. تبا لها .

وقام اليهما ميت ثالث متعثر فى مشيته، وقام اليهم رابع، فخامس، فسادس، ثم قام اكثر الموتى، وتجمعوا فوق أرض المقبرة وأخذوا يسألون الجديد عن الجديد فى الدنيا.

- ابنك نجح فى امتحانه الاخير وذهب الى الخارج لاتمام تعلمه. باع أخوك محاصيل الارض بربح كبير. ابنك الصغير انكسرت ساقه. شجرة العنب التى كانت تجلل واجهة المنزل أتى عليها الجمل .. ابنتك تزوجت من ذاك الذى منعتها عنه. أما أنت، فأكثر قمحك المخزون سرق ولم يبق الا النزر القليل. الامطار قليلة. السياسة العالمية كعهدك بها، فى اضطراب. العجوز امك مريضة أسفا على موتك، وقد خلفتها ملازمة الفراش. وأشياء أخرى رب تعلمونها من بعض زائريكم يوم الجمعة. أما أنا فقد أخبرنى الشيخ ودى اليوم بأن مهابته انتهكت ولم تعد له كلمة نافذة، وبأن الاخوة والابناء والزوجة فى صراع كبير على الارث.

وتحيروا واحتاروا مما صار بعد موتهم، وثار ثائرهم، وهاجوا وماجوا، حتى ارتجت جوانب المقبرة فى ليلة الجمعة، وأصبح غليانهم طاغيا على كل شئ فى هذا الليل، وقامت الجبانة نائحة، معولة، دافعه بكل ما حوت من الاجساد المعفنة ومن العظام المتفرقة التى رجعت اليها الروح.

واتهم بعضهم هذا الجديد بأنهم رأوه، عندما كانوا معه فى الحياة الدنيا، يمشى فى جنازة ((فلان الفلانى)) ضاحك الوجه، ثم يعود من المقبرة فيفعل ما يشاء كأن ((فلان الفلانى)) لم يمت. وقامت الاتهامات من كل جانب، كل متأخر يتهمه من سبقه .. وهكذا. واحتدمت أصواتهم وعلت، فالتحموا يتعاركون ويتضاربون. ثم أزمعوا الثورة على الاحياء حتى يرتدوا عما فعلوا، وربطوا أكفانم فيما بينها وكونوا مجموعة واحدة وهبوا هبة واحدة على الاحياء يجرون أكفانهم ويصرخون فى فراغ الجو المظلم الكثيف.

سطعته أشعة الشمس وهى تخترق زجاج السيارة فأفاق ونظر الى هذه المساحات الواسعة، الشاسعة، الممتدة امام ناظريه. وهذا الصفاء الذى تتجلى فيه السماء صحية زرقاء، تنزلق وسطها الشمس.

- آلو .. آلو .. نعم أنا هو .. كيف؟ .. متى؟ الخامسة بعد الظهر .. رحمه الله .. طبعا سآتى .. الدفن .. فى الصباح انتظرونى ... سأبحث عن سيارة خارجة هذا المساء .. الى اللقاء ..

هل ينتظروننى بالدفن؟

هذه ليلة قد مضت، ومن قبلها قد مضت ليال وأيام وأشهر، وأعوام، والعمر أيام تنقضى يوما فيوما، ساعة فساعة، ولحظة فلحظة، كهذه السيارة المارقة سهما، تطوى الارض ميلا، ميلا، وكهذه الشمس تطوى الليل، ليله، ليلة.

تلك جبانة النصارى، ومن هناك جبانة اليهود. مقبرتان هامدتان لا تعرفان الحياة كمقابرنا التى تعود اليها الروح يوم الجمعة.

عاجت السيارة الى اليمين ثم الى الشمال، حرنت. لقد وصل. نزل من السيارة، وقف، ونظر متفحصا الجبانة فرأى الغبار متصاعدا يثيره حفاروا القبر، وفاح منها التراب المحروق، الذابل المصفر.

ثم كان الموكب آتيا.

أربعة أكف وأربعة أكتاف وأربعة مقابض، أربعة مقابض صفراء خشبية، غليظة، مشققة، تنزل حافرة غائصة فى أربعة أكتاف مستندة كلها الى أربع أكف صفراء.

الله يرحمه .. الله يرحمه ..

وصبى متعلق بتلابيب أمه يسأل ويلح فى السؤال بحيرة:

- أين الله؟ .. أين الله يا أمى؟ ..

وجواب مقنع من هيكل أنثى تقدمت بها السن.

- فى قلوب المؤمنين. - وأينهم المؤمنون؟ فى الجبانة ...

ر. ك.

اشترك في نشرتنا البريدية